الأخلاق بين الممارسة والأفكار!

كتاب لها
23 - رجب - 1435 هـ| 23 - مايو - 2014


1

     الذي يتصف بخلق نبيل، أشبه بالذي يحمل عطرا يعطر به كل من يحضر أمامه، فالصادق يستفيد من صدقه الصغير والكبير، والجالس والواقف، بل يستفيد منه المحسن والمسيء، والجاهل والعالم، وبشكل مباشر، وكل هؤلاء ينسبون صفة الصدق إلى صاحبها، و يقال هذا نفسه عن الكرم، وعن السماحة، وغيرها من الخلق الكريم، وبهذا تكون ممارسة الأخلاق إيجابية وسلبية في الوقت نفسه، فهي إيجابية لأنه يستفيد من ممارسة الخلق الحسن كل من يمر به، وبالتالي يشمل أكبر قدر من الأحياء، وسلبية لأنه يختفي الخلق الحسن بمجرد اختفاء صاحبه، ويصبح الكل يتحسر على فقدانهم هذا الخلق الحسن؛ لأن صاحبه لم يعد موجودا.

    أما الذي ينقل فكرة الصدق إلى الآخرين، ويسعى بكل مواهبه أن يتصف الآخرون بهذه الصفة؛ لتصبح سلوكا يمارسونه، بمعنى أنه لا ينشر العطر بين الناس مثل ما يفعل الرجل الصادق، وإنما يسعى لغرسه، وبهذا يحمل صاحب الفكرة أيضا إيجابية وسلبية، فهي إيجابية لأن الأفكار تبقى، وتستمر بعد ذهاب أصحابها عكس الشخص الذي يمارس الأخلاق الذي يبقى خلقه ببقائه فما أن يذهب هو يذهب الخلق معه، وسلبية لأن الذي يستفيد من صاحب الفكرة قليل، ومحدود، فليس كل واحد ينقل إليه قيمة الصدق يكون صادقا، كما أنه ليس كل من ينقل إليه قيمة الكرم سوف يكون كريما.

    وهكذا وجدنا أن الذي يمارس الخلق الحسن له إيجابية وعليه سلبية، وذلك بسبب طبيعة ممارسة الخلق الحسن، ووجدنا من يحمل فكرة الخلق الحسن له إيجابية وعليه سلبية، وذلك بسبب طبيعة نقل فكرة الخلق الحسن، فكلا الإيجابيتين مرغوبتان في المجتمع وبشدة، وكلا السلبيتين مرفوضتان وبشدة في المجتمع، ولا خلاص منهما إلا بوجود الأسلوبين معا: ممارسة الأخلاق، وصناعة الأخلاق، فالمجتمع لا يستغني عن ممارسة الأخلاق بأفكار الأخلاق، ولا يستغني بأفكار الأخلاق عن ممارسة الأخلاق. ومن هنا جاءت قيمة العمل الجماعي ليكمل بعضه بعضا، فالصفة الموجودة هنا مفقودة هناك، والعكس صحيح يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يد الله مع الجماعة )[1].

 

 

 

[1] رواه الترمذي وصححه الألباني.         

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...