هل استعددتِ حقا لرمضان؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

هل استعددتِ حقا لرمضان؟

دعوة وتربية » سنن وفضائل
10 - شعبان - 1439 هـ| 26 - ابريل - 2018


1

من النعم التي يغفل أكثر الناس عن شكرها: نعمة الإمهال حتى مجيئ رمضان. فسبحان الملك الحليم!، كَتبَ في كتاب فهو عنده فوق العرش: أن رحمته سبقت غضبه، وأن مؤاخذته سبقت عقابه، سبحانه فهو الكريم، فاشكري نعمة الله على ذلك، فقد أعطاكِ الفرصة لتتوبي، فيتوب عليكِ ويكرمكِ ويمنحكِ ويغفر لك ما تقدم من ذنوبك طيلة عمرك. ولكن لا بد من الاستعداد لهذا الشهر قبل مجيئه، حتى تتروض النفس على الطاعة قبل الشروع فيها، لابد من إعداد العدة وأخذ الأهبة لرمضان*.

قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46]، فلما لم يعدوا العدة للخروج: عُلم أنهم غير صادقين؛ لذلك عوقبوا بالتثبيط والخذلان، فإن كنتِ تريدين العتق من النار في رمضان، إن كنت تريدين أن تقبلي، وتمحي خطيئتك: فلابد من إعداد العدة، يقول ابن القيم رحمه الله: "حذارِ حذار من أمرين: أن يأتي واجب الوقت وأنت غير مستعد له، ومتهيء لفعله، فتعاقب بالتثبيط عن فعله، والتخذيل عن تحصيله" اهـ.

من هنا عُلم أنه لا بد من الاستعداد لشهر رمضان قبل دخوله، حتى لا تعاقبين بالتثبيط عن أفعال الخير، والتخذيل عن زيادة الطاعات في رمضان، وافهمي الآية في ضوء هذا الكلام: أن كراهية الله انبعاثهم وتثبيطهم كانت نتيجة عدم استعدادهم أصلًا، وعدم صدق رغبتهم في ذلك، إما إذا استعد الإنسان للعمل، وتجهز لأدائه، وأقبل على الله راغبًا إليه؛ فإن الله سبحانه أكرم من أن يَرُدَّ عبدًا أقبل عليه.

ولذلك كان السلف يستعدون لرمضان استعدادًا حقيقيًّا يبدأ ذهنيًّا، فيدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أخرى بعد رمضان أن يتقبل رمضان، فكأن السنة كلها رمضان، ومن الاستعداد أيضًا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر الصيام في شعبان حتى كان يصومه كله إلا قليلًا، وما رؤي في شهر هو أكثر صيامًا من شعبان، وما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان.

هؤلاء السلف كانوا يعرفون قدر رمضان، قال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللَّهم سلِّمْنِي إلى رمضان وسلِّم إليَّ رمضان، اللَّهم سلمنا لرمضان وسلم رمضان لنا، وتسلمه منا متقبلًا.

 

بلوغ رمضان نعمة من الله علينا:

أختي المسلمة: إن بلوغ شهر رمضان، وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، يدل على ذلك هذا الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ مِنْ قُضَاعَةَ أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً، قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ. فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ السَّنَةِ.

وفي رواية قال: "وأدرك رمضان فصامه، وصلى كذا وكذا سجدة في السَّنة؟" قالوا: بلى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الذي بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض" (أخرجه أحمد وصححه الألباني).

 

فبلوغ رمضان نعمة، ومن حرم من رمضان فهو المحروم، من حرم خيره فهو المحروم، ومن لم يتزود لاستقباله فهو ملوم.

 

رجب للبذر وشعبان للسقي ورمضان لجني الثمار

وقد ذكر العلماء: أن شهر رجب شهر البذر، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر جني الثمار، فلكي تجني الثمار في رمضان: لا بد من بذر يبذر، وأن يسقى حتى تكون له ثمرة.

إننا ينبغي ابتداء أن نستعد لرمضان وذلك بخطوتين:

الأولى: إثارة الشوق، بأن يثور من قلوبنا شوق لأن نستقبل رمضان فنرحم فيه وتعتق رقابنا من النار.

والثانية: إنك لو اشتقتِ لشممت ريح رمضان عن بعد، كما شمَّ يعقوب ريح يوسف، فلو شممت ريح رمضان ولبست قميصه لعاد قلبك بصيرًا.

 

الاستعداد لرمضان

الاستعداد لرمضان يكون بخطوتين: الشوق، وبصيرة القلب.

أما الشوق فإنه عملية غليانٍ في القلب، تحفُّزًا لاستقبال محبوب غائب طال انتظاره، وأما البصيرة والنور في القلب فإنها تجعل الإنسان يرى فضل الأيام وثمرة الأعمال ووعود الآخرة، فيكون ذلك دافعًا لعلو الهمة في الاستقبال والاستعداد.

 

أخيرا:

أختاه حريٌّ بنا أن نستعد استعدادًا حقيقيًّا لاستقبال شهر رمضان، قال السَّرِيُّ السَّقْطِي: السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفاس العبد ثمرتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها.

لذلك فإن الصيام في شعبان وقيام الليل، والتصدق، وتعهد الأعمال الصالحة: كل هذا يساعد على استشعار لذة الصيام، ولذة القيام وقراءة القرآن، ولذة الصدقة وسائر اللذات في رمضان؛ لأن الأمر يحتاج إلى صبر ومصابرة وطول مُكْث. لا يأتي من أول وهلة، وأيام رمضان قليلة، ومرور أيامه سريعة؛ فلذلك لا بد من الاستعداد الجِدِّي قبله بفترة كافية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) هذا المقال مستفاد من كتاب "أسرار المحبين في رمضان"، لمؤلفه: أبو العلاء محمد بن حسين بن يعقوب السلفي المصري، طباعة مكتبة التقوى 2005م ، بتصرف كبير.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...