هوس الشهرة في عصر السوشيال ميديا

عالم الأسرة » همسات
11 - رمضان - 1439 هـ| 26 - مايو - 2018


1

لم يبخل علينا تاريخنا الإسلامي بمجموعة ضخمة ممن اشتهروا بعلمهم وخلقهم وعملهم النافع، فكانوا خير صفوة، تستحق أن تشتهر بما أنجزت؛ فسطرهم التاريخ بأقلام القدوة؛ ليكونوا صورة مضيئة تُنير درب من سلك على أثرهم. وحفظ لهم بصمتهم في الحياة؛ لنفعها للأجيال من بعدهم. حتى أصبحت سيرتهم محل تنافس الكتاب، ليكتبوا عنهم درراً مما تركوا.

فرحم الله جيل عمل فاستحق أن تكون له بصمة، يشتهر بها في أجيال من بعده. أما الآن في عصرنا الحاضر فمع تغير الكثير من المفاهيم: فإننا نجد أنه قد انقلب مفهوم الشهرة من المعرفة والبصمة الخالصة، الفوائد والإنجازات إلى لمسات متعددة، تجمع بين ألوان مختلفة من هوامش الحياة وشؤونها، دون أن تحمل في ثناياها فائدة يستنسخها من يشاهدها أو يلتمس منها نفعاً.

والمشكلة أن بعض أهل الشهرة رغم سطحية ما اشتهروا به: أصبحوا هم القدوة للكثيرين من الجيل الناشئ، بغض النظر عن نوعية ما اشتهروا به أو نفعه. فلم يعد مستغرباً أن نشاهد عبر برامج التواصل يوميات بائسة تحوي كل شيء عدا القيم والفائدة، فتبدأ من قهوة الصباح، وتمتد حتى إطفاء آخر مصباح في البيت، في صورة متكاملة تُظهر أمراً واحدا وبشكل جلي، وهو مقدار الفراغ الروحي والنفسي الذي يعيشه طالب هذا النوع من الشهرة، وكذلك متابعيها رغم كثرتهم.

نعم للشهرة بريق خطف أفئدة الكثيرين. خاصة قلوب المراهقين، فأصبح هاجسهم تلميع أنفسهم، وإبراز نرجسيتهم لا بشيء قيم، بل بسلوكيات غريبة وفكاهات سخيفة، وأنماط من التباهي برحلات ويوميات لا تقدم ولا تؤخر لهم، ولا لمن يشاهدهم؛ حتى أصبحت هدفاً في حد ذاتها لا للمتعة، إنما لإظهار المتعة الزائفة فيها، والحصول على المتابعين والشهرة، ويجتهدون في سبيل ذلك، ويبذلون من أجله الكثير من غالٍ ونفيس. حتى لو اقتضى وصولهم لسلم الشهرة، أن يجعلوا من أنفسهم أضحوكة للمتابعين فلا اعتبار للوسيلة؛ لأن الهدف ثمين بالنسبة لهم، حتى صار المثل الغاية تبرر الوسيلة منهجاً يتنافسون على مبدئه. فنجدهم بذلوا أوقاتهم وسخروا أفكارهم للصعود على سلم الشهرة.

وهكذا أصبحت الشهرة للكثير من المراهقين خصلة سهلة المنال، فهي لا تحتاج لعلم ولا تميز خلق، ولا حتى ثقافة؛ لكونها فارغة المحتوى حتى أصبحت ظاهرة مرضية، ووباءً اجتماعيا سريع الانتشار، يتنافسون عليه ويتباهون بكثرة المتابعين لا بمحتوى ما قدموا. وباتت وسائل التواصل الاجتماعي من أهم أدوات الشهرة؛ لتوثيق كل لحظة وكل حدث، وبشكل مباشر. مع إمكانية التفاعل مع المتابعين، ومعرفة ردود أفعالهم تجاه كل حدث.

حتى وصل الاهتمام بمواقع وبرامج التواصل للحد الذي أشغلهم عن الأمور المهمة، والحياة الطبيعية المعتادة؛ لتكون حياتهم جذابة للمتابعين، بقدر ما فيها من تمثيل واصطناع للأحداث واللحظات الجميلة. مما أدى لانتشار هذا الهوس وتأثيره على جوانب الحياة المختلفة، واحتلاله للكثير من تفكير المراهقين بشكل خاص. ومن هنا كانت أهمية الانتباه لخطورة هذه الظاهرة؛ لمحاولة الحد منها، وتصحيح مسارها؛ ولمنع أبنائنا من الانزلاق خلفها، والاقتداء بسالكيها بتوعيتهم وبناء شخصيتهم بشكل متكامل، من خلال ربطهم بقدوات ذات شهرة قيمة قديمة أو حديثة، لكنها ذات قيم خلقية ودينية أو علمية مفيدة. وشغل فراغهم بما ينفعهم، ورفعت سقف اهتماماتهم بتوجيههم للاهتمامات التي ترتقي بهم علماً وقيماً، مع ترتيب أولوياتهم في الحياة، والاهتمام باحتياجاتهم الترفيهية والعناية بها.

فلم يعد الاكتفاء بسد الاحتياجات الجوهرية للأبناء هو فقط من المسؤوليات الوالدية، خاصة بعد أن أصبح الترفيه أولوية لهم؛ لذا وجب العناية به بالكم والنوع، وتوجيه مساره حتى لا يلتهم الترفيه الفارغ المحتوى أوقاتهم، بمتابعة ما يضرهم ولا ينفعهم. أو ينحرف بهم ليكونوا بلا هوية، يتلقفون كل ما حولهم ويتأثرون به ويقلدوه. وذلك من خلال تدعيم ثقتهم بأنفسهم، للترفع عن صغائر الأمور وهوامشها مع إشباع احتياجاتهم العاطفية، من خلال الأسرة. واحتياجاتهم الاجتماعية من خلال أصدقاء ينتمون إليهم، ويشبعون الرغبة للانتماء والتقدير لديهم؛ حتى لا ينجرفوا خلف شخصيات فارغة، يقتبسون منها سلوكياتهم وتفاصيل حياتهم. ومنحهم أيضاً الاهتمام والمكانة المناسبة لإشباع حاجتهم للظهور ولتتكامل شخصياتهم، فلا تندفع لإبراز نفسها في مزالق بعيدة عن القيم.   مع تعديل اتجاه حاجتهم للظهور الطبيعي عند المراهقين، بتعزيز ثقتهم بأنفسهم باتجاه تحصيل العلم، والحفاظ على القيم، من خلال قصص من رفع الله قدرهم بالعلم، ومن ألبسهم الله ثوب الوقار وحب الناس؛ لحملهم قيم خلقية رفيعة. وتوضيح عواقب الشهرة على نفسه وحياته. مع رسم صورة واضحة لهم بالمقارنة بين للشهرة الحقيقية والزائفة، مع التوضيح بأن احترام الناس وحبهم يُكسب بطريق رضا الله، ثم احترام الفرد لنفسه، فقد تكون الشهرة مجالاً لمتابعة البعض، لكن في الوقت نفسه مكاناً لاستهزائهم واستخفافهم؛ نظراً لسخافة ما يصدر دون أن يكون له قيم أو هدف.   فاحترام الخصوصية والحفاظ عليها: مطلب مهم للحماية من العابثين الذين يتصيدون الأخطاء ويسارعون في نشرها؛ ليصلوا أيضا للشهرة من خلالها. ويكفي أن يتعلم الأبناء أن يقيموا أنفسهم؛ ليقوموها فهم أعلم الناس بها وبما يصدر عنها؛ وليدركوا أنهم قد يصطنعوا لأنفسهم حياة زائفة وأسلوباً منحرفا ليلفت الأنظار إليهم، فيصبحوا في أعين أنفسهم قبل أعين من يشاهدهم كطفل صغير يثير الشغب للفت النظر، وهو يدرك أنه حاد عن الصواب. فأي شهرة في الاستخفاف بالنفس والتقليل من قدرها!

فعلى قدر ما سهلت وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي التواصل مع الأهل والأصدقاء: غير أنها سهلت في الوقت نفسه الظهور الاجتماعي، وأتاحت الفرصة لمن لا يملك مقومات الشهرة بالشهرة. دون امتلاك أدنى مقوماتها غير الهوس بالظهور.

ومع ذلك فالشهرة ليست عيباً نحتاج للتخلص منه، فمن حق المراهق أن يحاول أن يجد لنفسه مكانة، ويرسم لنفسه صورة لامعة، لكن باحترامه لنفسه أولاً، وبسلوك يضيف له قبل الآخرين لمسة نافعة. فنحن بحاجة لتعديل مساره من كونه غاية إلى وسيلة لغاية ذات قيمة، ووسيلة لنشر الفضيلة أياً كانت.   

فليس تعطش هذا الجيل الصاعد للشهرة، بأقل من تعطش المجتمعات لمن يشتهر بما ينفعها، ويرفع من قيمها ويكون قدوة لجيلها بعمله النافع، وبصمته العلمية التي تُنسب إليه؛ حتى لا تصبح مخالفة العلم مقوماً للشهرة، بدلاً من العلم. وكذلك مخالفة الثقافات الاجتماعية بدلاً من تعزيز قيمها. فما أجمل الشهرة عندما تكون رداء العلماء والمثقفين، وأداة لنشر العلم النافع والفكر الراقي، وما أقبحها عندما تكون رداء الجهلاء، الذين صنعوا منها بلاء بحاجة للدواء.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...