المسلمون بين ضغط العادة، ورحمة العبادة

كتاب لها
04 - ذو الحجة - 1436 هـ| 18 - سبتمبر - 2015


1

  لقد أرسل الله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحمة للعالمين، ثم هدف المولى – سبحانه – من هذه الرحمة: إلى إسعاد الإنسان الذي يؤمن بهذا الدين إيمانا قويا لا يعدل عنه إلى غيره من شرائع البشر التي هي: صناعة بشرية – قد يكون فيها شيء من الخيرية - تتلون بألوان الأهواء الآدمية، بينما شريعة الله تعالى لا تتأثر بأي عامل من العوامل التي تهبط بالحياة إلى مستويات متدنية، قد تصل به إلى مستوى الحيوان؛ بل أدنى منها.      وربنا سبحانه حد لنا حدودا، وحرم علينا أشياء؛ فلا ينبغي لنا أن نتجاوزها، وأحل لنا أمورا هي الأصل في الحياة، ثم سكت عن أشياء رحمة بنا من غير نسيان منه، فلا نسأل عنها؛ فلله الحجة البالغة، والحكمة التي تضع كل شيء في موقعه ونصابه؛ ولا تتوخى من العباد إلا أن يلتزموا بمنهج الحق تبارك وتعالى؛ ليحققوا معنى العبودية له، والتي من أجلها خلقهم، وهم بهذه العبودية له يعيشون أحرارا؛ ولقد قال علي رضي الله عنه: عجبت لمن خلقه الله حرا، كيف يسعى لأن يكون عبدا لغيره!!.           والعادات هي: سلوكيات توارثتها الأجيال بعضها عن بعض، وهي اجتهادات بشرية وأمنيات آدمية تعارفها الناس، واستحكمت، وصار لها على الناس سلطان قوي، لا يتجرؤون على تخطيها، ولو كانت ضارة بهم، أو ثبت لهم فسادها، وإن كان بعضها فيه خير محدود، أو كان فيها نفع للإنسان.        وأما العبادات –  لا بالمصطلح الفقهي –  فهي: كل ما أوجب الله على عباده القيام به من شرائع (منهج الحياة الرباني)، وشعائر تعبدية، وأخلاق ، وغيبيات (أركان الإيمان الستة)، وهي تنزيل من الله- جل في علاه- على رسله وأنبيائه ليبلغوها إلى البشر، وليعملوا بها كي يسعدوا في الدنيا والآخرة. ولا علاقة للإنسان بها إلا من باب أنه مستهدف من الله تعالى بها. وهذا معنى قوله سبحانه: ((وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون))سورة الذاريات. والعلاقة بين العبادات والعادات – هي الأعراف - علاقة دقيقة وحساسة فهي: أي العادات إما أن تكون مخالفة للعبادات، أو موافقة لها، والعمل بها، أو تركه لا يقدم ولا يؤخر من الأمر شيئا، والمسلم الحق لا يقدم العادة على العبادة؛ لأنه في العبادة يؤجر، وفي العادة المخالفة يأثم، وإذا كانت العادة تدعو إلى ما تدعو إليه العبادة؛ فالواجب على المسلم أن يعمل بما تقتضيه العبادة، والعادات التي لا اعتراض عليها من الشرع، ولم يأت منه ما يدعو إلى مخالفتها، فالعمل بها لا بأس به، وعلى المؤمن أن ينوي بالأخذ بها وجه الله سبحانه ليؤجر على عمله.      والعلاقة الحساسة بين العبادات والعادات مساحتها تشمل جوانب كثيرة  في الحياة، وأظهر علاقة بينهما - سواء موافقة أو مصادمة ـ تتجلى في الحياة الاجتماعيةٌ، وقد تأخذ الأعراف قوة الشرع فيما سكت الشرع عنه، أو لم يوضح في أثناء إقامة العلاقات الاجتماعية بين الناس، ففي حال التحاكم يستأنس بالعرف (في حال ليس فيه تصادم) ويعمل به، وأما ما ورد فيه نص ودليل شرعي على أية مسألة؛ فيقدم رأي الشرع على العرف في كل حال. فعلى سبيل المثال: لو تزوج رجل امرأة، ولم يسم لها مهرا، ووقع طلاق أو فراق بين الزوجين لأي سبب من الأسباب؛ ففي هذه الحال تعطى المرأة مهر مثيلاتها أو قريباتها عرفا. ويصبح العرف بقوة الشرع.      ومن أمثلة تصادم العادة مع العبادة: ما يحدث في التعزية، فعلى سبيل المثال لا الحصر: قال صلى الله عليه وسلم: (بمناسبة استشهاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه): "اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد جاءهم ما يشغلهم"(رواه أبو داود، وغيره وصححه الألباني)؛ وفي ضوء هذا ماذا نجد!؟ لقد طغت العادة على العبادة، حتى صار أهل الميت مثقلين بعادات لا يقدرون على تحملها، فهم – بحكم العادة – مكلفون بتقديم الطعام للمعزين، سواء كانوا أقارب أم أباعد؛ وفي هذا مشقة على ذوي المتوفى.      وفي خضم هذا الصراع التصادمي، أو الوفاق بين الأعراف والعبادات ينبغي على المسلم أن يقدم – لتنظيم حياته وترشيدها – شرع الله تعالى على كل عادة وعرف حتى يؤجر على عمله، وعليه أن يخلع كل رداء غير رداء الإسلام عنه، وحتى يكتمل إيمانه، فينبغي له أن يحب الله تعالى، ويحب رسوله ويقدم محبته على محبة أي أحد، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار، وألا يحب شيئا إلا لله تعالى؛ فذلكم علامة من علامات كمال الإيمان وتذوق حلاوته.      ولحسم المسألة يجب على المسلم أن يتوخى في سلوكه رضا الله تعالى، وألا يقدم أهواءه على شرع الله جل في علاه، ويدور مع المصلحة الشرعية حيثما دارت، ولا يلجأ إلى غيرها إلا في وضع ليس عليه دليل من كتاب أو سنة أو اجتهاد مبني عليهما.      والموضوع جد خطير، ويحتاج إلى مزيد من التوسع والتوضيح في مقال لاحق.      

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...