وفاة الشيخ محمد أديب كلكل المُربي ومفتى الشافعية بحماة

وجوه وأعلام
22 - ربيع الآخر - 1437 هـ| 01 - فبراير - 2016


وفاة الشيخ محمد أديب كلكل المُربي ومفتى الشافعية بحماة

كان الشيخ محمد أديب كلكل ـ رحمه الله ـ أحد العلماء العاملين في الميدان التربوي، وكان من أوائل الدعاة الذين تنبهوا لأهمية التواصل مع الشباب وتربيتهم وتأهليهم لمواجهة الحياة، على هدي من نور الإسلام، ووعي بحجم الصراع الذي يراد بهم لانحرافهم عن مساراتهم الحياتية والدعوية، فضلا عن أنه كان مفتى الشافعية في حلب.

 

ولد الشيخ محمد أديب كلكل في يوم 12 سبتمبر 1934م، بحي الشرقية بمدينة حماة، وتوفي والده وهو بعمر أربع سنوات، وحفظ القرآن في عمر صغير، وأتم دراسته الابتدائية في المدرسة المحمدية الشرعية، وحين بلغ من العمر 20 عامًا، بدأ يدرّس الطلاب العلوم الشرعية واللغوية، في المساجد والمدارس الشرعية.

 

تلقى الشيخ كلكل العلم على يد عدد من علماء حماة البارزين، كالشيخ محمود الشقفة، ومحمد الحامد، وواكب صالح العقاد ـ شيخ الشافعية في دمشق ـ والشيخ أسعد العبجي، مفتي الشافعية في حلب، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وآخرين.

 

وكان ضليعًا في علم الحديث والفقه، وله العديد من المؤلفات منها: تنبيه الفكر إلى حقيقة الذكر، والفقه المبسط في ثلاثة أجزاء، وصون الإيمان من عثرات اللسان، والأنيس في الوحدة، وهو موسوعة معارف، ضمنها اختياراته من قراءاته المتنوعة في مجلدين، والعديد من المؤلفات الأخرى.

 

وقد بدأ حياته المهنية بالتدريس في مدرسة  خاصة، هي المدرسة المحمدية، وكان قد غادر المدرسة بعد نيله لشهادة الدراسة الإعدادية التي كانت في ذلك الوقت تؤهل الطالب المتخرج للتدريس؛ نظراً لمستواها العلمي العالي. وكان توقفه عن متابعة الدراسة النظامية نابعاً من رغبته في التفرغ لطلب العلم على أهل العلم، وخاصة الشيخ محمود الشقفة الذي تولى أمره بشرط العمل عنده في المحمدية الشرعية لكن الشيخ محمود الشقفة لأسباب صحية أو غيرها لم  يتمكن من المضي في  دوره إلى نهاية الطريق، لكن عصامية الشيخ محمد أديب واعتماده على نفسه، ونجابته في طلب العلم والإخلاص والتفاني في طلبه، علاوة على ما امتاز  به من ذكاء واستعدادات خاصة، مكنته من بلوغ مستوى علمي متفرد، جعله  ـ كما حدث لبعض نوابغ العلماء وأهل التربية في تاريخنا ـ نسيجا وحده.

 

تميز الشيخ بموهبة التواصل الجيد مع الشباب، وكان يشجعهم على التقدم للدعوة وإرشاد الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحكي الأستاذ غالب المصري في كتاب له ألفه عن الشيخ رحمه الله بعنوان "تجربتي مع الشيخ" عن تشجيعه للشباب فيقول: كان يوكل إليّ إلقاء بعض الدروس، بدلاً منه في جامع الشرقي، أو جامع المهنّا أو في الجلسات العلمية المسائية اليومية، وكنت وقتها في أواخر المرحلة الإعدادية وأوائل الثانوية، بل كان في كثير من الأحايين يقدمني للإمامة في الصلاة رغم تمنعي ويصر علي حتى أقف للإمامة.

 

 ويضيف: "كان ذلك تشجيعاً منه لنا على التعلم والتعليم؛ لكي لا يقتصر طالب العلم على الاغتراف من العلم، بل يتعدى ذلك إلى إفادة غيره، وتبليغ الآخرين، ولعل في تبليغ العلم تدريب على تنمية معلومات المرء وتشجيعه على العمل بما علم. وكان يكنّي معظم تلامذته صغاراً وكباراً بكنية أو اسم أحد الصحابة بما يتلاءم وشخصية الأخ وهوايته، وينادي كلاًّ بكنيته من باب التكريم والاحترام ورفع المعنويات".

 

منذ بداية طلب الشيخ محمد أديب كلكل للعلم، كان حريصاً على التبليغ والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان يحكي لتلاميذه عن موقف له في الجامع الشرقي، حينما وقف مرة بعد صلاة الجمعة  ليلقي بعض النصائح الشرعية ـ وكانت أول مرة يقف فيها متحدثاً أو خطيباً ـ فقد كانت رجلاه ترتجفان؛ لأن رهبة الموقف للمرة الأولى أثرت عليه، وفي إحدى المرات جاء أحد رجال الحي الذين يكرهون الموعظة والتذكير، وربما استكبر أن يقف شاب طالب للعلم ينصحهم، فما كان منه إلا أن أمسك به ودفع به بعيداً عن مكان وقوفه، مما جعل الحضور في المسجد يستنكرون ذلك التصرف الأرعن من جانب الرجل. وكان يحكي للشباب مثل تلك المواقف؛ لكي يتقبلوا ما يصادف الداعية من عقبات أو صعوبات، ولا ييأس من الاستمرار في طريق العلم والتعليم.

 

كان الشيخ رحمه الله مبتسماً بشوشاً، ولا سيما عند استقباله تلاميذه، وكان يدرب الشباب منذ صغرهم على إتقان أسلوب الخطابة، وحفظ بعض الخطب أو النصوص، والتدرب على إلقائها حتى يتقنوا إبلاغ ما يتعلمونه.

 

يقول المصري: كان لا ينسى حاجة الشباب إلى الأنشطة الرياضية والثقافية والترفيه والمرح البريء، وممارسة الهوايات والنزهات والرحلات، وإقامة المخيمات والسباحة، وكثيراً ما كان ينظم لنا رحلات ترفيهية إلى أماكن اصطيافية، مثل: منتزهات "أبو قبيس"، و"عين قصّارين" شرقي حماة، عندما كان النبع جنات خضراء، يقصدها الناس من كل حدب وصوب للنزهة والاستمتاع بمروجها وعيونها وجداولها الرقراقة. وكذلك منطقة "الدّوّار" على ضفاف العاصي وإطلالته الجميلة على النهر والنواعير والبساتين الغناء، وغير ذلك من الأماكن والمتنزهات الجميلة، وذات مرة نظّم لنا رحلة إلى القدس قبل عام النكسة، وزرنا المسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة، ومسجد الخليل إبراهيم عليه السلام، وبيت لحم وغير ذلك من الأماكن الأخرى في الأراضي المقدسة.

 

 وكانت هذه الرحلة تجربة رائعة، لها أثرها العظيم في النفس، ومن أعظم مواقفها اللحظات التي شهدناها في المسجد الأقصى الأصلي السفلي تحت مبنى المسجد الذي بناه الوليد بن عبد الملك، فقد شعرنا وكأن أرواح الأنبياء الكرام تحيط بنا وتحفنا، وشعرنا بروحانية عجيبة لا يمكن وصفها بالكلمات. ورحب بنا المسؤول عن مفاتيح المسجد الأقصى وتوسم فينا الخير، ووقف معنا يستمع إلى كلمة الأستاذ التي ألقاها بنا حول "المسجد الأقصى" الذي صلى فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في ليلة الإسراء والمعراج، والذي كان القبلة الأولى للمسلمين، قبل تحولهم إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة بأمر من الله تعالى.

 

كان الشيخ رحمه الله يؤمن باستقلال العلم وأهله، وضرورة ألا يكون العالم ممالئاً على حساب دينه، ولذلك ابتعد عن الوظائف الحكومية، وقاوم كل الإغراءات لشغل وظيفة خطيب أو واعظ أو إمام أو غير ذلك من الوظائف التي تسكته عن كلمة الحق، أو تجعله  يواري ويوارب. وكان يقوم بكافة أعمال التعليم والدعوة دون مقابل أو طمع في عائد مادي أو منفعة دنيوية. 

 

وفي صبيحة يوم الخميس18 من ربيع الآخر1437هـ = 28/1/2016م توفي الشيخ أديب كلكل عن عمر يناهز الـ 81 عاماً، وقد صلى عليه آلاف المصلين من تلاميذه ومحبيه في مسجد التكية بحماة. رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ موسوعة ويكيبديا.

ـ موقع علماء الإسلام.

ـ تجربتي مع الشيخ ـ غالب المصري.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...