موعد مع الطبيبة!

أدب وفن » دوحة السرد
09 - ربيع أول - 1440 هـ| 18 - نوفمبر - 2018


1

دخلت مطبخها في الصباح الباكر متثاقلة, فتحت الثلاجة, ماذا يمكن أن تعد اليوم للغداء؟ لديها بعض الخضار, باستطاعتها أن تعد طبق الخضار المنوع, إنه الطبق الذي يفضله زوجها, وعسى آلا يجد ما يلومها عليه اليوم, فهي لم تعد تحتمل المزيد من النقد الذي اعتاد أن يوجهه لها يوميا, حتى لقد أصبح النقد هو الطبق اليومي الذي تأكله على مائدة الغداء، وكثيرا ما كان هو الطبق الوحيد.

أخذت في تقطيع الخضار, جرحت يدها وهي تقطع الدجاج, وسال دمها, رمت السكين من يدها، وجلست على أقرب مقعد وأخذت تبكي, فقد نبه هذا الجرح الصغير في يدها جراحها الغائرة التي ملأت قلبها ونفسها وروحها.

 

انتهت من إعداد الطبق, واجتهدت في تقدير كمية الملح والتوابل الأخرى؛ حتى لا تكون أقل أو أكثر من المطلوب؛ فتعرض نفسها لملاحظاته اللاذعة, لم تستطع حتى أن تتذوق الطعام, فهي في بداية حملها، وتعاني من أعراض وحم عسر, وضعت يدها على بطنها, يا لهذا المخلوق الصغير! إنها حتى لا تتطلع إلى قدومه مثل بقية الأمهات.

أيقظت زوجها, وهي تحضر حقيبتها, لم تنس سجل تحضيرها وأوراق الطالبات التي سهرت في تصحيحها ليلة أمس, أفاق الزوج وهي تتهيأ للخروج.  قال: أأنت ذاهبة إلى المدرسة؟

تصنعت التبسم وهي تقول: نعم، ولدي اليوم موعد مع الطبيبة. قال وهو يتثاءب: هل من الضروري أن تذهبي؟

قالت: إني متعبة جداً, ولعلها أن تقول لي شيئاً.  أدار وجهه إلى الناحية الأخرى وجذب إليه لحافه وهو يقول: لعلها.

في العيادة؛ قالت لها الطبيبة: وزنك يتراجع, أنت نحيلة جداً، وهذا لا يعجبني, ثم أضافت باسمة وهي تحاول حثها على الحديث: هل زوجك نحيل أيضا؟

اكتفت بإشارة نافية.

 قالت الطبيبة مداعبة: إذن فهو يأكل حصتك.

 تمتمت تقول: ويأكل عمري.

 سألت الطبيبة: ماذا قلت؟ ردت: لا شيء, لاشيء!!

في المدرسة, تكررت ملاحظات زميلاتها, تبدين مرهقة اليوم!. أشارت صديقتها إلى بطنها، وهي تقول في مرح: يا لهذا المشاغب الصغير يرقد هنا في سكينة وطمأنينة، ويتسبب لك بكل هذه المعاناة!!

تنهدت وقالت: قد يكون بريئا من هذه التهمة أكثر مما تظنين.

ــ ما بكِ؟ أفضي إلي, ألسنا صديقتين؟

ــ بلى, ولكن!. سكتت قليلاً ثم قالت: ما ظنك بامرأة دخلت برزخاً, لا هي تستطيع اجتيازه، ولا تقوى على العودة منه, فهي تراوح مكانها بانتظار نهاية ما.

ــ هذا ضعف, انهزام, يجب أن تقاومي.

نظرت إليها كمن ينظر من عالم آخر, ولم تجب بشيء. حاولت صديقتها إخراجها مما هي فيه, قالت: فأين أحلامك؟ وأحلامنا؟ ألم نكن نسعى لتحقيق حياة أفضل لقريتنا، بل لأمتنا؟

 رن جرس المدرسة واضعاً حداً للحوار, ومعلناً انتهاء يوم دراسي آخر. تناولت ريّا حقيبتها، ومضت تمشي إلى منزلها القريب, وما أن لاح لها حتى شعرت بالعجز, لم تستطع مواصلة المشي, توقفت واتكأت على الجدار, أزكمت أنفها رائحة قتار (دخان شواء) تنبعث من أحد البيوت القريبة, ويبدو أنها من بيت هذه العجوز الجالسة هنا, إنها رائحة طيبة، تنبه إحساسها بالجوع، فهي لم تتناول وجبة جيدة منذ أيام, كانت العجوز المهيبة تجلس أمام بيتها، تحمل بيدها عصا تتوكأ عليها إذا قامت، ولها فيها مآرب أخرى, فقد فوضت أعمال المنزل إلى بناتها وحلائل أبنائها، وتحملت هي مسؤولية الإشراف على الشؤون العامة، واتخاذ القرارات الهامة, وما دام كل شيء يسير في البيت الكبير كما تروم, فلا ضير من أن تجلس هنا تمتع ناظريها بربيع أطل على القرية بوجهه الجميل، فاهتزت له أرضها وربت وأنبتت من كل زوج بهيج, وتفتحت الأزهار بألوان شتى على رؤوس الأعشاب, كل ذلك يشيع في نفسها أجواء من الفرح والبشاشة، ويفتح أبواب أمل عريض.

أخذت تراقب الأطفال في مشهدهم اليومي, يلعبون تارة، ويتشاجرون أخرى, يجلسون على الأرض، يبنون من الطين بيوتاً ثم يهدمونها في لهو ومرح, إنها تفكر في زيارة المدرسة غداً؛ لعرض اقتراحاتها بشأن الإفادة من طاقات هؤلاء الأطفال في عمل جماعي لصالح هذه القرية كتنظيفها، وتزيين مداخلها.

 وقعت عيناها على المعلمة البائسة, قالت لنفسها: أهذه ريّا التي احتفلت القرية بعرسها منذ قرابة السنة؟! قامت إليها تسندها، وهي توشك أن تسقط من الضعف, شعرت المرأة الكبيرة بالأسى! فريّا التي عرفت لم تعد تحمل في أثوابها غير بقايا امرأة, أصرت على إدخالها المنزل, وجاءتها بكأس من عصير الليمون الطازج.

ــ هل الغداء جاهز؟ صاحت العجوز.

ــ دقائق ويكون جاهزاً, ردت زوجة ولدها.

قالت العجوز: اسكبي طبقاً لريّا، فهي ضيفتنا اليوم، وأول من يتذوق غداءنا. هيا بسرعة.

 أخذت ريّا في تناول غداءها, والعجوز تتظاهر بالانشغال عنها بحياكة شيء في يدها, بينما كانت ترمقها من بعيد محاولة قراءة حكايتها التي كانت ترويها نظراتها ولفتاتها وصمتها، وبعض فلتات لسانها, على مقربة منهما بدأ طفل رضيع بالبكاء, لم تلتفت إليه جدته.

 قالت ريّا ولم تحتمل بكاء الصغير: الطفل يبكي يا خالة.

 ردت بهدوء: دعيه, إنه يعرف ما يريد, تململت ريّا وتلمست بطنها، وقالت: اسمحي لي بحمله, أنا سأسكته.

 قالت العجوز: افعلي إن شئت.

 حملت ريّا الطفل الرضيع وأخذت تهدهده, سكت الصغير مليّا بين يديها, لكنه عاد يبكي ثانية، ويشتد صراخه, فنظرت إلى العجوز متسائلة: ما العمل؟ إنه طفل صغير لا حول له ولا قوة.

 قالت العجوز: ألم أقل لك إنه يعرف ما يريد؟ وأضافت في ثقة: وسوف يحصل على بغيته بطريقته.

 ما هي إلا لحظات حتى دخلت امرأة مسرعة تجفف يديها على عجل، وتناولت الطفل من ريّا، وألصقته إلى صدرها بحنان ظاهر, وأخذت ترضعه, ركزت العجوز نظرها على عيني ريّا وقالت مبتسمة: هذه واحدة.

سألت: ماذا تعنين؟

 قالت العجوز: أرأيت لو أن الطفل لم يصرخ كما سمعت، أكانت أمه لتترك عملها، وتأتي لإرضاعه على عجل هكذا؟

 قالت: لا أظن ذلك.

 عادت العجوز للتشاغل بالحياكة، وتركت ضيفتها غارقة في تأملاتها, ثم صاحت تقول: أين الشاي؟

 ما لبثت قليلاً حتى دخل عليها بعض أحفادها يتصايحون, وكل يريد أن يشرح لها المشكلة, وبين يديهم لعبة تشبه الشطرنج يسمونها (البرسيس) قال أحدهم: إنه دوري.

 وقال آخر: بل هو دوري.  وقال صغير مخاطبا جدته: إنهم لا يريدون أن يشركوني في اللعبة, يقولون لي: أنت صغير, يريدون لي أن أتفرج عليهم فقط.

 قالت الجدة تحاوره: وما يضيرك أن تكون متفرجاً على اللعبة، فلا تكسب ولا تخسر؟

 قال الصغير معترضاً: إلى متى سأبقى متفرجاً! أريد أن آخذ دوري وألعب.

 قالت الجدة: فإن خسرت؟

 فكر قليلا ثم قال في قوة: أخسر مرة، وأربح مرة, المهم ألّا أكتفي بالتفرج وهم يلعبون.

 مالت العجوز إلى ريّا وقالت: هذه الثانية.

 سألت ريّا: ماذا تقصدين؟

 قالت: هذا الطفل لا يرضى بالتفرج، وأقرانه يلعبون, وأنا أعرف واحدة ترضى بأن تكون هي حجر اللعبة.

 أطرقت ريّا، بينما أخذت الجدة في الفصل بين أحفادها بهدوء.

 قامت ريّا تستأذن للخروج، شاكرة لمضيفتها كرمها ورعايتها، وقامت العجوز تخرج معها مودعة.

 عند باب المنزل: رأتا طفلاً يقود شويهة (شاة صغيرة) بحبل في عنقها, تبادلت المرأتان نظرة سريعة, قالت ريّا ضاحكة: هل هذه الثالثة؟ ردت العجوز ضاحكة أيضاً: أنا لم أقل شيئاً.

قالت ريّا محاولة استدراجها: لكنك أردت أن تقولي, أليس كذلك؟

 ردت المرأة الكبيرة مداعبة: فإن أبيت فهو تشبيه مع الفارق.

 قالت وهي تكتم ضحكتها: فما الفارق يا أستاذتي؟

ردت العجوز: أنت جميلة يا ريّا.

 وضحكت المرأتان، وسلمتا مودعتين على أمل تكرار الزيارة. مشت ريّا باتجاه بيتها الصغير, خيل إليها للحظة أن البيت يعجّ بأولادها وأحفادها, ابتسمت لهذا الخاطر, وتابعت طريقها بثقة.

عند الباب تلقاها زوجها قائلاً: ماذا حدث؟ أنت أفضل حالاً الآن.

 قالت في مرح ظاهر: ألم أقل لك: كنت على موعد مع الطبيبة؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...