نحو بيئة أسرية سليمة لتنشئة أبنائنا (2)

دعوة وتربية » نوافذ
26 - صفر - 1440 هـ| 06 - نوفمبر - 2018


1

الإسلام حرص على إقامة البيت المسلم على أساس من المودة والرحمة وجعله سكناً، كما حرص الإسلام على قيام الأسرة على أسس متينة وسليمة؛ لأنها هي الدعامة الأولى التي يتشكل منها صرح المجتمع، ووضع على كاهلها أعباء تربية النشء، كي يتولوا في المستقبل مسؤولية تطوير مجتمعهم.

فالأسرة هي البيئة الطبيعية التي تتعهد الطفل بالتربية؛ لأن غريزة الطفل الأبوة والأمومة، هي التي تدفع بكل من الأب والأم، بالقيام برعاية الطفل وصيانته، ولا سيما في السنوات الأولى من طفولته، إنها غريزة في حفظ البقاء للجنس البشري، والطفل يعتنق دين أسرته وتقاليدها وعادتها ومثلها العليا، فسلوكه متأثر بسلوك والديه وإخوانه ومحيطه، وينعكس كل ذلك على سلوكه وتفكيره ونظرته للحياة، ويرى علماء التربية: أن الأسرة هي أصلح بيئة لتربية الطفل.

وقد تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال القاعدة الأولى من قواعد توفير بيئة أسرية مناسبة حتى ينشأ الطفل بشكل سليم، وهي الأسرة المتماسكة التي توفر الأمان لأطفالها، وفيما يلي بقية هذه القواعد:

بيت تحكمه القواعد والنظام:

ما معنى قواعد في البيت؟

نعني بذلك: وضع نظم ثابتة يسير عليها أفراد البيت، جميعهم دون استثناء ويفهمها ويشارك في وضعها كل أفراد البيت، وعلى هذا فهي: لا تحتاج للمناقشة مع كل موقف؛ لأنها ثابتة ومتفق عليها، وليست طلبًا من شخص إلى شخص يحتاج للإلحاح والرفض، ولكنه نظام لا يتم تغييره أو إيقافه أو تأجيله؛ هذه القواعد تساعد الأولاد والآباء على التفاهم وتأدية المهام المطلوبة، بأقل قدر من الصراع والمشاكل؛ وذلك لأن هذه القواعد قد تم الاتفاق عليها معهم.

          تعامل الطفل مع قاعدة ثابتة، حتى ولو كانت لا ترضيه كل الرضا أفضل كثيرًا من تعامله مع أم أو أب متقلب المزاج والآراء، لا يمكن التنبؤ بردود أفعاله؛ فاليوم يمكن أن يرفض ما قبله الأمس، وغدًا يوافق على ما رفضه اليوم؛ فإن ذلك يصيب الأطفال بالتشتت، ويضعف ثقتهم في أنفسهم وفي والديهم؛ مما يشعرهم بحالة من الخوف والارتباك الداخلي، ويجعل نفوسهم هشَّة هزيلة قابلة للانقياد لسواها بعد ذلك، كما أن هذه القواعد تطبق على الجميع دون استثناء، وعلى هذا يشعر الأبناء بالعدل والمساواة بين جميع أفراد الأسرة.

كيف نضع القواعد؟ وكيف نلزم الصغار بها؟

1- تخيري مناسبة جيدة تستحق أن تكافئيهم على حسن أدائهم، مثل: النجاح في الامتحانات، أو سلوك جيد في موقف معين أو أي مناسبة، واصنعي لهم حلوى يحبونها، ومن الممكن أن تأخذيهم في رحلة ممتعة ومنعشة، واجعلي جو الرحلة فيه الكثير من المرح والحب والتفاهم والاحترام لهم، ثم بطريقة طبيعية تحدثي معهم، وأثني على السلوك الجيد الذي تكافئينهم عليه، وخبريهم أنك تحبينهم جدًّا، وأنهم أولاد ممتازون، وأنك تتضايقين جدًّا عندما تختلفين معهم، ويتوتر جو البيت، وتحدث فيه مشاكل وصراعات، رغم أنهم أولاد ممتازون، وابدئي معهم مناقشة أسباب هذه المشاكل، وكيف نوقفها، ولا تتحدثي أنت حتى يتكلموا هم، ويقولوا كل ما عندهم، واحترمي كل آرائهم، ثم وضحي لهم أن هذا البيت هو بيتنا جميعًا، وكلنا نعيش فيه؛ ولذلك لا بد أن يكون مريحًا ونظيفًا، وأن نتعاون معًا كلنا في ذلك، واطلبي منهم هم أن يضعوا الحلول المناسبة لكل مشاكلك معهم، وساعديهم أنت في وضع وصياغة القواعد الجديدة التي سيسير عليها البيت، وسيلتزم بها الجميع.

2 – حتى تكون هذه القواعد ناجحة وفعَّالة: لا بد أن تكون واضحة ومحددة، ويفهمها الجميع بوضوح. فمثلا لا تقولي: “لا لعب أثناء الدراسة”، فمن غير المنطقي ألا يلعب الأطفال خلال 6 أو 7 أشهر (مدة الدراسة)؛ فاللعب هو وظيفة الطفل، ولكن قولي: “اللعب بعد الانتهاء من المذاكرة والواجبات اليومية”، وهكذا.

3 – لا بد أن تكون هذه القواعد منطقية وفي حدود إمكاناتهم وطاقاتهم، وتراعي أنهم أطفال؛ فلا يمكن أن نقول: “لا للعب ولا إفساد ترتيب نظافة الغرفة”، ولكن نقول: “بعد اللعب لا بد من إعادة كل شيء كما كان وترتيب الغرفة”، فهذا طلب منطقي.

4- لا بد أن يحتوي الاتفاق على بنود الثواب والعقاب عند الالتزام بالتنفيذ، ولا بد أن تكوني صادقة جدًّا جدًّا معهم حتى لا تفقدي مصداقيتك أمامهم.

5- لا بد أن تتوافق هذه القواعد والقيم الأخلاقية والدينية والعائلية التي تغرسيها في نفوس أطفالك.

6- عند التنفيذ لا بد أن تكوني أكثر الملتزمين بتنفيذ الاتفاق مهما كلفك احترام القواعد، ولا تبادري أبدًا بكسر القاعدة، أو طلب استثناء لنفسك أو لأحد من الأولاد.

7- اعتمدي دائمًا أسلوب التشجيع والثناء على التصرفات الجيدة، وامنحيهم الاحترام والثقة، وقلِّلي التوبيخ والمعاتبة والتأنيب الدائمين، وتغاضي عن الأخطاء الصغيرة غير المقصودة.

8- اعقدي اجتماعات عائلية منتظمة مع زوجك وأطفالك وتشاركوا معا في مناقشة ما تقومون به، وتقييم ما وضعتم من قواعد، وكيف سارت الأمور؟ وخططوا للأحداث العائلية القادمة.

9- لا تجعلي هذه القواعد مثل الأوامر العسكرية التي تطبق بطريقة عمياء لا تراعي الظروف؛ حتى لا يشعر الأولاد أن هذه القواعد تخنقهم؛ فيتركوا الاتفاق كله، ويختاروا الفوضى التي كانوا فيها، ولكن حاولي دائمًا إشعارهم بفضل هذه القواعد في تهدئة البيت، وفي التفاهم والاحترام الذي صار بينك وبينهم.

10- أشعريهم دائمًا أن لهم الفضل في نجاح الفكرة بالتزامهم وحسن سلوكهم، واجعليهم يشعرون بفضلها في شكل مميزات يحصلون عليها، مثل: تفرغك الأكبر للحديث واللعب معهم، وزيادة اقترابكم من بعض، وتوفر وقت للخروج للنزهة، أو ممارسة شيء يحبونه.

11- اعلمي أن وضع القواعد ليس معناه أن البيت سيتحول إلى جنة هادئة، أو سيخلق المدينة الفاضلة، ولكنه فقط أسلوب أفضل لإدارة البيت والتعامل مع المشاكل بأقل قدر من الصراع.

12- اعلمي أن أساس تعليم النظام هو الحب المتبادل والاحترام؛ فالطفل يطيع عندما يحب، ويعصي عندما يكره، وهكذا فإن النظام مرتبط إلى حد بعيد بالطاعة والمحبة، وهذا ما يظهر لدى كثير من الأطفال حين يهتمون بمادة دراسية أكثر من أخرى، وما ذاك إلا بسبب حبهم للمدرس أو للمدرسة، وبالتالي هم يطمحون بنيل رضاهم، وقديمًا قيل: "إن المحب لمن يحب مطيع".

عندما يخالف الأولاد القاعدة أو يرفضون تنفيذها:

لا تعودي للفوضى ثانية، ولكن بهدوء شديد جدًّا تحدثي مع المخطئ وحده، وركّزي كلامك حول المشكلة الحالية أو القاعدة محل المشكلة، وإياك أن تخلطي الأمور؛ فتبدئي معاتبته على أخطاء أخرى سابقة أو تبدئي الشكوى منهم جميعًا؛ لأنهم أولاد متعبون ولا يسمعون الكلام، ولكن كوني محددة جدًّا في النقطة التي تتناقشون فيها.

وكرري له القاعدة التي اتفقتم عليها من قبل بهدوء ودون انفعال، أو إهانة أو صراخ، وذكِّريه بالنتائج والثواب والعقاب الذي اتفقتم عليه، ودعيه يأخذ قراره في الالتزام بالقاعدة أولاً، ولا تتحدثي عنه بطريقة سيئة أمام إخوته، ولا تشهديهم عليه، أو تجعلي من بعضهم حزبًا عليه.

عند رضائه بالأمر وتنفيذ القاعدة: احترميه واشكري له الالتزام بنظام البيت، ولا مانع من مراجعة بعض القواعد أو معاونتهم في تنفيذها، إذا شعرت أنها أكبر من طاقتهم.

أخيرا تذكري

النظام والقواعد الثابتة في البيت: هي اللبنات الأساسية لاتصاف طفلك بالإيجابية، ولإكسابه مهارات التأقلم في وقت لاحق في مرحلة الطفولة والمراهقة.

فالفوضى والتغيير المستمر والبيئات غير المنظمة: هي أكثر عرضة لتوليد المشاكل السلوكية، ومشاكل العلاقات الأسرية، ومشاكل الصحة النفسية / العقلية مثل القلق.(يتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- فن وضع القواعد في البيت، د/ منى أحمد البصيلي، موقع إسلام أون لاين.

- Strong families: what they are, how they work ، موقع raisingchildren.

- WHY CHILDREN NEED RULES, BOUNDARIES AND ROUTINES ، موقع wanakacounselling

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


بسام حسن المسلماني

ليسانس آداب (قسم تاريخ ) جامعة القاهرة 2004م.

بكالوريوس خدمة اجتماعية 1995م.

حاصل على معهد القراءات (مرحلة التجويد) 1997م.

*- كاتب ومحرر صحفي في موقع "لها أون لاين" والمشرف على محاور تقارير ودراسات وشاركوا بالرأي والاستطلاع والملف الشهري، من يناير 2008 وحتى الآن.

*- صحفي بمجلة سياحة وآثار سعودية.من ديسمبر 2010 وحتى الآن.

*- كاتب ومحرر صحفي بمجلة قراءات إفريقية.

*- نائب مدير تحرير موقع مجلة قراءات إفريقية.

*- إعداد وتقديم مواد إذاعية وحوارية في موقع "لها أون لاين".

*- صاحب مدونة "دفتر أحوال الأمة" (http://anns012.maktoobblog.com/)



الإصدارات:


- مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2007/11/25/55474.html

- الصومال .. وسيناريو الحرب المقبلة
- http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2006/12/28/26057.html

- مستقبل العلاقات الباكستانية الأمريكية .. بعد اغتيال بوتو
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2008/01/03/57621.html

- العسكر في تركيا .. هل ينقلبون على جول؟
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/04/29/40651.html
- العلاقات المصرية الإيرانية إلى أين تسير..؟
http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2007/12/28/57319.html

- مؤتمر”شرم الشيخ” .. واستباق الفشل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/05/03/41178.html

- الإسلاميون داخل فلسطين 48.. موقف خاص من الانتخابات
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2525.html

- الأحزاب العربية داخل فلسطين 48 .. ورهاناتها الانتخابية
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2523.html

- أزمة الحجاب في تونس.. مقاربة تاريخية
http://www.lahaonline.com/articles/view/14327.htm

- الصحفية "إيفون ريدلي".... أسيرة طالبان التي أصبحت داعية للإسلام
http://www.lahaonline.com/articles/view/15619.htm

- المرأة المسلمة النيجيرية.. عقبات ونجاح
http://www.lahaonline.com/articles/view/15784.htm

- الشخصية الصوفية
http://www.alsoufia.com/rtb_uploaded_images/magazine_9.pdf

- بين الثورة المصرية وثورة الاتصالات ... وطن جديد
http://www.lahaonline.com/articles/view/37717.htm

- الثورة السورية .. وازدواجية المواقف
http://www.lahaonline.com/articles/view/38308.htm


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...