نخوة جار

أدب وفن » دوحة السرد
30 - ذو الحجة - 1439 هـ| 11 - سبتمبر - 2018


1

 

أين ذهبت؟! بهذه السرعة؟! أراد بعد أدائه صلاة الظهر أن يهبها مبلغا صغيرا، لم يستقر على تحديده. عندما جاء إلى المسجد لم يكن معه أي نقود. وجدها جالسة على يمين باب الدرج الذي يهبط إلى المسجد في الدور الأرضي من البرج ذي الاثني عشر طابقا. واعتزم بعد الصلاة أن يحضر لها مبلغا مناسبا من محل الأحذية الذي يملكه في شارع متفرع من شارع المسجد، ويبيع فيه بنفسه.

وتذكر فيما يشبه الانتباهة: أنها لم تمد إليه يدها مستعطية مثلما فعلت مع الشاب الذي تقدمه إلى باب درج المسجد، وحيره أنها لمت طرف قُنْعتها السوداء أكثر حول نفسها عند رؤيته. هل تعرفه وخجلت أن يعرفها، ويعرف أنها تتسول؟!  عاد إلى محله، وجلس ينتظر الزبائن الذين يحس قسوة قلتهم. منذ التاسعة، حين فتح المحل، إلى الثانية عشرة إلا ربعا حين سمع أذان الظهر؛ لم يبع سوى ثلاثة أحذية. فتح حاسوبه، وانصرف ينقب عما يغريه بالقراءة في المواقع التي يتابعها عادة، وكثرت متابعته لها بعد تقاعده من وزارة الشؤون الاجتماعية منذ عام وبضعة شهور. وأحس حركة اقتراب، فرفع رأسه، ورآها! إنها هي، وتراجعت، فخرج، وناداها بصوته الذي أوهنته الإنفلونزا قليلا: يا أختي! يا بنت! تعالي! ماذا تريدين؟!

 

والتفتت نصف التفاتة، ومضت في سيرها، فتابعها، والتفت وراءه. خاف أن يستغرب الناس تصرفه، ولحق بها وقال: يا أختي! لو سمحت! يهديك الله! اسمعيني! والله بحثت عنك بعد الصلاة. خذي رزقك! لا تكسفيني! الناس ينظرون إلينا.

 

وعاد، وعادت وراءه، ووضع كرسيا أمام مكتبه وقال: اجلسي! كانت تخفي وجهها بطرفي قنعتها، ولا تبين منه إلا عيناها. قال: تركت مكانك بسرعة. كان في نيتي أن أحضر لك النصيب الذي كتبه الله لك. وسمع نشيجها، فزاد شكه في هويتها وحزنه عليها. هل تعرفه؟!

سألها: تعرفينني؟!

ردت بين نشيجها: كيف لا أعرف جاري القديم عبد الكريم؟!

وتراجع في كرسيه، وضربته شبه غيبوبة. أهي إنعام؟! بنت جيرانه الذين ارتحلوا إلى ناحية أخرى منذ ثلاثين عاما؟!

سأل: إنعام؟!

ردت: إنعام، جارتك القديمة.

ـ الله! كيف حالك يا جارتي الغالية؟!

ومنعه الحذر أن يقول "الحبيبة"، وتابع: سقى الله أيامنا!

تنهدت حين قالت: كنتم أحسن جيران.

ـ لم نكن في مثل حسنكم.

ـ الدنيا انقلبت عليَّ. مات أبو محمد، واستشهد ولدي علي في الحرب، وسجن أخوه تيسير بسبب ديون لم يسدها، وأعيش مع بنتين، واحدة مطلقة، والثانية لم تتزوج. عيشة صعبة يا... اسم ولدك الكبير؟

ـ عزمي.

ـ يا "بو" عزمي يا بركة .

ـ قدمت للشؤون الاجتماعية؟

ـ قدمنا .

ـ وافقوا على طلبكم؟!

ـ ننتظر الموافقة. زارنا الباحث الاجتماعي، وقال: تستحقون معونة الشؤون.

 

وفتح هاتفه، واتصل بصديق في الوزارة، ودار بينهما حديث في دقيقتين، قال بعده: سيوافقون عليه قريبا جدا. اطمئني!

قالت: لا تؤاخذني على...

فأشار لها بكفه ألا تتم، وقال: كل إنسان معرض لما لا يسره. حال الناس صعبة في غزة. كل العالم يعادينا، وأولهم أقرب الناس إلينا. وسحب درج مكتبه، وراح يعد تحته بعض النقود، ثم مدها إليها قائلا: من أخ إلى أخته.

 

ومدت يدها بطيئة، وقالت بعد أن أعادت يدها إلى حجرها بالنقود: أشعر بالخجل منك. فقال بصوت قوي مغالبا ضعفه: واجب الأخ نحو أخته. لو علمت بحالكم جئتكم بنفسي.

 

ـ بارك الله فيك. الأصيل أصيل.

وتردد قبل أن ينصحها: بعد الموافقة على طلبكم في الشؤون اتركي...

ـ لن أرجع له من اليوم. وعد أخت لأخيها.

ـ أرسلي بنتك الثانية لتعمل عندي في المحل، في قسم النساء والأطفال! حقيقة كنت بحاجة إلى عاملة تعرف كيف تتعامل مع البنات والأمهات.

 

كادت تتفجر فرحا. ثلاث مفاجآت مفرحات في وقت قصير، ومن شخص واحد! وحمدت الله في سرها، وقالت له: من يقدر على جزائك؟! فأشار بشاهدته عاليا متابعا لها بعينيه، وقال: اللهم اجعل جزاءنا عندك!

 

وودعته بالدعاء له ولأولاده، ودخلت شارعا آخر، وعدت النقود. أربع أوراق فئة العشرين دينارا، فدعت إليه ثانية، وعاهدت الله ألا تتسول قائلة لنفسها: كفاني ما حرقني من ذل التسول في شهرين!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...