وظيفة للجميع

رأى لها
16 - ربيع أول - 1438 هـ| 15 - ديسمبر - 2016


وظيفة للجميع

في كتابه "المقدمة" يقول ابن خلدون: "شرف الصانع من شرف الصنعة"، وإن كانت الأمور تقاس بالشرف والمكانة في تلك الآونة، فإنها تقاس بالأهمية والتأثير في هذا الزمن أيضاً.

الدعوة إلى الله، هي من أحب الأعمال إلى الله تبارك وتعالى، فهي عمل ووظيفة الأنبياء عليهم السلام، ومن جميل لطف الله علينا أن جعلها متاحة لجميع البشر. بل أمر بها الله تبارك وتعالى بقوله:{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}آل عمران(104).

وإن كانت غالبية الأعمال والوظائف والمهن تحتاج إلى دراسة وتدريب وشهادات واحتراف، فإن الدعوة إلى الله تحتاج إلى إخلاص النية لله تعالى، وتحري الأسلوب الصحيح. وبالتالي ستكون متاحة للجميع، ومتاحة بكل الأشكال والوسائل والطرائق، ولا يوجد من لا يستطيع تضمين عمله بدعوة مناسبة.

الطبيب الذي يطلب من مريضه أن يذكر الله ويتوكل عليه لتجاوز الألم: هي دعوة.

والضابط الذي يشير إلى جنوده أن يحتسبوا وهم يلاقون العدو: دعوة.

 والأم التي تعلم أبناءها أهمية الصدق ومراقبة الله في القول: دعوة.

 والزوج الذي يشرح لأولاده ضرورة الكسب الحلال وبركته على قلته: دعوة.

 والتذكير بصلاة الوتر ليلاً في تغريدة بتويتر: دعوة.

 وآية قرآنية في الفيس بوك: دعوة.  وغيرها كثير.

وبسبب تخصص بعض المسلمين في مجال الدعوة، ظهر ما يطلق عليه اسم "الدعاة" وهي وظيفة عامة لجميع الناس، إلا أن بعضا ممن امتهنوا هذه الصنعة باتوا يعرفون بهذا الاسم، وقد حققوا نجاحات كبيرة ولا يزالون، ولكن طبيعة التطور المستمر للحياة، وظهور وسائل اتصال وتواصل ومعلومات ضخمة كالذي أوجده الإنترنت، وضع تحديات جديدة في مجال الدعوة.

 

ولعل أهم ما يجب التنبيه عليه اليوم، هو أهمية التحلي بلغة خطاب جديدة، تتناسب مع جيل اليوم، الذي أصبح أكثر ثقافة وأكثر حساسية تجاه ما يكتب ويقال. جيل أصبح مشدوداً لأنماط التأثير الإعلامي الجديد، من فيديو وصور ومؤثرات بصرية أكثر ربما من الكلمة العامة.

جيل اليوم لم يعد يطرب لقصص الأمس وبطولات السلف، بل يحتاج لأبطال واقعيين في حياتهم اليومية، وهو ما تقدمه بكثافة وسائل الإعلام الغربية، التي تصنع نجوماً وأبطالاً براقين، ثم تروج لهم.

جيل اليوم لم تعد تهمه جمل الوعظ القديمة التي حفظها لكثرة تكرارها؛ حتى ألفها ككلمات وملّها كمعانٍ. يحتاج إلى لغة أكثر عصرية تشده وتقدم له الجديد الذي يبحث عنه.

هذا الجيل الذي أصبح الكثير منه مثقفاً ومطلعاً أكثر ربما من بعض الدعاة، يحتاج لقيادات حقيقية، قادرة ليس فقط على إعادة ربطهم بالدعاة وبالقيم التي يدعون لها، بل لقيادات تعيد إدخال المفهوم القرآني من جديد في إذهانهم أن "الدعوة" مهنة للجميع، كل بأسلوبه.

فكم من شاب أو فتاة يمتلكون قدرات مؤثرة في الكتابة، أو الخطابة، أو الرسم، أو التصميم، أو البرمجة، أو إخراج الفيديوهات، أو غيرها، وهم بعيدون عن قضية "الدعوة"، فكم سيكون عملاً كبيراً حين يدخل كل هؤلاء صنعة "الدعوة" في عمله وتخصصه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...