من يومياتي مع حماتي (3)!

عالم الأسرة
26 - ذو القعدة - 1440 هـ| 29 - يوليو - 2019


1

كان يوما جميلا؛ جدا..

ليس ككل أيام العام، يوم أتممت عامي العاشر في بيت زوجي، حينها كان طائر الحب ما يزال يفرد جناحيه على عشنا السعيد رغم بعض المنغصات التي تصر رغما عنا أن تعكر صفو مشاعرنا، لكننا كنا نستطيع الانتصار عليها دائما بما لدينا من مضادات للكآبة والمقالب ووضعها تحت السيطرة،

وظيفة زوجي تستلزم مبيته بعيداً عن البيت لمدة طويلة تكاد تصل لنصف الأسبوع، لذا أشعر بالأمان لوجود حماتي معي فهي "تؤنس وحدتي" بالفعل..

لحماتي دور كبير في تربية وتهذيب أولادي وإدخال الدفء في حياتنا،لكن والحقيقة أقول لكم: حينما نجتمع معا أنا وهي  فقط في مكان  واحد وبالذات وزوجي في فترة مبيته بعمله تصبح علاقتنا مثالية جدا، أما حينما يكون موجودا..  فالأمر يختلف كثيرا فهي تتغير وهذا ما يزعجني ويكاد يفلق رأسي من التفكير فيه،إن أتفه الأشياء من الممكن أن تقلب الحياة جحيما،وأبسطها من الممكن أن تحيلها لروضة فيحاء من رياض الجنة.

في اليوم الذي ذكرت من قبل أنه كان جميلا جدا ..عدت من العمل مبكرة هذا اليوم، دخلت المطبخ،تعجبت حماتي من همتي الزائدة،ومن تنوع ما أقوم بطهيه بحسب ما يحب زوجي،قائلة :إن هذا إسراف وتبذير وإن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، فابتسمت قائلة لها: لدينا مناسبة سعيدة يا ماما، وقد هاتفني زوجي الحبيب وطلب مني أن أعد له هذه الأكلات.. قطبت حماتي جبينها قليلا.. لكنها لم تعقب على كلامي، بل شرعت تفتح نافذة حجرتها متمتمة خير اللهم اجعله خير يا ابنتي،

 في المساء عاد زوجي الحبيب محملا بالهدايا وكرتونة ورقية كبيرة لم أعلم ما الذي فيها،كنا جميعا في انتظاره، تناولنا العشاء جميعا ثم انحنى علي مقبلا جبهتي قائلا:في مثل هذا اليوم منذ عشر سنوات كنا نبدأ معا حياتنا السعيدة،كل عام ونحن في حب وطاعة،

ولم يكد زوجي إكمال كلمته حتى بكت حماتي متذكرة زوجها أي حماي يرحمه الله،التففنا حولها وطفلينا ..قبلناها،ناولها زوجي شالا جميلا وضعه على كتفها ،ثم قال لي ضاحكا،"خمني ماذا في الكرتونه"؟ قلت:الله أعلم ،قال :المدفأة التي كنت تريدين لحجرتنا ،شكرته، وبعد أن انتهينا من التسامر، ذهبت حماتي إلى حجرتها،كذلك طفلي،وانطلقت وزوجي بدورنا إلى حجرتنا،أشعلنا المدفأة وجلسنا نتحدث فيما مر من عمرنا معا،ما حققنا،وما نتمنى أن نحقق،ما تمنينا وما لم نتمن،ما أسعدنا وما أبكانا،وجددنا العهد بيننا..عهد المحبة والإخلاص،

فجأة..

انفتح باب الغرفة دونما استئذان،وانطلقت نظرات حماتي كأنها السهام فيما بدا من جسدي،سترت نفسي، وصمت زوجي من المفاجأة فلم نكن نتوقع دخول أحد علينا قلت :هل بك شيء يا ماما؟ أنت بخير؟

ردت غاضبة وهي تخلع "فيشة"المدفأة: ماذا تفعلان بهذه؟ ثم توجهت لزوجي:أهي أحق بالدفء أم أمك التي ربتك وسهرت من أجلك وحرمت نفسها بعد موت أبيك؟

الحق.. سيطرت على زوجي حالة من الصمت الغريب، فلم يرد، فقط جذب الغطاء على وجهه ونام، بينما هي حملت المدفأة وهي ما تزال تطنطن بكلمات غير مفهومة صباحا.. لم  يواجهني زوجي حينما أوضحت له غضبي لما فعلت أمه وطلبت منه أن ينبهها بألا يحدث ذلك، فأجابني بأنه لن يستطيع إغضابها بمثل هذه المعاتبات، وعلى مائدة الإفطار كانت نظراتها تغرس أظافرها في لحمي وهي تقول لزوجي: " دفاية لها وأنا ست كبيرة لا أتحمل البرد خلاص ما عادت مروءة لديك؟" رددت عليها بعصبية فما كان منها إلا أن وبختني واشتد الموقف بيننا ، وزوجي صامت مازال لا يدري مع من يقف؟ ولكي يوقف نزيف المعركة صفعني  أمامها وطفلاي يبكيان..

انسحبت إلى غرفة أخرى ودموعي على خدي، وهي ما تزال تشكو وتتكلم، لملم زوجي حقيبته وقبل رأسها وعاد من حيث أتى، وظللت وهي لشهر كامل لا نتكلم،وقد هاتفني زوجي طالبا  مني أن أعتذر لها..لكنني كنت أصر على الرفض في كل مرة،فلم أفعل شيئا يستحق تقديم الاعتذار،بل وصل الأمر أن أغلقت هاتفي حتى لا يجبرني على ذلك ..حاول تهدئة أمه لكنها كانت صلبة الرأي هي الأخرى،

في هذه المدة التي  غاب فيها عن البيت لم تهدأ معركتنا معا،فكلما زارنا زائر تحكي عن المدفأة  وما رأت بالتفصيل الممل ،حتى كرهت نفسي وتعجبت أهذه هي حماتي التي أعرف؟ظللنا لشهر كامل لا تتقابل وجوهنا وراحت محاولات زوجي وأقاربنا سدى..

أعترف أنني أخطأت في حقها وحق زوجي وحق نفسي وأولادي لأنني لم أواجه الأمر بشكل أكثر عقلانية

فهمت الدرس نعم .. لكن .. بعد فوات الأوان

أتدرون متى تقابل وجوهي أنا وحماتي بعد هذا الموقف التافه ..العصيب؟

 في سرادق عزاء زوجي ..إ

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...