يوقظ اليمنيون بعضهم بعضا للسحـور

عالم الأسرة » رحالة
05 - رمضان - 1425 هـ| 19 - اكتوبر - 2004


يوقظ اليمنيــون بعضهم بعضــا للسحــور

خديجة عليموسى

يرتقب اليمنيون وقت الإعلان عن رؤية هلال رمضان بشوق كبير، لدرجة تجعل بعضهم لا يبرح المسجد بعد صلاة المغرب لعله يعود لأسرته بخبر دخول شهر الجود والكرم، وإذا ما علموا بثبوت رؤية الهلال هللوا وكبروا ورحبوا عبر المآذن...

لتجلية بعض عادات اليمنيين وتقاليدهم في رمضان، قمنا بزيارة أحد أبناء اليمن المقيمين بالمغرب... طرقنا باب الطالب "عبد الرزاق محمد عبده" الذي يحضر الدكتوراه في الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، فحكى لنا ـ كما حكت زوجته نهال ناجي علي ـ عن ما يميز بلدهم اليمن من عادات وتقاليد تخص شهر رمضان، والتي تتنوع من مدينة إلى أخرى، كما اتصلنا بزميل يشاركنا مهنة المتاعب بالعاصمة صنعاء وهو الأستاذ "توفيق مهيوب النظيف" محرر ومترجم  صحفي في وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، فحدثنا بدوره عن ما يميز العاصمة في هذا الشهر الكريم.

استقبال بالطلاء

لا يبزغ هلال رمضان إلا ويسعى اليمنيون للتبشير بقدومه، فيسعون لتنظيف البيوت وتنظيمها، والتسوق، بشراء مستلزمات ما يحتاجونه في هذا الشهر الأبرك، تقول السيدة نهال ناجي ـ دكتوراه في الحقوق ـ عن استقبال سكان عدن لرمضان: نستقبل هذا الشهر الكريم بشراء كل ما يلزم من مواد غذائية وأدوات منزلية، كما نستقبله بزيارة الأهل والأحباب.

ويصف الأستاذ توفيق مهيوب بدوره مشاعر اليمنيين عند قدوم رمضان: يستقبله الناس بالفرحة والبهجة، فترى البسمة ترتسم على شفاه الأطفال، والشعب اليمني يستعد لشهر رمضان المبارك منذ بداية شهر شعبان، إذ يهتم رب الأسرة بترميم المنزل وتهيئته كي يلائم الجو الروحاني لهذا الشهر، ففي الريف يطلي الناس المنازل بمادتين بيضاوين تسميان النوره والجص وهاتان المادتان تستخرجان من مناطق معينة في الجبال اليمنية وتصنع محليا بطرق تقليدية.

يا نفس ما تشتهي

في الليلة الأخيرة من شعبان يلتقي الرجال والشباب والصبيان من أهل صنعاء في المساجد أو البيوت، وقد أحضر كل واحد منهم طعاما أو شرابا، ويتحلقون لتناول ما اشتهت أنفسهم، عن هذه العادة يحكي نظيف: قبل رمضان بيوم يجتمع الناس والأهل والأصحاب ويتناولون وجبه غذاء منوعة من أصناف مختلفة من الطعام والشراب، وتسمى في العاصمة صنعاء هذه الظاهرة باسم (يا نفس ما تشتهي).

ويترقب الرجال بالمسجد الإعلان عن رؤية هلال رمضان، ولما يكون خبر دخوله يكون التهليل والتكبير والترحيب عبر المآذن في بعض المناطق باليمن.

ليل يتحول إلى نهار باليمن

نهار رمضان في اليمن سكون وهدوء، وليله حركة وتجول وتسوق، افتقدت  نهال وزوجها عبد الرزاق عبده حركة الليل برمضان بالمغرب، تقول نهال متأسفة: ما افتقدته بالمغرب هو حركة الليل... باليمن تجد السوق وكل المحلات التجارية  تبقى مفتوحة إلى أذان الفجر، فشوارع اليمن تعج بالحركة، ويصبح وقت التسوق العادي هو الواحدة ليلا.

ويصف لنا الأستاذ النظيف سوق اليمن قائلا: في المدن تكتظ الأسواق برائديها من مختلف المناطق الريفية والحضرية لاقتناء حاجياتهم، وتزدان هذه الأسواق بشكل ملفت للنظر، حيث يقوم التجار بعرض بضائعهم بشكل مرتب ومغر للناس، خاصة بالأسواق الشعبية.

الشفوت والشربة

عندما يعلن المؤذن دخول وقت الإفطار يفطر المواطن اليمني بالتمر والعصير ثم يتوجه إلى المسجد، ثم يعود ليجلس إلى المائدة التي تحتوي مأكولات منها الخفيفة والدسمة، والوجبتان اللتان لا تخلو منهما أي مائدة في عموم اليمن، هما: الشفوت والشربة، الأولى مصنوعة من رقائق القمح، والأخرى مصنوعة من القمح المجروش بعد خلطه بالحليب والسكر أو بمرق اللحم، حسب الأذواق، وهناك أنواع أخرى مثل السلته وهي أفضل الوجبات لدى اليمنيين، إلى جانب الشفوت والشوربة، تقول نهال ناجي: توجد الكبسة وهي عبارة عن أرز إلى جانب اللحم وبعض الخضراوات، وأصل هذه الوصفة من حضرموت غير أنها انتقلت إلى المشرق العربي.

أما حلويات اليمن الرمضانية فهي خليط من الحلوى اليمنية والهندية كـبنت الصحن الرواني والكنافة والعوامة والتي انتقل الكثير منها من الهند إلى اليمن عبر حركة التجارة في عدن القرن الماضي، تقول السيدة نهال ناجي: كثير من الوجبات باليمن مأخوذ عن الهند بفعل التأثير الناجم عن التعامل الكبير مع هذا البلد.

المساجد مفتوحة طيلة اليوم

يحكي الأستاذ عبد الرزاق عبده عن المساجد باليمن قائلا: المساجد باليمن تبقى مفتوحة طيلة اليوم، ويقبل عليها اليمنيون بشكل أكبر في شهر رمضان، فالمساجد هناك تزداد بريقا وبهجة وجمالا في شهر رمضان المبارك، وتجدها مليئة بمرتاديها من الشيوخ والشباب والأطفال، وتزود بالمصاحف الجديدة التي يستقدمها المحسنون لتضاف إلى تلك القديمة التي توحي بنكهة إيمانية فريدة عند فتحها وقراءتها، حسب ما تحدث إلينا به الأستاذ النظيف، وتزخر اليمن بكثرة المساجد، خاصة العتيقة التي يتميز معمارها عن بقية المساجد في شتى بقاع العالمين العربي والإسلامي.

وتوحي الأنماط المعمارية المختلفة للمساجد اليمينة والتفنن الهندسي الفريد في بنائها بحب الإنسان اليمني لأماكن العبادة، مما يؤكد على الدور الفعال والعميق الذي يلعبه المسجد في حياه الفرد، واهتمام المواطن اليمني بالمسجد يتجلى في حرصه على بنائه ببراعته في الفن الهندسي المعماري وزخرفته أكثر من المسكن الذي يقطن فيه، وذلك ـ يضيف توفيق ـ لارتباطه الإيماني والروحاني بهذا المكان.

وفي رمضان يجسد اليمنيون أعلى درجات الكرم بالمساجد التي تشهد الإفطارات طيلة رمضان كما تشهد بعد صلاة العشاء محاضرات دينية وصلوات وأدعية وحلقات ذكر، ودورات تحفيظ القرآن للأطفال، ويتعالى التسبيح والتكبير والدعاء في المآذن، وهناك بعض الناس يمكثون في المساجد حتى ساعات متأخرة من الليل.

مضغ القات بمجلس الديوان

الإعلان عن ساعة الإفطار ووقت السحور باليمن يتم تحت دوي المدفع معلنا وقت دخولهما، يقول الصحافي مهيوب: عند آذان المغرب بصنعاء يسمع دوي المدفع من أعلى جبل بالمدينة، ويدوي أيضا مؤكدا الإذن بدخول وقت السحور.

عادة أخرى باليمن، حسب مهيوب، تعرفها الأحياء القديمة من المدن وبعض القرى، إذ يخرج الرجال المسنون قبل السحور وكل يطرق باب جاره كي يوقظه لتناول وجبة السحور والذهاب لصلاة الفجر جماعة بالمسجد.

ويجتمع اليمنيون بعد صلاه التراويح في مجلس أحد الأشخاص (الديوان) وعادة ما يخصص هذا المكان، يقول صحافي وكالة الأنباء اليمنية، حتى نهاية الشهر الكريم، للقاء الرجال سواء كانوا في قرية أو في حي واحد في المدينة في هذا المجلس يجلسون يمضغون وريقات القات، وهي نبتة يمنية يتضاعف استهلاكها في رمضان كثيرا، ويتدارسون القرآن والأحاديث النبوية ويناقشون بعض الأمور الدينية وأخرى في اللغة العربية.

عشق للريف

يختلف توقيت العمل باليمن من مدينة لأخرى ففي مدينة تعز يبدأ العمل على الساعة التاسعة صباحا إلى الساعة الثالثة، حسب السيد عبد الرزاق محمد عبده، غير أن العمل بصنعاء يختلف تماما، إذ يبدأ الموظفون في البنوك والبلدية والمكاتب العامة، يؤكد توفيق مهيوب، عملهم في رمضان قبل الموعد المقرر في الأيام العادية بساعتين، فتتحول الحياة في النهار إلى حالة جمود غير عادية وكأن الوقت ليل، إلا من بعض الحركة البسيطة الضرورية.

ويعشق اليمنيون إمضاء شهر رمضان بالقرى، خاصة المنحدرين منها، ويحبذ الموظفون منهم في القطاع الحكومي والخاص، حسب السيد نظيف، أخذ إجازاتهم في شهر رمضان للسفر إلى الريف مع الأسرة لقضاء شهر رمضان مع بقيه العائلة هناك.

اعتكاف بالعشر الأواخر

تشهد المساجد في العشر الأواخر من رمضان اعتكاف أغلب اليمينيين بالمساجد، سنة تجسد نهلهم من عبق سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فـليلة السابع والعشرين بالمغرب هي شبيهة بليالي العشر الأواخر من رمضان باليمن، يؤكد السيد عبده، فقيام الليل وذكر الله وقراءة القرآن.. إلى صلاة الفجر.. هو البرنامج اليومي لليمنيين في أيام العتق من النار، وفي الأيام الثلاثة الأخيرة من رمضان تبدأ عطلة اليمنيين فيجدونها فرصة سانحة للاجتهاد في الأيام الأخيرة التي يودعون فيها شهر التوبة والغفران. ليستقبلوا العيد استقبالا يتنوع حسب إمكانيات وقدرة كل عائلة، تقول السيدة نهال وهي تبتسم وكأنها في يوم عيد: هناك من الأسر من تغير طلاء وفراش البيت لاستقبال العيد.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...