الإعلام الفاسد و قتل الإحساس.. في ضوء ما يجري في حلب وغيرها

كتاب لها
12 - شعبان - 1437 هـ| 20 - مايو - 2016


1

     الإعلام ـ السلطة الرابعة كما يسمى ـ  بجميع أفرعه: المقروءة، والمسموعة، والمرئية، تطورت أدواته، واتسعت آفاقه، وتعددت موضوعاته، وتبلورت رؤيته ورسالته، وتنوعت اتجاهاته بحسب الثقافة المجتمعية التي ينطلق منها، وبحسب استجابة المتلقين لموجاته ورسائله.

     والإعلام طاقة محايدة كما يقول علماء التربية والنفس: وهو أداة بناء أو هدم، ويحتاج مستخدموه إلى مهارة وخبرة، واطلاع واسع على كل ما يتعلق به.

     وفي اعتقادي أن الإعلام الفاسد يقوم بدور كبير لتغيير مفاهيم الناس، وقناعاتهم، وثقافاتهم كما يتلاعب بعواطف الناس، بما يملك من قدرة فنية ومالية, ووفرة في المعروض، والحل الوحيد للرد على هذا الاتجاه هو إيجاد البديل الخير، يقوده رجال ذوو كفاءة وخبرة، واطلاع وإستراتيجية إعلامية ذات أهداف، ووسائل وتخطيط، وقدرة على التنفيذ.

     من الأمور التي أتى عليها الإعلام الفاسد أو كاد هي: إغراق السوق الإعلامية بالصور والمشاهد، والكلام المرسل، والمذاع التي بلَّدَتْ أحاسيس الناس إزاء المطروح إعلاميا بعد أن كان عرض مثل هذه الصور وغيرها - تثير في النفوس مشاعر شتى، سواء كانت إيجابية أم سلبية؛ فمنظر الدماء، أو الحديث عنها، أو قراءة ما يصف أحوالها صارت ظاهرة عادية؛ لأن وسائل الإعلام بالغت في نشر هذه الظاهرة إلى درجة أنها صارت أكثر من عادية لا تثير في نفوس المتلقين أية ردة فعل! وأما مناظر الموتى وإسماع الأصوات المحزنة بأشكال، وألوان، ونبرات متنوعة، وأساليب عالية الجودة، فقد صارت فوق العادية في نفوس المتلقين لها. (والأمثلة الحية ما يعرضه الإعلام من صور عما يجري في حلب وغيرها من المدن والمواقع الشامية والعراقية واليمنية مما يقشعر منها البدن، وتتوجع منها النفوس، ويصطرخ من هولها كل ذي ضمير حي) والقصد من كل هذا هو: إماتة الشعور  الحي، وجعله يستمرئ ما يشاهد، أو يسمع، أو يقرأ، أو لا يبالي بالمعروض مهما كان شكله ولونه وحجمه، وموضوعه. فأصبحنا نشاهد شلالات الدماء، والصور المشوهة المرعبة من آثار أسلحة التدمير الشامل في الممتلكات والأشخاص – دون أن تثير فينا أية مشاعر رافضة لما يحدث، وكأن هذه المشاهد شيء عادي!  (ولا نعمم).

     إن وسائل الإعلام بثت (بمكر) ما أفسد على الناس إحساسهم بحرمة ما يعرض عليهم؛ ولم يعد يستنكر أحد هذه المعروضات التي تهيج الغرائز، وتجعل الناس يستمرئون الحرام من حيث لا يشعرون. وإن الفِطَرَ السليمة من شتى الأمم والملل، تستنكر ما يذاع، وما يقدم من هبوط أدنى من هبوط الحيوان. (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)الأنعام 179.

     لقد شجع الإعلام الفاسد الناس على المجاهرة بالمعاصي بما ينشرون من صور لهم أو لغيرهم، لا يرضى عنه صاحب الدين والخلق الرفيع، حتى ماتت – أو كادت – فيهم النخوة، والعفة والشهامة والغيرة؛ فهذا  يعرض صوره مع زوجه أو بناته، وكأنهم في ليلة عرس يتباهى بذلك؛ بل يعدها مفخرة بأن الآخرين معجبون بما فعل! وأناس يذيعون أخبارهم التي تشي بانسلاخهم عن الدين والقيم الإنسانية، وثالث يصرح – ببلادة – بأن ما عند غير المسلمين هو الحق ويسميه تقدما! ؛ لأن الإعلام بما يملك من سلطان غير قناعاتهم وميولهم ومشاعرهم، فصار الأسود عندهم أبيض، والشر خيرا، والمنكر معروفا؛  والمعروف منكرا، بل إن انحطاط مشاعرهم وأحاسيسهم من الإعلام قد رضوا أن يكونوا في صف البهائم، بل إن بعض البهائم أكثر منهم حياء وخلقا!

     لقد لاحظت بأن بعض المتلقين للإعلام الفاسد يناصر القنوات التي تدعو إلى الرذيلة، ويتابع الفضائيات التي تشجع على البغاء والحركات المشبوهة، والمسلسلات الهابطة، ويغرد على تويتر تغريدات تشم منها رائحة العفن الفكري والوجداني؛ فلقد لعب الإعلام المنكوب بكل أحواله، فهو يميل مع الفجور حيث يميل، وأنسى هذا الشيطان الماكر المزين للسوء (الإعلام الفاسد بما يملك من سلطة معنوية) أنه سيحاسب على سلوكياته التي فيها عصيان لله تعالى. إن هذا ما كان ليتم لولا قوة السلطة الرابعة على مفاهيمه وتصوراته ومشاعره.

     فالحديث عن الإعلام الواقعي الهابط!! اليوم  يستغرق وقتا وجهدا للتدليل على خطره على حياتنا وأخلاقنا ومشاعرنا، ويتطلب الأمر من أهل الخير من ذوي الاتجاه السامي الذين يستهدفون حياة الطهر والعفاف، ويريدون الله والدار الآخرة أن يبذلوا مجهودا كبيرا لكشف عورات هذا الخبيث: الإعلام الفاسد.       

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...