وقفة حائرة مع المستديرة الساحرة

كرة القدم، برامج كرة القدم، حصة التربية البدنية

كتاب لها
09 - ربيع الآخر - 1436 هـ| 30 - يناير - 2015


1

يلتف الناس في مجتمعاتنا حول كرة القدم، ويتبارون بالألفاظ الخارجة التي لا تليق أحيانا كثيرة، نقدا للاعبين والحكام والأندية، وربما تصب اللعنات ويحصدون من الذنوب والسخط ما الله به عليم، وتنفق الأموال الطائلة على التعاقد مع اللاعبين المحليين والأجانب، فعلى سبيل المثال بلغ راتب أحد اللاعبين 1.25 مليون ريال شهريا ومنهم من زاد على ذلك، إضافة إلى الإنفاق على الأندية وأجهزتها الفنية والإدارية وعلى المدن الرياضية هنا وهناك، وربما يقارب إجمالي ما ينفق على قطاع الرياضة وحده ميزانية بعض الدول الفقيرة، ويحتشد المؤيدون والمعارضون لهذا الفريق أو ذاك ويشحذون أصواتهم وأقلامهم من أجل ذلك، وتعقد المؤتمرات الصحافية مبشرة بالتعاقد مع لاعب أو مدرب، أو معلنة الاستعداد لمباراة أو غير ذلك.

وتُعد البرامج الرياضية وتستعد القنوات لتحليل المباريات وتأتي بخبراء الكرة من المدربين واللاعبين السابقين للتعليق على المباريات وأحداثها، ويؤتَى بالخبير التحكيمي ليعلق على أداء الحكم ومساعديه، كل هذه الحشود على القنوات الرياضية من أجل مباراة كرة قدم وفي النهاية يفوز من يفوز ويخسر من يخسر! .. فهل غيَّر ذلك حياة الناس ونقلهم من الفقر إلى الغنى أو من الشقاء إلى السعادة؟! وهل حللنا كل مشكلاتنا وأصبحنا مرفهين لدرجة أن نقضي الساعات الطوال حول التلفاز لمشاهدة المباريات والتعليقات والبرامج الرياضية التي تعج بها القنوات الرياضية المتخصصة وكذلك القنوات غير المتخصصة التي تقدم برامج أو فقرات رياضية تواكب الأحداث الرياضية المحلية والعالمية، ويصبح همنا الأكبر من الذي فاز اليوم؟ وهل عن جدارة واستحقاق أم بتلاعب من الحكام وتمثيل من اللاعبين؟ إلى غير ذلك مما يحدث في مباريات كرة القدم.

لا أحد ضد الرياضة في حد ذاتها، ولكن في رأيي لا بد من تقنينها وإعادة النظر في كل أمورها وعدم إعطائها الهالة الإعلامية التي هي عليها اليوم وكأنَّ الفوز في مباراة ما فتح من الله ونصر مبين، وكأنَّ اللاعبين هم وحدهم حماة الأوطان وحاملو مشاعل العلم والتنوير والهداية لأوطانهم المغلوبة على أمرها التي تتكبد من الأموال والأوقات الكثير لمتابعة هؤلاء اللاعبين في "عملهم الشاق والمضني" أثناء ممارستهم كرة القدم، إلى جانب ما يعانيه المتفرجون والمشاهدون والمستمعون من الملايين من ضغط عصبي وأمراض ومشكلات صحية بسبب متابعتهم المباريات أو تشجيع فرق الإنقاذ الوطني وحلالي المشكلات والعُقَد (اللاعبين).

إن ما يحدث في مجتمعاتنا العربية وفي ملاعبنا لا يعبر إلا عن قصور في الرأي وضعف في الرؤية وضيق في الأفق وعدم تخطيط واعٍ لحاضر الوطن والمواطنين ومستقبلهم، فكل همّ أصحاب المصالح من الرياضيين وكتابهم ومَنْ يسوق لهم أو مَنْ ينتسبون إلى الرياضة هو الكسب المادي والإعلامي دونما أي التزام أخلاقي بمصالح البلاد والعباد الذين يكدح بعض منهم من أجل تربية الأبناء أو تعليمهم أو توفير العيش الكريم لهم.

إن تسمية كرة القدم المستديرة الساحرة لم تأت من فراغ،  فكرة القدم سحرت محبيها ومشجعيها واستحوذت على قلوبهم وعقولهم وأشغلتهم عن أنفسهم في أحايين كثيرة، فأصبحت غايتهم متابعة مبارياتها واللاعبين وخبراء الكرة ونقدهم البناء أو الهدام، وغيَّمت على مجالس الناس اليوم ومنتدياتهم مناقشات وحوارات وخلافات حول كرة القدم والفرق المختلفة، فأصبحت المذاهب والخلافات كروية، والأكثر من ذلك انقسام أفراد البيت الواحد في التشجيع؛ ما يسبب حرجا أو مشكلات لا تليق بنا، أو حدة في الرأي لا تحمد عقباها.

الناظر إلى أحوالنا يرى أننا نسير خلف دول العالم دون أن نميِّز الغث من السمين حتى نبحث عن الأهم ثم المهم؛ فلا يعقل أن نتخلف في التعليم والبحث العلمي والصحة والاقتصاد والصناعة وغيرها من القطاعات التي لها الأولوية لأفراد المجتمع كافة ونصبّ جلَّ اهتمامنا على كرة القدم والأندية وترتيبنا في قائمة منتخبات دول العالم وغير ذلك من الأمور المتعلقة بهذا الشأن!

فهل من وقفة حازمة فاحصة متأنية ناقدة لأوضاعنا الاجتماعية لترتيب الأولويات، ولتكن صبغتنا إسلامية ومنطلقنا الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح وما فيه خير الناس في الدنيا والآخرة؟!

وهل يعقل أن طلاب مدارسنا اليوم يؤثرون حصة التربية البدنية (الرياضة) على غيرها من الحصص، وإذا أراد المعلم أن يعاقبهم يحرمهم منها؟! أهان عندنا حب التعليم والسعي إلى طلبه؟!

إن لجميع الأجهزة دورا فيما نحن فيه من خلل واضطراب وفي مقدمتها جهاز الإعلام بأدواته كافة، نحن نريد رياضة تبني ولا تهدم، ترتقي بالناس لا تنحدر بهم، تُمارَس في أوقات فراغهم لا نُفرِّغ معظم أوقاتنا لها، تبني الأجسام والعقول وتعوِّد مَنْ يمارسها على احترام الآخرين ومساعدتهم والتعاون معهم من أجل الرقي بالمجتمع والنهوض بالأمة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...