وقفات مع الحب في الله!

دعوة وتربية » سنن وفضائل
08 - جماد أول - 1440 هـ| 15 - يناير - 2019


1

 

أُولى الخطوات وأَوْلاها على طريق "كسب محبة الآخرين" ألا يكون الهدف هو مجرَّد "كسب محبة الآخرين"!

نعم، إنَّ المسلم الصادق لا يريد لنفسه أن يكون محبوباً لدى الناس إلاّ ليكون محبوباً لدي ربّ النَّاس، فحب الناس وسيلة، وحب الله عزّ وجل هو الغاية.

يريد مَنْ أخلص العبودية أن يظله الله في ظله بالحب في الله والإخاء الصادق النبيل، يريد أن يفتح باباً بل أبواباً تلج منه النصائح والوصايا والتعاون على البر والتقوى، يريد أن يكون هذا التحاب والتواصي سبيلاً إلى النجاة من الخسران:

{ والعصر* إنّ الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر }.

ويريد المحبون الصادقون أن يكون كُلٌّ منهم لبنةً في صرح البنيان المرصوص الذي يحبه الله تبارك وتعالى.

فلنخلص النيّات أولاً، ولنخلِّصها من شوائب الأغراض الدنيئة، ولنربأ بأنفسنا عن أن تذهب أعمالُنا سُدى، أو أن تكون يوم القيامة هباءً منثوراً.

فإذا أبصرنا الطريق ببصيرة الإخلاص فإنّ على درب التحاب توجيهات وتنبيهات؛ ومزالق وعوائق، ينبغي أن يُعنى بها المحبون حذراً من الزلل، وهذه إشارة يسيرة إلى بعض منها، فمن التوجيهات والتنبيهات:

الصدق في الود: أن نكون صادقين في مشاعرنا وعواطفنا، فلا نتكلَّف الحب تكلفاً بكلمات جميلة فيها الكثير من المبالغة، والبُعد عن الشعور الحقيقي الكامن في القلب، وأما إنْ وافق اللسان عاطفة صادقة مستقرة في أعماق القلب فلا بأس بذلك، فقد أرشدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن يخبر المحب أخاه بأنّه يحبه.

أمّا أن تُفتعل العواطف ويكون البونُ شاسعاً بينها وبين مشاعر القلب، فلعلّ هذا هو ما عناه الشاعر بقوله:

                        إذا المرء لا يرعاك إلا تكلُّفاً         فدعه ولا تكثر عليه التأسفا!

ومن المزالق والعوائق: مواجهة الناس بأخطائهم!

وذلك أنّ كثيراً ممن ينصحون تفوتهم آداب النصيحة المؤثرة المثمرة، فقد ينصح المحب أخاه بطريقة فيها قسوة وتنفير، أو يجاهر بنصيحة على ملأ يسمع ويرى، فيفتح باباً في قلب المخاطب لاستثقاله أو بُغضه، وقد نُسب إلى الإمام الشافعي قوله (شعراً):

                   تعمّدني بنصحك في انفرادي              وجنّبني النصيحة في الجماعة

                   فإنّ النصح بين الناس نــوع              من التوبيخ لا أرضى استماعه

                   فإن خالفتني وعصيت أمري              فلا تجــزع إذا لم تلــق طاعــة

وقد كان أسوتنا صلى الله عليه وسلم يعاتب أُناساً، فيرفق بهم ويتلطف في إيصال النصح إليهم بالتعريض والتلميح فيقول  بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا..؟".

ومن أسباب التحاب: الإيثار والبذل بطيب نفس، فلا تنتظر المقابل إلا من الله عزّ وجل، ولا تربط عطاءك بعطاء أخيك، بل المحب يعطي ويبذل ويؤْثر، لا يريد بذلك جزاءً ولا شكوراً {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى* ولسوف يرضى }.

ومن أسبابه أيضاً: أن تنشط في حاجة أخيك قبل أن يطلب منك العون، فلربما حجزه الحياء عن ذلك، فاحرص على تحري أحواله وتفقد شؤونه، حتى تكون في عونه وحاجته في الوقت المناسب قدر استطاعتك.

ومن المزالق الخطرة: أن يُعمي الحبُّ المحبين عن حقيقة النفس البشرية:

فمن المحبين من يهدم صرح الحب لزلة بدرت من أخيه! فأين التماس الأعذار؟ وأين الإنصاف في الحكم على الناس؟

ومن المحبين (على العكس) من ينقلب تقديره تقديساً! فيؤَوِّلُ كُلَّ خطأ، ويتغاضى عن كل كبيرة وصغيرة، ولا يرى للتواصي والتناصح سبيلاً بينه وبين محبه.

وكلاهما على خطأ. والصواب هو وسطية الإسلام، فلا عصمة لأحد، وللنصيحة آداب، وشجرة الحب في الله ولله -التي تُسقى بإخلاص العبودية- إنَّما تثمر وتزدهر بالود الصادق، والكلمة الطيبة، ومكارم الأخلاق، على هَدْي رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...