+5 سنوات زواج

عالم الأسرة » هي وهو
22 - صفر - 1439 هـ| 11 - نوفمبر - 2017


+5 سنوات زواج

عادة ما تبدأ الحياة الزوجية بالكثير من الأحلام من كلا الزوجين. كانا قد رسماها قُبيل الزواج، يُحاولان فيها أن يكونا على قدر كبير من المثالية؛ بتجنب ما سمعاه من خلافات، مع توظيف ما تعلماه واستنتجاه من خبرات الآخرين العملية والنظرية. غير أن هذه الأحلام تصطدم شيئاً فشيئا أمام الواقع والمسؤوليات. فمع مرور أول سنة تتغير الكثير من الأحوال والمشاعر، وتستمر في منحنى التغير شيئاً فشيئا، إلى أن تصل إلى السنة الخامسة، والتي تدريجياً تكون قد انتهت فترة اكتشاف كليهما للآخر خلالها، وظهر كل منهما بوجهه الحقيقي، ولا جديد يُقدمه أحدهما للآخر؛ فتُصبح حياتهما روتينية مع تحمل أعباء جديدة، خاصة إن رُزقا بالأولاد. ومن هنا تقف الحياة أمام منعطف خطر يحتاج لإدارة حكيمة، تُعيد النبض في عروقها، وتزيل عنها الملل؛ نتيجة تواجدهما الدائم معاً، ومشاركتهما لكافة تفاصيل الحياة كبيرة وصغيرة دون شيء جديد يُذكر. فتبدو الحياة بينهما جامدة مبرمجة، بشكل يقضي على الكثير من المشاعر.

كما أن التواجد الدائم من الزوجين في بيت واحد لعدة سنوات دون انقطاع: كثيراً ما يولد مشكلات من هفوات صغيرة؛ نتيجة ضغوط الحياة، ولتعود كليهما على الآخر. فالتعود أيضاً يحد من رؤية إيجابيات الآخر، ويورث الزهد به؛ فيلحظ أي تغير على أنه سلبية يجب الوقوف عندها ومعالجتها. ومن هنا تنطلق الكثير من المشكلات. لذلك فإن مرور أول خمس سنوات زواج كثيراً ما يكون مؤشراً تحذيرياً لمرور الحياة الزوجية أمام منعطف الرتابة، والتي تقتضي وقفة من كليهما لكسر الروتين. وفي هذه الوقفة من أفضل ما يقوم به الزوجان هو: التنحي لبضع خطوات عن المسؤوليات المعتادة، والعيش لوقت مستقطع خارج نطاق الزوجية، إما مع الأهل أو الأصدقاء؛ لاستعادة ذكريات الماضي، والإحساس بأن الزواج ليس قفصاً يُحبس فيه الزوجان حبساً إجبارياً دون التمتع ببعض الحرية، في أجواء تجمعه بذكرياته، وتجمع عليه أوقات سعادته بعيداً عن مسؤولياته المعتادة. بل هي واحدة من أهم احتياجاتهما؛ ليشعرا أن حياتهما الزوجية إضافة لكيانهما لا حبسا لها عما كانت به من حرية قبل الزواج.

فالإجازة الزوجية محطة جيدة، تستوقف كلا الزوجين لمراجعة نفسيهما، وإعادة بناء مشاعرهما التي تتجدد بالشوق؛ لأن النفس تمل من التعود على الكثير من الأشياء في حياتها، رغم أنها نِعم تستوجب الشكر. غير أن التعود على وجودها يُفقد النفس الإحساس بأهميتها، والاستمتاع بوجودها؛ لذلك كان الحرمان منها بعض الوقت وسيلة لاستعادة مكانتها في النفس من جديد. بالإضافة إلى أن الإجازة الزوجية تُجدد نشاط كليهما، وتجعلهما في شوق للعودة لحياتهما، وتضيف بعض التجديد كاستحداث مواضيع جديدة، وكسر هوة الصمت بينهما. والذي قد يكون سبباً لا في برود العلاقة بينهما فقط، بل بالطلاق العاطفي أيضاً. ويكفي أنها أسلوب للتخفيف من الضغوط لكليهما، واستعادة نشاطهما لمسؤولياتهما، والأهم من ذلك: استعادة المشاعر الجميلة بينهما؛ نتيجة انطفاء بعض المشكلات أو ما يزعجهما، في محاولة لبدء حياتهما بشكل مختلف، بعيداً عن قالب الروتين اليومي. خاصة إن كانت عودتهما بهدية تُشعر الآخر بأهميته في حياته، وتشعره بأنه يحتل مكانة في قلبه وعقله حتى أثناء البعد عنه. وعندها يشعر كليهما بأن الحياة بينهما تسير باندفاع منهما وحماس، بدلاً من سيرها بالقصور الذاتي، بعد حصارها بالملل.

ومن المهم أيضاً: أن تتجدد الإجازة الزوجية. فينبغي التجديد حتى في طريقة وشكل الإجازة الزوجية، ليكونا في كل مرة بأسلوب مختلف عن السابق؛ كي لا تـُصبح هي أيضاً عادة لا قيمة لها. فإن كان الزوجان يقضيان إجازة بين الأهل مثلاً. فمن الأفضل الإعداد للإجازة القادمة لكن هذه المرة بأن يكونا معاً، لكن في جو جديد، ومكان جديد يجمعهما خارج المعتاد عليه داخل البيت. ولذلك فوائد غير تجديد الحياة، وكسر الروتين، بل إضافة روابط جديدة بينهما، تجمعهما بذكريات جميلة تبقى مرجعاً لهما عند مرور حياتهما بتقلبات مزعجة.  

وبالرغم مما تُحدثه الإجازة الزوجية من إيجابيات للحياة الزوجية بشكل عام، وللزوجين بشكل خاص، إلا أنها لابد أن تكون ممنهجة حتى لا تكون النتائج عكسية. فمن المهم اتفاق الزوجين عليها وعلى مدتها، وآلا تكون نتيجة خلاف بينهما. بل برضاهما، فالهدف منها قضاء وقت للخلوة بالنفس، واستشعار أهمية الزوج الآخر، ومكانته ومراجعة النفس حول الكثير من أمور حياتهما المشتركة.

فلمسة الإبداع الحقيقية في الحياة الزوجية، تتمحور في أسلوب إدارة الزوجين لحياتهما؛ لتحافظ على رونقها، ولا تبهت نتيجة الانشغال في أمور الحياة، أو للروتين الذي يحيل الزوجين كآلات تعمل بتلقائية دون مشاعر تـُشعره وتـُشعر زوجه أن حياتهما مازالت تحتفظ بقدر كبير من جمالها، وأن مسؤولياتهما هي مؤشر على قوتهما النفسية، دون أن تكون عبئاً على نفسيتهما.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...