من هؤلاء نتعلم الرجولة..!

كتاب لها
10 - ربيع أول - 1430 هـ| 07 - مارس - 2009


1

تري.. هل نسينا ما حدث لغزة؟

وهل نسينا دم شهدائها يروي الأرض فتورق عناقيد الكفاح والإصرار على حفر الوجه الفلسطيني المسلم المعتز بذاته ودينه في كل ركن من أركانها!

هل ارتحنا وتنفسنا الصعداء حين هدأ ضجيج الفضائيات وكفت نشرات الأخبار عن إزعاج أعيننا بصور أشلاء الضحايا الأبرياء ومآذن المساجد  المهدمة وأثاث البيوت الذي تناثر ومعه مقاعد المدارس التي كان يجلس عليها بالأمس القريب أطفال برآء؟

هل نسينا؟.. لو استطعنا النسيان أو التناسي ساعتها نستحق أن نعلنها صريحة.. بأننا أقوياء، قادرون على ضبط مشاعرنا توجهها تبعا لإعلامنا الرسمي المبجل..!!

لكنني ألتمس المعذرة.. فلطالما حاولت بكل الطرق بل ولجأت للانشغال في زحمة الحياة التي لا ترحم، لكن سرعان ما اشتعلت الذكرى الرهيبة بداخلي مع دعاية حملة الإعمار التي قيل عنها.. نعم إعمار غزة..

غزة التي دمرت فلا يابس ولا أخضر!

ربما تتساءلون ما الذي جعلني أعود لحديث الأوجاع /غزة؟!

حسنا.. إنهما مكالمتان عبر الهاتف زلزلتا كياني وأجهشت بعد أولاهما بالبكاء والتي كانت من "أم محمد" الشابة الفلسطينية التي تعرفت عليها أثناء إجرائي حوارا صوتيا لـ"موقع لها أون لاين" مع الجرحى الفلسطينيين، وتبادلنا أرقام الهواتف. وأم محمد شابة فلسطينية يافعة جلدة، رأيتها وقد  نحت الصبر والإيمان ملامح وجهها، وبالرغم من إنها لم تتعد الثلاثين من عمرها، غير أن يد الزمن أبت إلا أن تترك بصماتها على وجهها الصبوح الذي كان يبدو برغم إرهاقه وتعبه كالبدر تحت حجابها الذي كانت حريصة عليه تمسك به كي لا يقع حتى وهي في حجرة العمليات.

هكذا قيل لي عن حياتها في غزة تحت خط النار،لا طعم للفرح مع وقع انفجارات القنابل فوق البيوت، استشهد زوجها الشاب تاركا لها خمسة أطفال، وأختين صغيرتين ووالدة طعينة، كانت "أم محمد" ضمن الجرحى الذين جيء بهم للعلاج في مصر، عولجت وتماثلت للشفاء وعادت إلى وطنها المسلوب ولم أرها، اتصلت بي من هناك وجاءني صوتها ضعيفا وباكيا، ولم يخل من إرادة وثبات، لكنه مشوب بالانكسار حين بدأت تصف لي ما حدث لبيتها، فقد تهدم كمئات البيوت في غزة، وأصبحت أم محمد لاجئة في منزل أختها وكلاهما لاجئتان على أرضهما وأرض أجدادهما!

 تسائلني أم محمد بصوتها الحزين: ماذا سأفعل؟ قلت لها: لا تخشي شيئا إنهم سيبنون بيتك وفق خريطة الإعمار التي تنفذ الآن وسيكون أجمل من الذي قصفت يد الغدر، ضحكت أم محمد ضحكة الباكي الحزين قائلة بالضبط: "اللي راح ما يتعوض يا أستاذه، حالنا اتبهدل وما حدن حاسس بينا أختي، هم يبنون كيف ما يحبون.. بتشوفي يبنون كنايس وما حدن نصراني عندنا قريب منا وتاركينا من غير إشي والله حالنا كرب ع الاخر"

وأسقطت في يدها لكن صوتها أخرجني من إحراجي وعجزي أمامها . فلا أملك أن أمنحها بعض أطنان من الاسمنت  الذي يذهب إلى أعدائها عبر معبر الكرمل على مرأى ومسمع الجميع، وليست لدي القدرة أن أمد لها خطا من الغاز الذي يذهب هباء بأقل من تكاليفه الفعلية!

 أم محمد أعفتني من الحرج وأنا أتلعثم قائلة: ليت الأمر بيدي يا أم محمد، فردت في إباء: الله موجود ومصر بأهلها الطيبين مش بـ... وهنا انقطعت المكالمة الأولى!

أما المكالمة الثانية فجاءتني بعد ذلك بأسبوع تقريبا.. وكانت من أحد الأخوة المصابين الذين كانوا في مستشفى معهد ناصر يطلق عليه زملاؤه من الفلسطينيين "الكبير" وهو لقب يقال لمن يتولى زمام الأمور في المكان.

جاءني صوته مفعما بالحزن والأسى حينما سألته عن بيته الكبير الذي حكي لي عنه والمكون من عدة طوابق والذي تقطنه العائلة بأكملها، رد "ماهر" قائلا: المنزل دكوه دكا لكن العائلة كلها بخير، وتحولت نبرات الحزن إلى ابتسامة متفائلة "بدنا نبني الدار من تاني يا أستاذة وكما ما تقولون بمصر "اللي يجي في الريش بقشيش" ومادمنا معا لن نتهاون أبدا.. ولن نضعف وكلما هدموا بيوتنا بنيناها وكلما القوا علينا قنابلهم استقبلناها بصدر رحب واعلموا أننا سندافع عن أرضنا وعرضنا ما بقينا على وجه الأرض"

إلى هنا انتهت المكالمتان اللتان أثارتا شجوني، فلم أدر هل أفرح لجلدهم العجيب، أم أبكي للتواطؤ والغموض ضدهم؟

ووجدتني أردد..

"من علم العيون أن تزيح الوسن؟                    

من علم الطيور أن تعانق التخوم؟

من علم الأحجار اختراق الغيوم

من علم الصغار احتضان الكفن؟"

وأيضا لم أجد إلا إجابة وحيدة..

إنها المرأة الفلسطينية في غزة والكرمل ورام الله ونابلس، في كل شبر من الأرض.. رسمت عليه بصماتها قصائد الحرية والبطولة والإباء فهي بإمكانها أن تعلم الجميع الرجولة.

نعم دعونا نعيش معهم لنتعلم منهم كيف تكون الرجولة؟ رجولة النساء اللائي صنعن الصبر والصمود والبسالة في إباء وشموخ مع رغيف الصباح الشحيح وكوب اللبن الذي يتلون بلون الدم في أكف الصغار!

إنهن أنجبن العظماء وربين الشباب على حب الله ورسوله والدفاع عن الأرض والعرض والشرف أشربنهم حب الجهاد لذا كانت الحياة لديهم معبرا للآخرة لا يلتفتون إلى زخرفها ناشدين الدرجات العلا من الجنة، فمنذ لحظات حملهن الأولى وهن تعلمن أجنتهن الرجولة والإقدام  فهنيئا لهن ما صنعن وهنيئا لهن ما جنين وهنيئا للجنة ساكنيها الجدد!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- عاشق فلسطين - مصر

13 - ربيع أول - 1430 هـ| 10 - مارس - 2009




نعم يا سيدتي نحتاج ان نعيش معهم لنتعلم منهم الرجولة فنساء فلسطين رجال بمعنى الكلمة والرجولة صفة والذكورة نوع وليس كل ذكر رجل وكثير من النساء رجال كما هو الحال مع امهاتنا واخواتنا في فلسطين الحبيبة.
أما الذين باعوا الأسمنت والغاز بسعر التراب للعدو النازي فسيكون فعلهم حسرة عليهم امام الله والناس والتاريخ.. وشكرا للكاتبة المحترمة فهي قلم حر وفكر مستنير يثبت ان في نساء امتنا الكثير من الرجال كاتبات ومجاهدات ومربيات.. حفظ الله امتنا من كل متربص داخلي او خارجي

-- عمادقطري - السعودية

17 - ربيع أول - 1430 هـ| 14 - مارس - 2009




جراحناياسيدتي لاتنسي فلسطين في القلب دمعنامدراركلماتك صادقة كالعهدبك دوماالرجولةموقف خالدمشرف مشتعل او مشعل شكراياسيدتي

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...