وصادقتُ الابتلاء!!

كتاب لها
11 - جمادى الآخرة - 1440 هـ| 17 - فبراير - 2019


1

ما بين الرضا والاستسلام.. شعرة رقيقة، ولمحة شفيفة لا يكاد يستشعرها إلا الملهمون، ولا يسبر أغوارها غير ذوي البصائر، إنها ليست مجرد كلمات تخرج من أفواهنا مع أنفاسنا لنستشعر الراحة، ونقنع أنفسنا أننا أدينا واجبنا تجاهنا والآخرين، فنتنفس الصعداء، وننام مقروري الجفون. بهذه الكلمات بادرت جارتي الحبيبة التي عادت من سفرها مع زوجها.

***

سنوات قضيناها معا.. سافرت هي مع زوجها إلى إحدى البلاد العربية سعيا وراء الرزق، واستقررت أنا حيث زوجي وأولادي في انتظارها.. كلما عادت محملة بالأموال حسدتها العيون التي تربصت بها تحصي ما حوته الحقائب، وازدانت به الأذرع.

لم تكن جارتي الحبيبة تستأثر لنفسها بكل ما تجلبه، كان للسائلين منه نصيب، كانت طيبة القلب ،رقيقة الحاشية ،نظراتها حينما تلقاني مبتسمة تهب السكينة لقلبي الملتاع من فرط الألم مما ألاقي من مصائب،إنها تشبهني في أشياء كثيرة، لكنها تتفوق علي في الصبر.. نعم الصبر.

والصبر لا يبلغ مرماه ومبتغاه إلا عند الصدمة الأولى.. وقد تعرضت هي لما يفقد الكثيرون صوابهم حياله، فقدت ابنها الوحيد، طالب الطب الذي اشتهر بحسن الخلق والبر بها وبأبيه في حادث سيارة أودى بحياته، ظلت تبكيه بحرقة قلب الأم الثكلى ترتب حجرته كل صباح وتلمع حذاءه وتكوي ملابسه وتسقي أواني الزرع التي كان يهتم بها.. مرددة إن القلب ليبكي والعين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الرب متمثلة قول حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم .

بل بلغ الحدب من صديقتي أن ساهمت في تزويج فتاته التي كان قد خطبها وكانا قد شرعا في إعداد عش الزوجية وحين تعجبت من فعلها.. أخبرتني أن في ذلك راحة لفقيدها وتصبيرا لآلام فؤادها المكلوم، بنت مسجدا وأسمته باسمه وأوقفت ما تمتلكه لصالح فقراء الطلبة الذين لا يملكون ما يدبرون به أمور دراستهم،وبعد أشهر معلومات لحق زوجها بابنها فما جفت مآقيها من البكاء، وكلما دخلت عليها وجدت كتاب الله بين يديها تستنبت الطمأنينة من آياته الشريفة وتستلهم الصبر كلما مرت عيناها ببشرى للصابرين أو بنعيم للشهداء ورحمة للتائبين العابدين المصلين ، ليت الأمر توقف على ذلك،بل طال ابن أختها ذلك الشاب المهندس الغض الذي انتقل للعيش معها بعد وفاة والدته، ولما ارتأت أن حياتهما ،صارت بلا لون ولا طعم ولا رائحة وأضحت كمن ينتظر الموت ،استعاذت بالله واستعانت بقدرته وهيأت إحدى الجمعيات الخيرية لتزويج اليتيمات فوجدت في ذلك سلواها وهدوء سريرتها وأشارت على ابن أختها ذي الجاه والمال والعقل والخلق أن يتزوج بمن يرضى دينها، وقد كان ..وامتلأ البيت حياة من جديد وزغردت الطيور وتلألأت الأركان بألوان الحياة، وتعالت البسمات فوق ركام أحزانها.. أحزان الفقد ويا لها من أحزان.

***

وبعد عام أنجب ابن أختها صبيا جميلا أسماه  على اسم فقيدها.. ثم أنجب بنتا زاهرة أسماها على اسم والدته ثم أتبعهما بثالثة أعطاها اسمها "امتثال"نعم كان اسمها امتثال..وكانت تعمل مديرة مدرسة.. وكانت قد أحست بطعم الحياة ثانية لكن قدر الله سبق أمنياتها السعيدة فقد توفى ابن أختها تاركا زوجته وأبناءه الثلاثة في عنقها.. فآلت على نفسها إلا أن ترعاهم وكلما نظرت إلى أحدهم هطلت دموعها سيلا فياضا لا يحده حد..!

تعجبت من هلعي لأتفه المواقف بيني وبين زوجي أو أولادي أو حتى زملاء العمل؟ مجرد خلافات بسيطة ومشاكل تافهة تقلقني وتصيبني بالانهيار والفزع ، أقف أمام مصائب فقدها لأحبتها مستصغرة همتي حين يصيبني الهلع لنزلة برد ألمت بأحدنا ولا أشكر الله! أو لخسارتنا صفقة ما حتى مهما كانت بسيطة.. أو لحصول أحد أبنائي على تقديرات غير مرضية في دراسته!

الحق.. وجدتني أغبط  جارتي وصديقتي على ما هي فيه من نعمة الصبر على الابتلاء.. ومن احتمالها غير المعقول في اعتقادي..وساءلتها:

بأي قوة تتصرفين؟

بأي يقين تعيشين؟

بأي خلق تأتزرين؟

لم تزد جارتي الحبيبة بأكثر من لؤلؤتين هطلتا شفقة على مفقوديها الأعزاء مشيرة إلى السماء قائلة: حبيبتي:له الحمد في الأولى أن أعطانيهم، وله الحمد في الآخرة أن استعاد عطيته مني، فلا الفرح في الأولى بقدر الجزع من الأخيرة ولكنها الشفقة! ثم تابعت في خشوع رحم الله القائل:

لك الحمد إن الرزايا عطاء.. لك الحمد مهما استطال البلاء!*

قلت: رحم الله أحباءنا

نظرت إلى السماء باسمة ثم قالت: حبيبتي صادقي الابتلاء وداومي على الدعاء.. فربما.. ربما.. فُتح الباب بغتة!

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...