وصية متميزة

أدب وفن » دوحة السرد
27 - محرم - 1437 هـ| 10 - نوفمبر - 2015


1

يقدر الله لبعض الناس أن يعيشوا تجارب متميزة في حياتهم، فيتبوؤوا مكانة عليا في مجتمعاتهم، أو يُؤْتَوا سعة في المال، يجتهدون في تحصيله بما يأخذون به من أسباب، أو يحققوا إنجازات غير عادية في ميادين أعمالهم التجارية أو الصناعية أو الزراعية، ويكتسبون خلال سنوات ممارساتهم الطويلة خبرة نادرة، لا يصل إليها سواهم من الناس. بخاصة إذا كانوا ممن رزقوا -مع ما رزقوه من تجارب- عقلاً مدبراً وحكمة نافذة، فإذا امتد بهم العمر، تضاعفت خبراتهم أضعافاً كثيرة، وأحسوا أنهم يملكون كنوزاً حقيقية، استفادوا منها في النجاح الذي وصلوا إليه، والمغانم المادية والمعنوية التي غنموها.

 

وهنا يواجه أفراد هذه الفئة مفرقاً كبيراً يتوزعون فيه، فبعضهم تتملكهم الأثرة وتملؤه إحساساً بأن المجد المادي أو المعنوي أو كليهما الذي تحقق له، إنما تحقق بمواهبه وكفاحه، فهو أحق أن يستأثر به وحده، فيستمتع به ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ويمنعه عن الآخرين، ليبقى له فضله المتفرد عليهم، وهذا طغيان الأثرة في أسوأ وجوههما.

 

وبعضهم يُحسّ أن ما بلغه من مجد مادي ومعنوي، ينبغي أن يمتد إلى من يحمله أو يستفيد منه، ولا يرحل معه إذا ما بلغ قطار العمر محطته الأخيرة، فيتخير ممن حوله من يحسب أنه الأنسب لحمل رسالته، أو الإفادة من كنوزه، وينقل إليه خلاصة تجاربه وخبراته، ويوصيه وصية توفر عليه خوض ما خاض هو فيه، وتجنبه المشاق التي مرّ بها، وتمنحه الثمار دونما عناء.

 

وبقدر ما يكون صاحب التجارب والخبرات مدركا لأبعاد تجاربه وعوامل النجاح والفشل فيها، تكون وصيته لمن ينقلها إليه مفيدة. وقد حفظت صفحات التاريخ والأدب في تراثنا بعض الوصايا القيمة، وخاصة وصايا الذين تبوؤوا مكانة سياسية أو اجتماعية أو علمية، كبعض  الخلفاء والأمراء والمصلحين، ومنها وصية قيمة للخليفة العباسي المنصور، أوصى بها ابنه المهدي لما شعر بدنو أجله.

 

 وللمنصور تاريخ حافل بالتجارب على امتداد اثنتين وعشرين سنة، تولى فيها الخلافة، وواجه أحداثاً جمة، برع في تجاوزها وتثبيت أركان الدولة العباسية، حتى ليعد بحق المؤسس الحقيقي لهذه الدولة تنظيماً وعمرانا وأمنا وثقافة.

تروي كتب التاريخ أن المنصور لما خرج للحج سنة مئة وثمان وخمسين للهجرة دعا ابنه المهدي فقال له:

(إني ولدت في ذي الحجة، ووليت الخلافة في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل الله لك مما كربك وحزنك مخرجاً وفرجا، ويرزقك السلامة وحسن العافية من حيث لا تحتسب).

 

ويبدأ المنصور بعد ذلك وصيته بأهم قضية تتعلق بمستقبل ابنه وولي عهده المهدي، الذي سيتولى الخلافة بعده، قضية العلاقة بين الراعي والرعية، فينبهه إلى أن هذه الأمة هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الخلفاء هم ورثته في إدارة شؤونها وتطبيق شرع الله فيها وحفظها من الفساد والمفسدين، وعليهم تطبيق العدل فيها دونما إجحاف بها، أو مساس بهيبة الراعي وسلطانه، يقول:

(يا بني! احفظ محمداً صلى الله عليه وسلم في أمته يحفظك الله، ويحفظ عليك أمورك، وإياك والدم الحرام، فإنه حرب عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم. والزم الحدود فإن الله تعالى لو علم أن شيئاَ أصلح منها لدينه، وأزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه.

واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أنه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فساداً مع ما ذخر له من العذاب العظيم، فقال: "إنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ"المائدة33، فالسلطان -يا بني- حبل الله المتين، وعروته الوثقى، ودينه القيم، فاحفظه وحصنه وذبّ عنه، وأوقع بالملحدين فيه، والخارجين عنه بالعقاب).

وينبه المنصور ابنه المهدي إلى قضية دقيقة في الحكم والسياسة هي إقامة العدل، وحسن الإدارة المالية لحفظ أموال الأمة، ووضعها فيما يعود عليها بالنفع، يقول:

(واحكم بالعدل، ولا تشطط، فإن ذلك أقطع للشغب، وأحسم للعدو، وأنجع في الدواء. وإياك والأثرة والتبذير لأموال الرعية، وأعّد الأموال واخزنها فإن النوائب غير مأمونة، وهي من شيم الزمان).

ومن القضايا المهمة التي يوصي بها ابنه الإدارة الحازمة ومتابعة عماله وموظفيه وإنجاز أعماله أولاً بأول، والاعتناء بالجانب العسكري والأمني لمواجهة أعداء الدولة في الثغور، وأهل الفتن في الداخل، يقول:

(وأعد الكراع والرجال والحيذ ما استطعت. ولا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، فتدارك عليك الأمور، وتضيع (جدا؟) أحكامها النازلات.

وأعد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالاً بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل. وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر ولا تكسل، وخذ نفسك بالتيقظ.

 

 وتفقد من ثبت على بابك، وسهل إذنك للناس، وانظر في أمر النزاع إليك، ووكل بهم عيناً غير نائمة ونفساً غير لاهية).

وبعد: فلقد جمع المنصور في وصيته خلاصة تجربته في الحكم والإدارة، ووضعها أمام ابنه بعبارات دالة بليغة.

ولقد شهد التاريخ أن المهدي استفاد أيما فائدة، فكان عهده امتداداً للاستقرار والطمأنينة والنماء الذي بدأ في عهد أبيه، كما كان امتداداً لنشر الدعوة الإسلامية في الآفاق.

 

 وقد تناقلت كتب الأدب والمختارات هذه الوصية المتميزة؛ لما حوته في مضمونها من قيم سامية، وحكم ودلائل على حقيقة العلاقة بين الراعي والرعية في حضارتنا الإسلامية، ولما حملته من صياغة عفوية في التعبير، وسلاسة في الأسلوب. وهذا لون من ألوان الأدب الإسلامي، الرفيع في مضمونه وشكله.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...