نرجسية الشعراء مرض أم مبالغة في تقدير الذات

أدب وفن » آراء وقراءات
26 - ذو الحجة - 1439 هـ| 07 - سبتمبر - 2018


1

النرجسية مرض خطير، يضر صاحبه ويوقعه في العمى الإرادي، ويجعله دائما في حاجة إلى الثناء بمناسبة أو بدون مناسبة، فيكون أمره مثيرا للشفقة تارة، وللسخرية والتندر تارة أخرى، والرفض والضيق منه وبه تارات كثيرة!

 

والنرجسية بصورة ميسرة هي: المبالغة الشديدة في حب الذات والعجب بها، ومن الطبيعي أن نحب ذواتنا ونقدرها ونسعى لأن تكون محبوبة ومقدرة من الآخرين، لكن الشخصية النرجيسية تتجاوز الحدود الطبيعية إلى حدود غير معقولة من التطرف في حب الذات بدرجة تصل إلى تقدسها!

 

وجاءت كلمة النرجسية من أسطورة يونانية شهيرة، تقول: إن أحد الشباب كان لايري غير نفسه، ولا يسمع غير صوته، وأنه كان مفتتنا بجمال صورته ووسامته، وحين طالع صورته في صفحة النهر أعجبته، فوقف ينظر إليها منبهرا، حتى نسى نفسه وتجمد في مكانه وتحول إلى زهرة النرجس!

 

ويرى علماء النفس: أن النرجسيين في حقيقة الأمر لديهم ضعف ثقة في أنفسهم، وأنهم يبالغون في إضفاء الأهمية على آرائهم وأفعالهم؛ ليعوضوا هذا النقص الذي يخفونه ولا يحبون مواجهته أبدا.

 

وعلى الرغم من أن الشعراء يقعون في الصفوف الأولى من المتهمين بالنرجسية، إلا أن غيرهم من أصحاب المهن والحرف الأخرى قد يكونون على مستوى خطر ومتدهور من النرجسية، غير أن الشعراء امتلكوا أداة التعبير عن مكنوناتهم بالشعر الذي يعج بالأساليب الكنايئة وصور المبالغة، فهذا المتنبي على سبيل المثال يقول:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي مــن به صمم

الخيل والليل والبيــداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا

بأنني خير من تسـعى به قدم

 

ويبالغ المتنبي في وصف نفسه بما يملكه من بيان ولغة تطاوعه أينما ذهب ومتى شاء فيقول:

وإني وإن كنـت الأخيرَ زمـانُه

لآتٍ بما لمْ تستطعه الأوائل

ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي

على أنني بين الســماكين نازل

لدى موطن يشـتاقه كل سـيد

ويقصر عن إدراكه المتنـاول

ينافس يومي فيّ أمسي تشـرفا

وتحسد أسحاري عليَّ الأصائل.

 

أما الشاعر محمد مهدي الجواهر فيقول:

وتقول كيف يظل نجـم ساطع

ملء العيون عن المحافل غائبا

كذبوا فملء فـــم الزمـان قصـائدي

أبداً تجوب مشـارقاً ومغـاربا

تستل من أظفارهم وتحط مــن

أقـــدارهم وتثُّل مجــدا كاذبا

أنا حتفهم ألج البيـوت عليهـم

أغري الوليد بشتمهم والحاجبا

 

ويبقى خيال الشعراء الأكثر جموحا وشططا، ورغم الصور التي تبدو مغرقة في النرجسية في شعرهم، يبقى كلاما وشعرا، فالكثير من الشعراء يكون شعره أحد من طبعه، أو العكس يكون شعره رقيقا منسابا، وطبعه حادا جافا، بل قد يكون هذا الجموح والتطرف من قبيل العلاج الذاتي وإشباع النفس، ويتعامل في حياته الطبيعية بكل أريحية.

 

لكن المشكلة الحقيقية في أولئك الأشخاص الذي يمارسون النرجسية في حركاتهم وسكناتهم، أولئك بحاجة إلى معالجة أنفسهم بالتنبه إلى مخاطر الإعجاب بالنفس، وقد سُئل عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله ـ عن مفهوم العُجْب؟ فقال: أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك! وقال بشر بن الحارث ـ رحمه الله ـ: "العجب أن تستكثر، عملك وتستقل عمل الناس أو عمل غيرك".

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: "وكثيراً ما يقرن الرياء بالعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر؛ فالمرائي لا يحقق قوله "إِيَّاكَ نَعْبُدُ"، والمعجب لا يحقق قوله: "وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، فمن حقق قوله: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" خرج عن الرياء، ومن حقق قوله: "وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" خرج عن الإعجاب".

 

وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مهلكات: شحُّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه"
(أخرجه البيهقي وحسنه الألباني، وضعفه آخرون).

 

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...