التعليم وثقافة الغش!

رأى لها
08 - رمضان - 1437 هـ| 13 - يونيو - 2016


 التعليم وثقافة الغش!

الطالب الذي يغش يتفوق، ويحصل على درجات أعلى من ذلك الطالب الذي احترم ذاته، وراقب الله تعالى ولم يغش، ولكن أيهما برأيكم الذي تحققت فيه أهداف العملية التعليمية، ويستحق الدرجات والفرص الأفضل؟! أليس هو الطالب الأمين، حتى لو لم تسعفه ذاكرته أحيانا في إجابة بعض الأسئلة؟

      لكن الواقع التعليمي ليس هكذا، فالأخلاق والقيم التربوية لا تدخل ضمن عملية التقييم بكل أسف، بمعنى أنها من الناحية الواقعية ليست محل تقدير في العملية التربوية والتعليمية.

فلا نندهش إذن من انتشار ظاهرة الغش في عقر دار المؤسسات التربوية والتعليمية، والتي من المفروض أنها القلاع الحصينة للقيم والأخلاق، ولا نفزع كذلك إذا انفجر الغش بوجه المجتمع في مختلف مجالات الحياة!

في كل يوم تطالعنا الصحف بمسلسل لا يتوقف، من جرائم استيراد لحوم فاسدة أو أدوية تالفة أو أغذية غير صالحة، فضلا عن جرائم التزوير والنصب التي تفوق الحصر.

          إن الغش إفراز طبيعي لتعليم هو الآخر يغش، لكنه لا يغش الطالب وحده، بل يغش المجتمع والأمة كافة، حين يجعل مستقبل أبناء الأمة مرهون بمقدار ما يحفظونه من بعض المعلومات، دونما اكتراث بإعلاء القيم أو تنمية المهارات!

      انتبه أحد خبراء التعليم الأمريكي منذ الستينات من القرن الماضي لهذا الخلل في المجتمع الأمريكي، وكان عضوا في لجنة الامتحانات بإحدى الجامعات الأمريكية، وهو بنجامين بلوم صاحب تصنيف هرم بلوم الشهير للأهداف المعرفية، وحاول أن يغير نظرة المجتمع الأمريكي للامتحانات.

      رأى بلوم أن الامتحانات ليس الهدف منها إصدار الأحكام على مستويات الطلاب، فليست الامتحانات وحدها المسؤولة عن تقييم الطالب ـ كما هو الواقع عندنا الآن ـ إنما هي جزء من العملية التعليمية، ووسيلة من وسائل التعلم، أما حفظ المعلومات وصمها من أجل الامتحانات، فإن هذا لا يحدث تعلما ذا قيمة.

      وعكف الرجل وآخرون من خبراء التربية على إعداد أهداف متوازنة لتخدم بناء شخصية المتعلم من جميع جوانبها، إحداها (المعرفية)، والأخرى (الوجدانية)، والثالثة أطلق عليها (النفس حركية) تهتم بمستويات المعرفة الستة، ولا تغفل مستويات الهرم القيمي ولا تهمل مراحل اكتساب المهارات، وحينما أكدت هذه الأهداف ذاتها على أرض الواقع، اعتمدتها منظمة اليونسكو الدولية، وأصبح التعليم يسير في كثير من دول العالم ـ ونحن منها ـ وفقا لهذه الأهداف.

      لا شك أننا جزء من هذا العالم، وينبغي أن نستفيد من تجاربه، لكن من حقنا أن نتساءل: هل يواكب التعليم عندنا تلك الدول، في الأخذ بالنظريات التعليمية واستراتيجيات التدريس الحديثة؟ وهل يعي جميع المعلمين والمعلمات في مدارسنا هذه الأهداف التعليمية بعمق، وهل هي مفعلة وحاضرة أثناء عملية التعلم، أم إن أغلبهم غير مستوعبين لها أو مقتنعين بها؟

والإجابة عن هذا السؤال الحرج، هو ما نراه من مخرجات تعليمية، لا ما نسمعه!

      خبراء التعليم يؤكدون أن تعليمنا يهمل مستويات المعرفة العليا في هرم بلوم، بمعنى أننا نختبر أبناءنا في مهارات التفكير الدنيا، التي تركز على التذكر والفهم فحسب ونقيمهم على هذا الأساس، ولا نولي عناية كافية لمهارات التفكير (المتوسطة و العليا) والتي تهتم بالمناقشة والتطبيق والنقد والتحليل والابتكار والإبداع، فضلا عن ضعف اهتمامنا بالأهداف الوجدانية التي تعنى ببناء القيم والأخلاق والمبادئ، والأخرى النفس حركية التي تركز على تنمية المهارات وصقل المواهب، وليس هذا في مراحل ما قبل التعليم الجامعي فحسب، بل إن هذا الإهمال يمتد ليشمل كذلك مرحلة التعليم الجامعي!

إن التعليم بصورته الحالية تعليم أجوف، لا يتواكب مع متطلبات العصر، ولا يعمل على تمليك الطالب للمهارات اللازمة له في حياته العملية، والتي يتطلبها سوق العمل، ولا يحصن الطالب كذلك بالقدر الملائم من القيم اللازمة لبناء شخصيته وصيانة أخلاقه ومبادئه. 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...