ياسر والصوم (3 ـ 3)

واحة الطفولة » واحة القصص
23 - رمضان - 1438 هـ| 17 - يونيو - 2017


ياسر والصوم (3 ـ 3)

توقفنا في الحلقة السابقة عندما اضطرب ياسر، واحمرَّ وجهه، عندما سألته أمه: عن وزن الكعك فأجاب بِتَلعثُم: نعم،هذا ما أعطاني البائع.

انتبهت الأمُّ إلى اضطراب "ياسر"، وتذكَّرَت شعوره بالغثيان والألم في معدته، فشكَّت في صيامه، وقلقت من أجْلِه، أدارت رأسها إليه، وقالت: شكرًا يا بني، نادِ إخوتك، وتعال؛ فإنه سيُؤذَّن بعد لحظات.

اجتمعت الأسرة حول طاولة الطعام، وما هي إلا هُنَيهة من الزَّمن، حتى أذَّن أذان المغرب قائلاً: الله أكبر.

قال كلٌّ من الأب والأمِّ: بسم الله.

وردَّدها الأولادُ خلفهما، وبصوتٍ جماعي شجي: بسم الله.

وامتدَّت الأيادي إلى التَّمر والحليب، غير أنَّ "ياسرًا" وقف ومدَّ يديه في لهفةٍ إلى كوب الماء، وأخذ يشرب، غير أن أمَّه أمسكت بيديه، وأوقفَتْه عن الشرب، قائلةً: لا، لا يا ياسر، سيضرُّك شربُ الماء الآن، وبهذه الطريقة، فجلس وأخذ يأكل مما يأكلون.

صلَّوا صلاة المغرب جماعة، ثم عادوا إلى المائدة، بينما تأخَّر الأب، ثم لحق بهم يحمل بين يديه هدايا ذات أغلفة برَّاقة، راحت "شيماء" تجري وهي تقول: أريد هديَّتي يا أبي، ما هي الهدية؟ هل هي جميلة؟

بينما لم يتحرَّك "ياسر" من مكانه حيث يتَّكِئ، نظرَتْ أمُّه إليه، وقد كانت تُراقبه، وقالت: ألاَ تريد هديتك أنت أيضًا يا ياسر؟

اعتدل جالسًا، وقال لها: لا أدري، إنِّي متعب، لا أشعر باللَّهفة مثل شيماء لمعرفة الهديَّة؟ كيفما كانت، فهي جميلة.

أعطى الأبُ لـ"شيماء" هديَّتَها، وراحت تفتحُها، ثم قدَّم لـ"ياسر" هديته، ولـ"عمَّار" أيضًا هدية، فابتسمَ "عمَّار" وقال: شكرًا يا أبي، ظننتُ أنَّ الهدايا لياسر وشيماء فقط.

قال له أبوه: أنت أيضًا تستحقُّ الهدية؛ لأنَّك تصوم رمضان، وتصلِّي وتفعل كلَّ خير وجميل.

 

فتحَ الأولاد الهدايا في جوٍّ من البهجة والسُّرور، وتناولوا إفطارهم، غير أنَّ الأم كانت تراقب "ياسرًا" كلَّ الوقت، وما أنْ ذهب لينام حتى تبِعَتْه، جلسَتْ على سريره، ووضعَتْ رأسه في حجرها، وقالت له: ما لي أراك متوتِّرًا غير مسرور؟ هل تعاني من مشكلة ما؟

قال لها: لا، لا أعاني من شيءٍ سوى التعب؛ بسبب الصوم.

قالت: ولكنَّني وجدت الكعك ناقصًا يا بُنَي، هل نسيتَ أنك صائم فأكلتَ منه؟

اعتدل "ياسر" جالسًا، ونظر إليها، واغرورقت عيناه بالدُّموع، ثم قال لها: لقد كنت جائعًا، وأغراني الكعك برائحته الشهيَّة، فأكلتُ منه، وقد ندمت كثيرًا، وأنا الآن أشعر بالألم؛ لأنَّ أختي "شيماء" أحسن مني، وأنني لا أستحقُّ الهدية.

مدَّت الأمُّ يدَها، وراحت تمسح دموعه التي بدأت تَنْزل على خدَّيْه، وهي تقول له: كان عليك أن تُقاوم رغبتك في أكل الكعك؛ لأنَّك صائم يا بني، فنحن نصوم شهرًا كاملاً؛ لنتعلَّم كيف نتحكم في أنفسنا أمامَ ما نشتهي، أرأيتَ كيف كانت نتيجة الضعف أمام أيِّ شيء تطلبه النَّفس، ولو كان ممنوعًا؟ لقد بدَت "شيماء" سعيدة ومسرورة؛ لأنَّها حقَّقت نجاحًا في الصوم، بينما كنتَ أنت حزينًا وخائفًا ونادمًا؛ لأنَّك فشِلْتَ في امتحان الصَّبر.

رمى "ياسر" بجسده على أمِّه، وراح يتوسَّل إليها ألا تخبر أباه وأخوَيْه بما فعله، وهي تقول له: ولكن الله رآك يا ياسر، وذلك هو المهم؛ لأنَّه يرانا دائمًا، وفي أي مكان، وهو الذي يُحاسبنا على أفعالنا، فصاحِبُ الأعمال الحسنة يجازيه بالحسنات مثل "شيماء"، وصاحب الأفعال السيِّئة يجازيه بالسيِّئات.

صمت "ياسر" برهة، ثم قال بصوت منخفض: أنا نادم، ولن أُعيدها مرَّة أخرى، سأصوم - بإذن الله - وأتمالك نفسي أمام الطعام.

ضمَّتْه الأم إلى صدرها، وهي تقول له: وأنا أعِدُك يا بني بألا أُخبِر أحدًا بما جرى، ما دُمْت نادمًا ولن تعيدها، وسأدعو الله أن يساعدك على النَّجاح ويوفِّقك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: شبكة الألوكة.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...