نسيم بحر غزة يلطف حر الحصار والفقر!!

عالم الأسرة » رحالة
17 - رجب - 1428 هـ| 01 - أغسطس - 2007


1

جاءت أمواج البحر هدراة صافية بيضاء نقية، تحتضن المصطافين على شاطئها بعد أن اعتزلوها عاماً كاملاً بعد اختلاط دماء عائلة غالية برمال شاطئ بحر السودانية بفعل قذائف الغدر الصهيونية في مطلع الصيف الماضي.

هذا الموسم بدت ملامح الأطفال تشع ابتساماً وفرحاً، عيونهم تبرق أملاً.. كلماتهم تبرهن حلماً كان في الماضي بعيد المنال.. يداعبون بأجسادهم الرقيقة الأمواج المتلاطمة ويرسمون بحبات الرمل الذهبية خطوط أحلاماً وردية بدأت تتحقق بمزيد من الأمن والاستقرار هنا على الأرض الغزية، أما الأمهات والآباء فباتوا لا يخشون اصطحاب أطفالهم لمتنزههم الوحيد في غزة "البحر" راحوا يلبون نداءات أطفالهم ليرسموا علامات الابتسام والفرح على ملامحهم بعد أن غادرتها طويلاً نظراً للظروف الأمنية والسياسية السائدة والتي حسمت مؤخراً بإحلال بعضٍ من الأمن والاستقرار رغم بقاء الحصار والخناق والتضييق بإغلاق المعابر والحدود مع العالم الخارجي.

التقرير التالي يرصد ملامح الفرح والسعادة على امتداد 45 كيلو متر من الأمواج المتلاطمة من رفح جنوباً إلى بلدة بيت حانون شمالاً، نلتقي الأطفال ننقل بألسنتهم مظاهر لهوهم وفرح طفولتهم البريئة ونعرج إلى الآباء ونبصر حال الاستراحات على امتداد الشاطئ وما يوفرونه من خدمات وما يعانونه في ظل ضيق الإمكانيات، نلتقط مشاهد الفرح الحاضر كما همست به رمال الشاطئ الذهبية، تابعوا معنا..

لهوٌ ولعبٌ

 كرات مائية تطايرت على سطح الماء تلاطمها الأمواج تارة وتتناقلها الأيدي تارةً أخرى تقذف بها نحو الرمال الذهبية يلحق بها الأطفال وقد تعالت ضحكاتهم واحمرت وجوههم من ملوحة مياه البحر وما إن بادرتها أشعة شمس الأصيل حتى أبرقت لامعة بلونها البرونزي"، مشهد يتكرر على امتداد شاطئ البحر من الجنوب إلى الشمال، يحيى، أسامة، محمد، نبيل وسيف خمستهم لا تتجاوز أعمارهم السنوات الثمانية جاؤوا مع آبائهم في رحلة بحرية إلى الشاطئ الذي حرموا من الولوج إليه خوفاً على حياتهم العام الماضي ولم يتمكنوا قبل أشهر قليلة من الوصول إليه بفعل التناحرات والمعارك الضارية بين الإخوة الفرقاء، يقول سيف في الصف الثاني الابتدائي أنه سعيد جداً بهذه الرحلة البحرية خاصة أنها برفقة أصدقائه الذين آباؤهم أصدقاء أبيه.

 ويتابع :"العام الماضي رغم محاولاتي وإلحاحي على والدي بأن يصطحبنا في رحلة مشابهة إلا أنه كان يأبى ويأبى معه أصدقاؤه، كنا نخرج فقط إلى المنتزهات لساعات قليلة جداً " في هذه الساعات كان سيف لا يشعر بمتعة اللهو والمرح فيها إلا قليلاً فلا رمال تنساب بين أصابعه بلونها الذهبي البديع ولا مياه تبرد حر الصيف ورطوبة الجو الخانقة ناهيك عن أزيز الطائرات التي لم تغادر سماء القطاع ليل نهار فتغص فرح النزهة في قلوبهم، ويضيف سيف :"كنت أخشى أن يكون هذا الصيف كسابقه لكن الحمد لله بعد ما استقرت الأوضاع وهدأت النزاعات شاع الأمن وبات أبي لا يتردد في اصطحابنا في نزهة بحرية طويلة نلعب ونلهو ونتناول طعام العشاء أيضاً حتى ساعة متأخرة من الليل دون أن نشعر بخوف ولا ذعر من رصاصات تتطاير هنا أو هناك ".

أما يحيى الذي يصغره بعامين ويستعد لدخول المدرسة مع بداية العام الدراسي في سبتمبر القادم فبدت الابتسامة لا تفارق محياه بريقها أضاء عينيه السوداوين قال بكلمات مقتضبة "أحب الذهاب إلى البحر ألعب مع أصدقائي برماله نبني جبالاً من الرمال المبللة ونسبح في أمواجه برفقة آبائنا "، ويتابع :"في أشهر الصيف الأولى لم نتمكن من الولوج إلى البحر بسبب أعمال الاقتتال الداخلي لكن ما إن استقرت الأوضاع وساد الأمن حتى أصبحنا نأتي إلى البحر مراراً خاصة في أيام الجمعة فهو يوم إجازة أبي لنتمكن من السباحة برفقته"، وأردف :"أتمنى أن تكون المواسم القادمة أمنة ويعم الاستقرار أكثر وأكثر لنتمكن من عيش مظاهر الطفولة باللعب واللهو كبقية أطفال العالم".

جبال من الرمل والماء

مساحات من العشب الأخضر في المدرجات العلوية يليها رمال ذهبية مزدانة بألوان الصيف الوردية تمثلها مظلات وكراسي وبعضاً من خيمات بجريد النخل ما إن يداعبها نسيم البحر حتى تتطاير عازفة موسيقى وترية تتناغم مع أمواج البحر الهدارة، يغمرها المصطافين بصخب الحياة.

على طول امتداد استراحة الحرية للأسرى تناثرت العائلات الغزية ترسم ملامح السعادة والأمل على وجوههم، هنا كانت تجلس نور وسلمى وليلى يداعبون رمال الشاطئ بأصابعهم بينما تمدهم سارة بقليل من مياه البحر يجعلونه مادة لينة يشكلون حباته بيوتاً وجبالاً يرسمون حولها بعضاً من تفاصيل أحلامهم الدائرة بأخلدتهم، وإلى الشمال قليلاً كان مهند وأحمد وسعيد ومحمد وعبد الله يلهون في مياه البركة التي ملأت بمياه البحر منذ ساعات الصباح ليلهو بها الأطفال بعيداً عن مخاطر تلاطم أمواج البحر العاتية وإلى جوارهم أمهاتهم يشاركونهم ملامح الفرح والسعادة يحذرونهم أحياناً من التهور والانزلاق في أعماق البركة التي تتراوح ارتفاعاتها بين المتر والثلاثة أمتار، أم أحمد كانت تشجع ابنها على السباحة بمهارة أكثر ترشده بأن يحرك يداه وقدميه قليلاً ولا يقتصر فقط على الطفو على سطح الماء أما مهند فكان يسمع التشجيع وكأنه له وينفذ التعليمات فبدت الأجواء وكأنها مسابقة للسباحة تصفيق هنا وضحكات تتعالى هناك ومياه تتناثر على الوجوه أحياناً غضباً وأحياناً كثيرة لهواً، تقول أم أحمد :"طالما تمنى أطفال في العام الماضي قضاء بعضاً من أوقات الإجازة الصيفية على شاطئ البحر لكننا لم نكن نسمح لهم خوفاً على حياتهم خاصة بعد عملية اغتيال عائلة غالية، وكادوا أن يحبطوا أيضاً هذا العام في الأسابيع الأولى للموسم الصيفي حيث أعمال الاقتتال الداخلي لكنهم الآن أكثر سعادةً وفرحاً خاصة بعد انتهاء مظاهر العنف والتسلح في القطاع ".

وتتابع :"الوضع الآن أكثر استقراً وأمناً وعناصر التنفيذية يجبون الشواطئ لحفظ الأمن وإنهاء المظاهر السيئة إن وجدت، الآن أمشي على الشاطئ بحرية أرافق أطفالي في لهوهم دون أن يزعجني أحداً بمعاكسة كما في السابق.

وتشاطرها الرأي سهيلا مضيفةً أنها الآن تجلس إلى شاطئ البحر بكل اطمئان لافتة أنها في السابق كانت تستاء من مظهر الرجال على البحر بالملابس الداخلية الآن القوة التنفيذية تمنعهم من ذلك حفاظاً على الآداب العامة.   

يستبشر خيراً

بدا نعيم جودة، صاحب استراحة " الحرية للأسرى" مستبشر خيراً بهذا الموسم سواء من الناحية الأمنية أو من ناحية إقبال المصطافين مشيراً أن الإقبال هذا الموسم أفضل بكثير من المواسم السابقة وإن شابه بعض الانحناءات مع بداية الصيف حيث أعمال الاقتتال الداخلي لكنها سرعان ما انتهت بفضل الله، وأضاف :" ما يميز هذا الموسم فرض حالة الأمن والاستقرار على الشواطئ حيث تقوم القوة التنفيذية بين الحين والآخر بدوريات راجلة على الشواطئ وتحد من انتشار الظواهر السلبية كالمشي بالملابس الداخلية على الشواطئ ومعاكسة الفتيات وحمل السلاح الأمر الذي يشجع المواطنين على ارتياد البحر وإقامة حلقات السمر لساعات متأخرة من الليل ما دام الوضع من حولهم آمناً ".

مع بداية موسم الصيف وإحلال بعضاً من تفاصيل الأمن والأمان على الساحة الفلسطينية خرج الفلسطينيين مع عوائلهم في نزهات بحرية طويلة لكن بعضهم عاد منها مفتقداً أحداً من أفراده ميتاً غريقاً والسبب عدم وجود منقذين بحرين وقد سجلت عشرات الحالات من الغرق أدمت قلوب الأسر الفلسطينية.

يقول أحد المصطافين على شاطئ بحر غزة المئات يأتون يومياً إلى البحر هرباً من أعباء الحياة وتفاصيلها القاتمة في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي ولا سيما الحصار الخانق الذي يجعل البحر المتنفس الوحيد للفلسطينيين أينما ولو وجوههم، مؤكداً أنه رغم الأعداد الهائلة التي تؤم البحر فإن البلديات والجهات المختصة لا تعمد إلى زيادة عدد المنقذين البحريين على الشاطئ ردءاً لخطر الموت عنهم إذا ما واجهوا دوامة أو عاصفة بحرية أو موجة عاتية اقتلعت أرواحهم وابتعلت أجسادهم في أعماقها، مطالباً الجهات المعنية أن تعمل إزالة التقصير الواضح في أدائها.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...