يوميات متضامن مع أهل سوريّا

عالم الأسرة » همسات
05 - جماد أول - 1433 هـ| 28 - مارس - 2012


1

جود الشريف

يبدأ يومه جالسًا أمام التلفاز، يقلِّب بألمٍ ظاهرٍ قنواته، متنقلا بين مشاهد القتل والجرائم في سوريّة، يغلق التلفاز بعد انتهاء نشرة الأخبار بأسى بالغ، ينتقل إلى صفحته على الفيسبوك، ليجد صورًا من الإجرام المُركّز مبثوثا بين الصفحات، يرسل الدعوات والشكاوى لله، ثم يتجول جولة سريعة، ينسى فيها بعض الأسى، يتأمل صورا ساخرة، ونكات أطلقها الأصدقاء، ثم يذهب  ليتناول طعام إفطاره  المُعتاد، الشاي الساخن والخبز الفاخر الطازج، وأصناف متعددة من الأطعمة، يغضب بشدة ويصرخ: سلطة الخُضار ينقصها المِلح!

يخرج لعمله، بعد قهوة الصباح، وقطعة من الشوكلاته الفاخرة لتعديل المزاج الذي تعكر بمشاهد العنف.

يصل للعمل متأخرا، يتلقاه المدير بالعتاب فيعلل تأخره بما بدأ به يومه من أخبار سورية الجريحة، فيتحول حديث الموظفين لآخر المشاهد الإجرامية، يسأل أحدهم بذهول: كم أصبح عدد الشهداء؟

يتذكر بلا إرادة منه، ((لزوال الدنيا أهون على الله من دم امرئ مسلم))أثر عن عبد الله بن عمرو رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وصححه الألباني.

لم ينتبه للعدد فقد تحولت دفة الحديث لبرنامج آراب آيدول، وتصفياته النهائية وأن فلانة تستحق التأهل وأن فُلان موهوب ظُلم بخروجه.

يتابع الدوام بلا رغبة  في العمل، ومن آن لآن يهرب لمحادثة على الفيسبوك أو تغريدات على التويتر، وربّما لموقع إخباري، وباقتراب وقت المغادرة يكون أول المغادرين، يلتقي بصديق قديم على باب الشركة فيدعوه لاعتصام مسائي في القاعة الفلانية مع أهل سوريا ، سأحاول!!

قبل أن يصل لباب البيت تصله للسيارة رائحة الطعام الشهي، الذي أعدته والدته، يعدُّ نفسه ويشارك الأهل مائدتهم، يبدؤها بتحذير: إياكم والأخبار المؤلمة! كفانا ما نرى.

يجتمعون بعدها لمتابعة نشرة الأخبار، تأتيهم الوالدة بالشاي وتوابعه، يتذكر في وسط انغماسه أن ما يشاهدونه لا يتناسب والأكل ـ يستمر في التلذذ بكأس الشاي، يزعجه من آن لآن سباب يطلقه والده على المجرمين، ثم صرخة من أخته لفظاعة مشهد ينظرون إليه، يتذكر حينها أن الكثير من المشاهد لا تناسب الأطفال، فيَهُم أن يأمر إخوته بالمغادرة ـ ثم يصمت حين يتذكر أن الصورة التي يرونها هي واقع يعيشه شعب بأطفاله ونساءه وصغاره وكباره ،ولم ينج منها أحد.

وما إن تنتهي النشرة حتى يقوم الوالد ليستريح، وهو يسدد الدعوات على الظالم، فتقفز أخته ممسكة جهاز التحكم لتقلب القناة لأن وقت المسلسل الذي تتابعه حان، وكانت تنتظر انتهاء النشرة على مضض، فيخبرها أنه ينتظر لقاء مع نجمه المفضل ليتحدث عن آخر الأحداث، فيقفز الصغير طالبًا جهاز التحكم لأن وقت الأطفال جاء.

يتركهم ويهرب لغرفته، يقضي وقتا قليلا على جهازه ثم يهب نفسه ساعتين من النوم، يستيقظ بعدها على رنين هاتفه المتواصل، إنه صديقه يُلح عليه ويذكره بالقدوم، يرد عليه بتثاقل ثم يفكر في المآسي فيحيا فيه الضمير ويقرر أن يكون من الحاضرين.

يخرج بسيارته فيمر على محل للحلوى، يشتري لنفسه كيسا ليُسلى نفسه في وقت الاعتصام، أخبر والدته أنه سيتأخر، ودعا بعضا  من أصدقائه للحضور، وصل للمكان في الوقت المحدد، فتش لنفسه عن ركنٍ هادئ بعيدٍ عن الزحام، التقط لنفسه مجموعة من الصّور مع اللافتات المعلقة هنا وهناك، ثم رفع أفضلها على صفحته مزينا إياها بعبارة حزينة، ثائرٌ لأجلك يا سورية، حسبنا الله ونعم الوكيل.

يلتقي في الاعتصام بأناس لم يلتق بهم منذ زمن، يتبادلون أحاديث المودة والأشواق، ويتشاركون الصور والإضافات، ثم يتجمعون لرفع الدعوات، تتشعب بهم الأحاديث وينغمسون في دنيا الملذات، ثم لا يلبث أن يذكرهم بسبب الحضور، فيستذكرون المأساة، وتصدح أصواتهم بالشجب، كُلنا فداك يا سورية، ويتذكرون جراح غزة التي فتحت ولم تندمل يوما، فيجدونها فرصة للدعاء للمظلومين هناك، ويأتيهم خبرٌ مُحزن عن القدس الجريحة فيعرجون على جرح الأمة فيها، ويشتركون في الهتاف للقدس وفلسطين، يطول بهم السمر، ثم يغادرون فرحين بما فعلوه، يعود لبيته والحماس قد اشتعل فيه، فيكتب عبارات التضامن، ويغير صورته الشخصية لواحدة من التقاطات الوقفة، ويعلق على باب غرفته العلم السوري،  والوشاح المطرز عليه فداك نفسي وروحي يا قدس على جانب سريره، يشغله التفكير، فيجافيه النوم، فيلجأ للمطبخ يتناول فيه العشاء، ثم يعود لسريره الدافئ الناعم. وبعد صراع طويل مع السُّهاد والأفكار المتزاحمة بفكره ينام، ينامُ بارتياح.

له ولكل من يسعى  لقضايا الأمة أقول:

التزامك التقوى خير ما تفعله في نصرة الأمة، جهاد القلم والمال له دور مهّمّ في النصر، سلاح الدعاء وسهام الليل لا تخطئ.

  وختاما لا تكن سببا للهزيمة بمعاصيك، بل كن سببا للنصر بطاعاتك.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


جود الشريف

بكالوريوس قرآن ودراسات إسلامية .دورة مهارات التفكير ودبلوم المستشار الأسري


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...