وظيفة شاغرة! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

وظيفة شاغرة!

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
16 - صفر - 1440 هـ| 27 - اكتوبر - 2018


1

  يتقاسم الوالدان العملية التربوية في الأحوال الطبيعية، غير أن الجهد التربوي الأكبر تتحمله الأم؛ كونها الأقرب من الأبناء والمهيأة بشكل فطري لاستيعابهم واحتوائهم بالأساليب التربوية التي تتناسب مع شخصية كل منهم. لكن مع تزاحم المسؤوليات في الوقت الراهن، وتنوع المصادر المعلوماتية لهذا الجيل؛ أصبحت التربية أمراً شاقاً، وصارت الأم بحاجة لمضاعفة الجهد التربوي؛ لتكون النتائج على القدر المأمول.

لكن مع الأسف أن الكثير من المسؤوليات شتت جهد الأم وطاقتها؛ مما قلل من جهدها التربوي، خاصة عندما جعلت الأعمال الأخرى تزاحم عملها في التربية، وبالتالي أصبح العمل التربوي أمراً ثانوياً بجانب الأعمال الرئيسة الأخرى التي تصدرت قائمة مهامها، كعملها خارج المنزل، أو حتى داخله لتكون الرعاية العنصر الأهم في معيارها التربوي. فأصبحت تولي الاهتمام بمأكلهم وملبسهم عناية تفوق جوهر التربية الأهم. فالتربية بمعناها الحقيقي تتضمن الرعاية وليس العكس؛ لأن هدفها البنية المتكاملة الداخلية للأبناء قبل الاهتمام بالمظهر.

وتقوم التربية على عدة أركان، ولابد حتى تقوم الأركان بشكل مناسب أن تتوفر العلاقة الأسرية الجيدة بين الأم والأبناء، وذلك من خلال الثقة والصداقة بينهما، ومن ثم نهتم بتأسيس هذه الأركان التربوية والتي من أهمها:

  • التوجيه: ويعني مجموعة التعليمات التي تزود بها الأم أبناءها، ليتعلموا كيف يعملوا ويتعاملوا في مواقف حياتهم المختلفة. وذلك بالخطاب المباشر، وإدارتهم لما ينفعهم بكلمات واضحة ومفهومة بحسب عمر الابن، والأفضل أن يكون بشكل منفرد؛ حتى لا يشعر بالحرج، أو أن تؤذيه نفسياً، بدلاً من أن تكون دعماً له ولشخصيته. وأن تكون كلمات لطيفة وتواصل بصري كامل، يحمل الحنان الوالدي والصداقة، بحيث تغرس فيهم ما تريده ونوضح الهدف والعواقب، وتشجعه عليه دون أن يشعر أنه أمام أوامر ونواهي، وإنما يستشعر أنه شريك في إدارة حياته مع الأم خاصة، يسألها من خبرتها وتعطيه خلاصة تجربتها وتتحاور معه على رسم خطا مستقبله بطريقة ممنهجة ومرنة. فالتوجيه قيادة للأبناء بإعطائهم التعليمات والمعلومات والمهارات على الوجه الذي يحقق مصلحتهم ديناً ودنيا.
  •  الإرشاد: ويكون من خلال نصحها لهم بما هو صحيح وما هو خاطئ، وكذلك توضيحها بما هو مطلوب منهم. وما نريده منهم؟ وكيف يحققونه بأفضل السبل؟ وكيف يتصرفون حيال بعض المواقف والمشكلات. فتوضح لهم ما تريده منهم من سلوكيات وآداب، وترشدهم كيف يحلوا مشكلاتهم وما يحتاجون إليه في سبيل ذلك من مهارات. وتبين لهم سبل الفساد التي قد يقعون فيها؛ لهدايتهم لما فيه خير لهم من علم وخلق وسبل حل لمشكلاتهم.
  • فالإرشاد وعظ ونصح حيال أمر ما، أو موضوع ما، فهو بمثابة بوصلة تصحيح مسار الأبناء. فمن خلاله يحمل الأبناء التوصيات المناسبة؛ ليصح الطفل راشداً بأسلوب صحيح، ومعرفة ما ينبغي فعله بالأسلوب الأفضل حيال الأحوال والموضوعات المختلفة التي تواجهه كعقبة في حياته، ويلزمه التعامل معها بأسلوب مناسب؛ ليتجاوزها بسلام، فهي لوحات إرشادية بالتعليمات بعد توجيه مساره؛ ليبتعد عن الانحراف أو بنصحه، بعد أن يحيد عن سبيل السلامة التربوية.

  • التقويم: وهو تعديل مسار السلوك، بعد أن ينحرف عن المعيار الخلقي أو الديني أو الاجتماعي؛ ليصبح أكثر استقامة وتوافقا مع المعايير السابقة، لكن هذا التقويم يكون بأساليب علمية تتناسب مع السلوكيات السلبية وشخصية الأبناء وأعمارهم؛ ليكون تقويمها صحيحاً، بإعادتها لقيمها الأصلية. وذلك بتقويم السلوكيات السلبية بطريقة إيجابية علمية، حتى لا نردع الخطأ بخطأ أكبر.
  • وهذه الأركان الثلاثة للتربية تقوم على بعض المحاور المهمة التي تزيد من فاعليتها ونجاحها والتي من أهمها:

  • الإنصات للأبناء بالجوارح قبل الأذن، فهم بحاجة لمن يستمع لهم سماع المهتم المنصت لمشكلاتهم الصغيرة، ولطموحاتهم البعيدة، ولكل ما يزعجهم؛ ليتعلموا كيف يتصرفون حيال بعض المواقف، فهم بحاجة لوقت نقي خالٍ من المشاغل، يقضونه مع الأم خاصة؛ لتشاركهم بعض تفاصيل حياتهم وهمومهم. وتجيبهم على بعض استفساراتهم التي تكون دليلاً إرشادياً لحياتهم، وطمأنينة لقلوبهم، وجسر ثقة وصداقة ممتدة بينهم وبينها.
  • التشجيع المستمر لسلوكياتهم الإيجابية، وكذلك على الاستمرار في التعلم مع غرس ما يحتاجون إليه من قيم، وتشجيعهم على كل فضيلة بالتعزيز المناسب؛ حتى تصبح الفضيلة جزءاً من قيمهم.
  • تدريبهم على تحمل المسؤولية داخل البيت وخارجه، من خلال توكيل بعض المهمات إليهم بالتدريج بحسب سنهم وتشجيعهم على ذلك، ومنحهم أيضاً فرصة للاستقلال التدريجي، بتشجيعهم عل تولي الكثير من أمور حياتهم بأنفسهم.
  • تنمية الثقة بالنفس بداخلهم، بمشاورتهم، ومنحهم الاهتمام برأيهم، وجعلهم يتخذون الكثير من القرارات بعد تفكير، وإدراكهم لمزايا وعيوب وعواقب الأمور فيها، ويمكن مشاركتهم لكن يُترك لهم تجريب نتائج قراراتهم.
  • تنمية الرقابة الذاتية بداخلهم، بالخوف من الله حتى لو استتروا عن كل الناس وانفردوا بأنفسهم؛ لتنمية هذا الحس الرقابي، الذي يعمل على التحكم بسلوكياتهم في كل وقت وأي مكان. وفي الوقت نفسه: يتم مراقبتهم من بعيد، ومراقبة سلوكياتهم بشكل غير مباشر، ومن يصاحبون؟ ومن هم أصدقاؤهم؟ وكيف تبدو سلوكياتهم في مدارسهم؛ ليكون الوالدان على اطلاع بأي تغير سلبي، ومعرفة مصدره؛ مما يتيح لهم معالجة الخلل من مصدره، ومنذ بدايته للحفاظ على الأبناء في المسار السليم.
  • ومن المهم أيضاً: أن تنتبه الأم خاصة لبعض النقاط التي تؤثر بشكل سلبي على علاقتها بأبنائها، والتي تقطع تواصلهم معها، وتبني حواجز بينهما. فضلاً عن تأثيرها على نفسياتهم ومستقبلهم والتي من أهمها:

  • الغضب والانفعال عليهم، سواء بسبب أو بدون سبب، فلابد من ضبط المشاعر بمجانبة الغضب معهم، وإحلال التغاضب والفرق أن الغضب يدمر العلاقة بينهما ويقطع التواصل، ولا يوصل الفكرة المطلوبة بالشكل الصحيح. فضلاً على كونه نموذجاً سلوكياً سلبياً يقتدي به الأبناء. أما التغاضب فهو إظهار للغضب دون انفعال أو سلوك ليكون مظهراً تعبيرياً عن كراهية سلوك منهم، ليرتدعوا عنه ويدركوا سلبيته.
  • الدعاء عليهم، وهو من أسوأ الأساليب التي يقوم بها الوالدان، فالدعاء سلاح لو أحسنا استخدامه، لوصلنا للب التربية المتميزة. فبدلاً من استخدام هذا الأسلوب التربوي الرائع في خدمة الأبناء وصلاح أحوالهم بالدعاء لهم في غيبتهم؛ لابتغاء صلاحهم وفي حضورهم؛ ليستشعروا الرضا والاهتمام الأبوي، نجعل منه مصدراً للألم والعذاب النفسي بسماعهم الدعاء عليهم من أقرب المقربين؛ ليوحي لهم باستغنائهم عنهم وكراهيتهم، وكثيراً ما يصبح مصدراً لشقائهم إن وافق ساعة إجابة للدعاء.
  • توكيل تربيتهم للخادمة، وحتى العناية بهم، وهي إشكالية كبيرة، فالتربية رابط بين المُربي والطفل، والأم أولى بهذا الرابط. بالإضافة إلى أن المربي يعطي خبراته وثقافته، بل وحتى طقوسه الدينية في كبسولات لمن يربيهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة. فكيف يمكن أن نضمن نقاء هذه الكبسولات وجودتها وصلاحها لأسرنا، إن لم تكن من الأم ذاتها؟
  • التلويح بالعمر الزمني للأبناء، فهم صغار عند بعض المواقف، ونمنعهم من اختيار بعض احتياجاتهم أو اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، بل ونسكتهم أحياناً عند إبداء آرائهم بحجة صغر سنهم، وفي الوقت نفسه هم كبار ـ حتى لو كانوا أطفالا- ليستمعوا لأوامر الوالدين، ويستوعبوا ما فيها من تعليمات متتابعة، ويطبقوها بكل عناية، أو عند بكائهم في موقف ما، يتم زجرهم لأنهم كبروا على البكاء، فالبكاء للأطفال!  وهذه تناقضات تربوية تربك الأبناء، وتزعزع الثقة بينهم وبين الأم.
  • ولو أدرك الوالدان عظم ما وهبهما الله من نعمة حُرم منها الكثيرون؛ لاجتهدا في الحفاظ عليها واستثمارها؛ لتنفعهما قبل غيرهما. وكذلك لو استشعرا حجم الأمانة الموكلة إليهما؛ لأدركا أن التفريط بتربيتهم، إنما هو تفريط بالأمانة الموكلة إليهما. ولأدركت الأم خاصة أن التربية هي وظيفتها الأولى والأهم. لكن السؤال المهم: إلى متى ستظل هذه الوظيفة شاغرة؟

     

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...