وبالسَّعْيِ خَلَّدَ ربِّي ذِكْرَهَا! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

وبالسَّعْيِ خَلَّدَ ربِّي ذِكْرَهَا!

دعوة وتربية » سنن وفضائل
20 - ذو الحجة - 1437 هـ| 23 - سبتمبر - 2016


1

في موسم الحج تصفو الأرواح، وتتجدد الأشواق، وهي تستشعر قرب الحجيج من الله تعالى في بيته الحرام. ويشرق كل منسكٍ من مناسك الحج بما يكتنفه من ذكريات تهزّ وجدان المؤمنين هزّا، لتتفجر في قلوبهم ينابيع الحكمة الإلهية والتربية الإيمانية الكامنة في تلك المناسك، وكأنها معين للخير لا ينضب، يتجدد عطاؤه كل عام في موسم الحج الأكبر.

ويعيش المسلم في أيام الحج وهو يستحضر في وجدانه أكرم الشخصيات الذين ارتبط ذكرهم بالمناسك المقدسة، فهم الغائبون الحاضرون عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، ورضي الله تعالى عن أزواجهم وذرياتهم وأتباعهم إلى يوم الدين.

واليوم لنا وقفة مع منسك السعي بين الصفا والمروة، وقد ارتبط بشخصية نسائية عظيمة، إنها أم من أمهات المؤمنين، أمنا "هاجر" زوج الخليل وأم ولده إسماعيل ـ عليهم ونبينا صلوات الله وسلامه ـ فما ذكر السعي بين الصفا والمروة إلا ذكرت، وما سعى مؤمن أو مؤمنة إلا وهو يستحضر سعيها في المكان نفسه بين الصفا والمروة وما صاحبه من أحداث، وما نتعلمه من هذا النسك من دروس وعبر.

 

روى البخاري عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: "أول ما اتخذ النساء المنطق من قِبَلِ أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة. ثُمَّ جَاءَ بِهَا (أي هاجر) إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: "يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ!" فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا.

 فَقَالَتْ لَهُ: "آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟" قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: "إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا"، ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ حَتَّى بَلَغَ يَشْكُرُونَ"(سورة إبراهيم).

"وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ، عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ، رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: "فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا"انتهى.

 

لقد كان حدثاً جللاً أكبر من أن تحيط به الكلمات، ففي كل لمحة منه عبرة ودرس إيماني كبير، ومن أهم الدروس في تصرف "هاجر"رضي الله عنها، ما يلي:

 

- ثقة المؤمن في ربه جلّ وعلا لا يعدلها شيء: "يا إبراهيم لمن تتركنا؟"

كلمةٌ قالتها هاجر – فقط - لتسمع منه كلمة يطمئن بها قلبها، فلما علمت أنه أمر إلهي، قالت بعزة الواثق بالله: "إذاً لا يضيعنا".

وفي رواية أخرى عند البخاري، قالت هاجر عليها السلام: "يا إبراهيم إلى من تتركنا؟"، قال: "إلى الله". قالت: "رضيت بالله"، ففجَّر لها ماء زمزم وخلد ذكرها بالمدح والثناء الجميل، وخلّد سعيْها نُسُكَاً للمؤمنين إلى يوم القيامة.

 

إنها علاقة السماء بالأرض، والارتباط الوثيق بين من في السموات ومن في الأرض، وأن المؤمن التقي موصول بربه جل وعلا، وأنه سبحانه يؤيد أوليائه المؤمنين بنصره وحمايته وعنايته، وقد كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ موقنًا بأن الله تعالى لن يضيّع تَرِكتَه التي خلَّفها وراء ظهره.

 

- التوكل على الله تعالى هو القوة الحقيقية للمؤمن:

والتوكل على الله من أجلّ العبادات القلبية، قال ابن رجب: "هو صدق اعتماد القلب على الله - عز وجل - في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، وكِلَة الأمور كلِّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع، ولا يضر ولا ينفع سواه تبارك وتعالى". 

 

وهذا الموقف العظيم يجلّي لنا بوضوح تام التطبيق الصحيح لعبادة التوكل على الله عزّ وجلّ دون إفراط أو تفريط، فقد سبقت من أمنا "هاجر" كلمة توضح أن قلبها ينبض بالاعتماد الكامل على الله تعالى، والثقة التامة في أنه سبحانه لن يضيع عبده الذي يطيع أمره، "إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا"، ولكنها مع ذلك بذلت الأسباب التي في وسعها بأقصى جهد ممكن، فقامت تسعى بين الصفا والمروة تستكشف وتستطلع أي خيط من نور، ينقذها هي ورضيعها من الهلاك جوعاً وعطشاً، وكأني بها في أثناء سعيها والرجاء يتجدد في قلبها كلما سعت والثقة تتأكد في أن الله تعالى جاعلٌ لها ولوليدها فرجاً ومخرجاً!

إن من نعمة الله تعالى أن جعل السعي بين الصفا والمروة منسكاً خلده الله تعالى في أعمال الحج والعمرة؛ لتتجدد لهم القدوة العملية من الأم المستسلمة هاجر ـ عليها السلام ـ في الأخذ بالأسباب إلى أقصى حد ممكن، مع طمأنينة القلب بالتوكل والاعتماد على الله عز وجل، فقد سعت هاجر سبعة أشواط صعوداً وهبوطاً إلى الصفا ثم إلى المروة، وهو عمل بلا شك شاق وصعب جدًا على الرجال فضلًا عن النساء.

وقد أحسن القائل: (من طعن في الحركة يعني في السعي والكسب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان).

فلم يزل التوكل على الله عز وجل بالقلب هو حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأنبياء الكرام من قبله، والسعي بالجوارح والكسب هو سنتهم جميعاً.

 

- النصر يأتي من حيث لا يخطر على بال

الفرج بعد الشدة، والنصر بعد الصبر أكيد، ولكن غالباً ما يأتي من حيث لا يحتسب المتقون!

تماماً كما حدث مع أمنا "هاجر" في قصة السعي بين الصفا والمروة، فقد يطرق المرء أبوابًا للرزق في جهة، والله عز وجل قد كتب وساق له الرزق في جهةٍ لا تخطر له على بال!

كذلك يأتي الفرج والنصر غالباً أكثر مما يتوقع المتقون، وأكثر مما يحتاجون!

فهذه "هاجر" ـ عليها السلام ـ كانت تريد أن تروي عطش رضيعها فأعطاها الله بئر زمزم!! كما أن الماء الذي جاءها نبع من تحت أقدام رضيعها سيدنا إسماعيل  ـ عليه السلام ـ، ولم يأت من ناحية الصفا أو المروة!

 

- إكرام الله تعالى للمرأة المؤمنة في شخص "هاجر" ـ عليه السلام ـ:

          إذ جعل الله تعالى هذا النسك موروثاً عنها، وركنا يؤديه كل مسلم ومسلمة حجّ البيت أو اعتمر إلى يوم القيامة، قال تعالى: "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 158).

 

قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - :(قد بين الله – تعالى - أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها، لما نفد ماؤها وزادُها، حين تركهما إبراهيم -عليه السلام - هنالك ليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك، ونفد ما عندها، قامت تطلب الغوث من الله، عز وجل، فلم تزل تردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله، عز وجل، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغُفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر -عليها السلام).

 

- القدوة في متابعة الزوج الصالح وطاعته:

لم تعارض "هاجر" أو تسيء الأدب، أو تسيء الظنّ مع زوجها عليه الصلاة والسلام، وما ذاك إلا لأنها تعلم أنه نبي مرسل، مؤيد بالوحي من عند الله تعالى، فتابعته على أمر الله تعالى له بأن يضعهم في هذا المكان.

والحق أنه ليس في الدنيا نعيم يوازي الاتفاق العقائدي والفكري بين الزوجين، وليست زيجة أعظم بركة من اجتماع زوجين على حب الإسلام والاعتزاز به؛ فقرّرا أن تكون حياتهما في سبيل الله عز وجل، وأن يكون بيتهما لبنة بناء قوية صالحة في صرح الإسلام الشامخ، وأن يكون أبناؤهما أنفساً جديدة توحّد الله عزّ وجل وتحيا بذكره.

أرأيتم –أعزائي - إلى أمهاتنا زوجات نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كيف كنّ وحدة واحدة معه صلى الله عليه وسلم في المؤازرة والنصر والتبليغ من بعده، وما هن إلا ذرية بعضها من بعض، فها هي زوجة الخليل وأم المؤمنين الأولى "هاجر" ـ عليها السلام ـ، تتفق معه تماماً في العقيدة والمنهج، وتسير معه طائعةً لله، مستسلمة لأمره، واثقةً في تدبيره وأنه لا يضيع عبده المؤمن أبداً.

فكان الجزاء من الله تعالى أن:

  • حفظها الله تعالى وابنها، وأنشأ منه أمة العرب محلّ الرسالة الخاتمة، ومن نسله خرج سيد ولد آدم وخاتم النبيين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
  • فرّج الله تعالى كربها عاجلاً في الموقف ذاته بفرجٍ ظاهره قريب، وحقيقته كرامة عظيمة خالدة لهذه المرأة المؤمنة، ومعجزةً أيضاً لرسول الله إبراهيم الخليل وولده إسماعيل ـ عليهما الصلاة والسلام ـ.

 

نسأل الله تعالى أن يكتب لنا حج بيته الحرام، حجا مبرورا، وأن يتقبل من الحجيج سعيهم ونفقتهم وجميع مناسكهم، اللهم آمين . 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...