هل تعاني من الأتيكوفوبيا؟!

عالم الأسرة » همسات
24 - جمادى الآخرة - 1441 هـ| 19 - فبراير - 2020


1

بالأمل نحيا وبالعمل تحيا أنفسنا. فالأمل والعمل سلاحان نقاوم بهما كل العقبات التي نواجهها؛ لنستمر في دائرة أملنا بالمستقبل وعملنا لنتخطى الصعاب ونحقق أهدافنا فيه.

وتبدأ مشكلاتنا عندما نحيط أنفسنا بسياج من الوهم يقتل الأمل ويحرمنا من العمل، وبالتالي يعيق تقدمنا. ويحرمنا أيضاً من أن نتخطاه؛ لنبصر النجاح ونحقق الأهداف. والمشكلة أننا قد لا ندرك مخاطر ذلك الوهم بل وقد نعتبره زيادة في الحذر والحرص الذي يقودنا للنجاح.

لذا من المهم أن نقف مع أنفسنا لنستبصر حقيقة ما نشعر به؛ ولنصحح مسار حياتنا فالخوف في حد ذاته أمر طبيعي ومهم للكائنات جميعها لحمايتها من المخاطر والحفاظ على حياتها. بينما الفوبيا الممتدة عنه هي مشكلة تعيق الحياة بشكل كبير وتمنع النمو الشخصي والحياتي. وهي ما نعنيه بمصطلح الأتيكوفوبيا والذي يشير إلى نوع من أنواع القلق وإحدى أنواع المخاوف المرضية وتحديداً الخوف من الفشل في المستقبل.وهو خوف مرضي لا حذر عادي بل إنه خوف غير مبرر لا بالكم ولا بالنوع تجاه القيام بأعمال أو تحقيق أهداف في المستقبل أو حتى مجرد التخطيط لإنجازات مستقبلية. فهو خوف شامل أي تغيير عن الواقع على اعتبار أن هذا التغيير يحمل صعوبات ومشكلات تجعل عنصر الأمان تحت التهديد بالتالي يتم التعامل مع كل جديد على أنه خطر لابد من استبعاده. وهذا الجديد قد يكون زواجا أو عملا أو الإقدام على مشروع أو دراسة.. أياً كان فهو جديد لا يُغطي الأمان الآني كل أبعاده، بالتالي فهو غير قابل للتطبيق أو حتى النظر فيه.

وربما قدتساءلت أو سألت نفسك لماذا لم تتمكن من التخطيط لبعض ما ترغب في إنجازه؟

ولم حلمت كثيراًبتحقيق الكثير مما تتمنى لكنك مازلت في مكانك؟

وما هي العقبات التي تواجهها لتحقق أهدافك؟

حقيقة الكثيرون لا يجدون الإجابة الواقعية على مثل هذه التساؤلات لكنهم يتسلحون بالكثير من المبررات والإسقاطات التي يعللون بها ضعف إنجازهم وتقدمهم عن الماضي.. لكن السبب الحقيقي الذي لم يصارحوا به حتى أنفسهم هو أنهم يعانون من الأتيكوفوبيا والتي تجعلهم يحجمون عن كل جديد. كما وتقتل مبادرتهم وتشل تقدمهم في طريق الناجحين. فهي لا تعيق التقدم للمستقبل وحسب بل تعطل الإمكانيات الشخصية حتى لايثق الشخص بنفسه ليتخذ قراراً يتعلق بمستقبله فالفشل أمام عينيه يلازمه ويعيق رؤيته للثمار التي سيقطفها كنتيجة إن بدأ بخطى الواثق بالعمل. وهذا القرار قد يتعلق بتحقيق أهداف شخصية أو الدخول في مشاريع أو حتى بدء حياة جديدة من ارتباط أو زواج فمجرد التفكير بالإقدام على أمر جديد فإن الخوف يخيم ويعطل التفكير مما يجعل مجرد التفكير فيه أمر مزعج لابد من صرفه عن حيز التفكير دون الدخول في التفاصيل أو تقديم مبررات.

والمشكلة الأساسية أن الخوف من الفشل قد يكون هو السبب الرئيسي في حدوث الفشل ويكفي أنه يعيق عن القيام بأي خطوة للأمام مما يجعل الإحباط يسيطر على النفس خاصة عند رؤية تقدم الآخرين وتراجعه.

ومن أهم الأسباب التي تؤدي لفوبيا الفشل:

  • المثالية الزائدة التي يحاول من خلالها الشخص الوصول للكمال المطلق في تحقيق ما يصبو إليه والا فتركه أولى.فإما أن تكون تطلعاته لما ستقوم به لا تحمل أي مخاطر وناجحة تماماً، أو أنه سيعرض عنه. وبالتأكيد لا يخلو أي عمل أو إنجاز من الأخطاء التي هي من أهم عوامل تطويره؛ ليكون بشكل أفضل.. لكن النظرة المثالية لا تستطيع إدراكهذا الجانب.
  • ضعف الثقة بالنفس والتي تعمل على الإحجام عن كل جديد لما فيه من مخاطر محتملة للإخفاق وبالتالي تُفقد الأمان الذي يجعل الشخصية متماسكة وقوية.
  • التفكير الحدي الذي يجعل الخوف أمر واقع لا محال لأن إما نجاح دائم في كل شيء،أو فشل دائم. فكل الأمور لا تتأرجح كما هي في الواقع بين قطبين فتميل تارة لأحدهما أو للآخر بل هي تتمركز حسب أسلوب التفكير الحدي لأحد القطبين فقط إما نجاح أو فشل وبالتالي يغلب جانب الخوف فيتراجع عن الإقدام نحو أي جديد.
  • النظر للفشل على أنه نهاية الحياة وكارثة لا يمكن تحملها، وأمر يوصم النفس بصبغة العار والألم. فلا يُدرك حقيقة أنه بوابة لتجربة جديدة تحمل في طياتها النجاح. كماأن سلسلة النجاحات المتتابعة قد تسبب للبعض الخوف المتزايد من الفشل على اعتبار أنه يهدم أمجاد الماضي وما وصل إليه من نجاحات.
  • زاوية النظر المحدودة والانتقائية والتي تلتقط كل إخفاق من حولها لتعزز أو تبرر خوفها من الفشل. ليبدو وكأنه أمر من المهم اتخاذه للحذر والوقاية من الإخفاق ونتائجه التي وقع فيها البعض.
  •  

    وقد تكون بذرة هذا الخوف الأولى نمت أثناء خوف الوالدين من إخفاق الابن وتحذيره من الإخفاق وكأنها مصيبة ستحل عليهم. كما أن الشدة والتدقيق الشديد على السلوكيات والتركيز على النجاح أكثر من التنمية الشخصية تُنشئ المثالية والخوف من خوض غير المألوف. ويمكن أن يكون الخوف انتقل للأبناء من معاينة مخاوف أحد الوالدين نتيجة مرورهم بتجربة أثرت عليهما. نتيجة أحداث حياتية قاسية كونت الارتباط بين الإقدام على الجديد والتجارب القاسية وبالتالي تكوّن الخوف وتزايد لعدم مواجهته وتشكلت حلقة مفرغة أولها كآخرها فالخوف من الفشل يؤدي غالباً للفشل لأنه يعيق عن التفكير العقلاني السوي والمبادرات المثمرة مما يجعل المصاب به في حلقة مفرغة من الخوف والتفكير السلبي والتجارب الفاشلة.والنتيجة كثرة الإسقاط والتبرير لحماية النفس من ألم الإخفاق لأنه ينظر له كمصيبة أو نهاية لحياته لا تجربة يتعلم منها.

    أما عن أساليب الحد من هذا الخوف فهي كالآتي:

  • تصحيح النظرة للفشل على أنه إخفاق في زاوية معينة لا في كافة مناحي الحياة. كماأنه تجربة بتأملها وإعادة صياغتها يصبح النجاح أكثروضوحاً وقرباً.
  • مراقبة الحوار الذاتي فالسلبي منه يعيد بشكل مستمر كل قصص وأحداث الحياة السلبية ويُنتج منها فلماً مسموعاً أو مُصوراً عن كل السلبيات ويشعل فتيل الخوف. لكن إن تم مراقبته واستبداله بآخر إيجابي فإنه يدعم التقدم نحو المستقبل بثقة.
  • الاطلاع على سير العظماء والناجحين وكيف أن مسيرتهم رغم نجاحها الباهر تخللها الإخفاق من حين لآخر. فهم لم يثنهم الإخفاق عن إكمال مسيرتهم ولم يقرروا التوقف بل ازدادوا عزيمة؛ لتخطي الصعاب بالاستفادة من التجارب التي أخفقوا فيها لتكون بذرة لنجاحاتهمالأخرى.
  • إياك وتجنب المبادرة والإقدام لتجنب الفشل لأنك بتجنبها حكمت على حياتك كلها بالفشل والإعاقة بشكل رئيسي بينما بخوض تجارب جديدة أنتأمام جانب محدد له احتمال نجاح وفشل.
  • خطط لأسوأ ما يمكن أن يحدث، بمعنى أن تحاول أن تبني منهجاً بديلاً في حالة الإخفاق يحمل دروساً من الجانب الذي أخفقت فيه لينتقل بك لتجربة أكثر نجاحاً.
  • الغمر والمواجه لما تخافه بخطوات صغيرة تعزز نجاحك وتكسر حلقة المخاوف والتفكير الغير عقلاني. فحل جميع المخاوف الإقبال عليها لمعرفة مدى زيفها ووهمها وبعدها عن الواقعية.مع تصحيح الأفكار المتطرفة التي تقود للسلبية والخوف فلا تعميم للفشل ولا انتقاء للتجارب الفاشلةوالإخفاقات.
  •  

    تأكد أن كل إخفاق في تجربة ما يعزز نسبة نجاحك في المحاولات القادمة. فاجعل شعارك دائماً أنك إن أقدمت وبادرت فإنك فائز دائماًإما بنجاح حقيقي،أو بتجربة تتعلم منها وتوجهك لنجاح وتزيد من رصيد خبرتك.فالحياة سلسلة من المواقف والأحداث تحمل في طياتها نجاحات تُمكنك من الاعتماد عليها وإخفاقات تمنحك أن تتعلم منها.وتوقفك عن المبادرة والإقدام تجاه تجارب جديدة لا يقدم لك خدمات حماية أو عنصر أمان من الفشل بل يوقعك بما هو أكبر من ذلك لأنها لن تتوقف حين تتوقف بل ستمضي وستقف أنت وحدك في مكانك حتى ترى أنك أصبحت خلف الركب من أبناء جيلك تحيط نفسك بسياج وهمية من الأمان من الفشل تماماً كوهمية الخوف من الفشل ذاته.

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...