القدوة أكثر وسائل التربية تأثيرا في حياة الطفل

دعوة وتربية » نوافذ
20 - ربيع أول - 1439 هـ| 09 - ديسمبر - 2017


1

تعتبر القدوة في حياة الطفل من أخطر وسائل التربية ،وأشدها أثراً على الإطلاق؛ ففي السن المبكرة لا يتأثر الأطفال بالتلقين -الكلام الشفوي- إذا لم توجد أمامهم القدوة الصالحة، التي تترجم بصورة عملية المعاني المجردة.

خلال السن المبكرة، لا يكتفي الأطفال بمجرد تلقين معلومات لا يكون لها أثر مثلما يكون الأثر عن طريق القدوة العملية؛ لأن الفترات الأولى للطفل، يتأثر فيها بالتفكير المادي أو الحسي، فهو يتأثر بالأمور المحسوسة ويعيها جيداً.

مثال: إذا حدثت طفلاً عمره ثلاث سنين، لا تستطيع أن تكلمه عن المعاني المجردة: الجمال، والعدل، والسماحة والكرم وهكذا؛ لأن هذه لا يدركها الطفل لأنها معانٍ مجردة، لكنه يدرك الأمور المحسوسة ويتأثر بها جداً.

القدوة هي أفضل وسائل التربية على الإطلاق، وأقربها إلى النجاح، فمن السهل تخيل منهج أو تأليف كتاب في التربية، لكن هذا المنهج يظل حبرا على ورق، ما لم يتحول إلى حقيقة تتحرك في واقع الأرض، وإلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره وأفكاره مبادئ هذا المنهج ومعانيه.

 

الرسول قدوتنا

عندما أراد الله لمنهجه أن يسود الأرض، ملأ به قلب الإنسان وعقله؛ كي يحوله إلى حقيقة في واقع الأرض، فكان أن بعث محمدا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ليكون قدوة للناس في تطبيق هذا المنهج: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب: 21]، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}[الأحزاب: 45، 46] .

وهكذا، أرسل محمد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ليكون قدوة للناس في تطبيق منهج الله في واقع الأرض، فكان عليه الصلاة والسلام هاديا ومربيا بسلوكه الشخصي، وليس فقط بالكلام الذي ينطق به قرآنا أو حديثا، وعن طريق القدوة، بالإضافة إلى القرآن والسنة، أنشأ محمد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الأمة التي قال الله فيها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

وهكذا، يرى الإسلام أن القدوة هي أعظم طرائق التربية، ويقيم منهجه التربوي على هذا الأساس، فلا بد للطفل من قدوة في والديه ومدرسته؛ كي يتشرب المبادئ الإسلامية ويسير على نهجها، ولا بد للكبار من قدوة في مجتمعهم تطبعهم بطابع الإسلام وتقاليده النظيفة، ولا بد للمجتمع من قدوة في قيادته، بحيث يتطلع إليها ويسير على منوالها، ولا بد أن تكون قدوة الجميع هي شخصية الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ التي تتمثل فيها كل مبادئ الإسلام وقيمه وتعاليمه.

 

الأطفال لديهم قدرة كبيرة على المحاكاة

إن القدوة إذا كانت حسنة: فإن الأمل يكون كبيرا في إصلاح الطفل، وإذا كانت القدوة سيئة، فإن الاحتمال الأرجح هو فساد الطفل، وقدرة الطفل على المحاكاة الواعية وغير الواعية كبيرة جدا، فهو يلتقط بوعي وبغير وعي كل ما يراه حوله أو يسمعه، فالطفل الذي يرى أباه أو أمه تكذب، لا يمكن أن يتعلم الصدق، والطفل الذي يرى أمه تغش أباه أو أخاه أو تغشه هو نفسه: لا يمكن أن يتعلم الأمانة، والبنت التي ترى أمها مستهترة: لا يمكن أن تتعلم الفضيلة، والطفل الذي يقسو عليه أبواه لا يمكن أن يتعلم الرحمة.

 

الوالدان هما القدوة في حياة الطفل

الوالدان هما القدوة والأسوة، التي  يحتذي بها الطفل، فهو يمتص من الوالدين مواقفهما، إذ ليس هناك شيء اسمه حصة التربية، ولن يحضر الوالد في وقت معين ويقول لولده: تعال لكي أربيك، فهو في الليل والنهار يتربى بسلوكيات الأب وسلوكيات الأصدقاء، وسلوكيات الإخوة، والإعلام، فهذه كلها تصنع الطفل. فالتربية ليست وظيفة لها وقت دون وقت آخر، وإنما في كل السلوكيات هو يتربى؛ لذلك ينبغي للأب والمربي أن يكون في غاية الحذر من تصرفاته أمام الأطفال؛ لأنهم يتلقنون منه سلوكياتِهِ شاء أم أبى.

فمثلا عندما يأتي يتصل شخص بالهاتف، يسأل عن الأب، فيقول الوالد لابنه: قل له: إنه ليس هنا، فيقول: إنه ليس هنا، فنكون حذرين جداً من هذا السلوك! إن الطفل يمتص من خلال السلوكيات التي يراها أمامه أسوة، فيرى موقف الأب والأم من احترام حقوق الآخرين، ويقلد ذلك السلوك، فلو سمع مثلاً أن أباه استولى على أموال إخوانه الصغار بعدما مات جده مثلاً، وأنه تمكن من نهب هذه الأموال، ويحكيها كذكاء أو مكسب، فهذا يعتبر درساً، والوالد هنا قدوة، فلا يعاتبه بعد ذلك، إذا فعل الشيء نفسه.

وحين توجد القدوة الحسنة متمثلة في الأب المسلم، والأم ذات الدين، والمعلم الفاضل، فإن كثيرا من الجهد المطلوب لتنشئة الطفل على الإسلام، يكون ميسورا وقريب الثمرة في ذات الوقت؛ لأن الطفل سيتشرب القيم الإسلامية من الجو المحيط به بطريقة تلقائة، وليس معنى هذا أن الطفل لن يحتاج إلى جهد على الإطلاق في عملية التربية، أو أنها ستتم تلقائيا عن طريق القدوة وحدها، ولكن الذي يمكن قوله هنا، إن القدوة الطيبة هي دائما قيمة موجبة، يحدث بإزائها قدر مساو من الجهد الذي يجب بذله.

 

ضرورة أن يتطابق القول مع الفعل

الأب والأم ينبغي أن يتطابق قولهما مع فعلهما، ولا يجوز أن يقول أحدهما شيئًا، ويمارس نقيضه! فالتناقض هنا يكون خطره عظيمًا على الطفل، الذي ينعكس عليه ما يجري في البيت مثل المرآة تمامًا.

إن تطابق القول والفعل لدى الأب والأم وبقية أفراد الأسرة: من الأسس التربوية التي يحبذها الإسلام، وهو في الوقت نفسه من أسس أحكام الشريعة الإسلامية.

هذه هي الطريقة التي ربى بها الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أمة الإسلام الأولى، ومن سار على نهجها من التابعين، وقد يكون من المناسب في هذا الصدد: أن نذكر ما كتبه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان إلى مؤدب ولده، يقول له: "لِيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَبْدَأُ بِهِ مِنْ إِصْلاحِ أَوْلادِي: إِصْلاحُ نَفْسِكَ، فَإِنَّ أَعْينَهُمْ مَعْقُودَةٌ بِعَيْنِكَ، فَالْحَسَنُ عِنْدَهُمْ مَا تَسْتَحْسِنُهُ، وَالْقَبِيحُ عِنْدَهُمْ مَا تَرَكْتَهُ، عَلِّمْهُمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَلا تُكْرِهْهُمْ عَلَيْهِ فَيَمَلُّوهُ، وَلا تَتْرُكَهُمْ مِنْهُ فَيَهْجُرُوهُ، ثُمَّ رَوِّهِمْ مِنَ الشَّعْرِ أَعَفَّهُ، وَمَنَ الْحَدِيثِ أَشْرَفَهُ، وَلا تُخْرِجَنَّهُمْ مِنْ عِلْمٍ إِلَى غَيْرِهِ حَتَّى يُحْكِمُوهُ، فَإِنَّ ازْدِحَامَ الْكَلامِ فِي السَّمْعِ مَضِلَّةٌ لِلْفَهْمِ،"(1) "علمهم سِيَرَ الحكماء وأخلاق الأدباء، وجنبهم محادثة النساء، وتهددهم بي، وأدّبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء. ولا تتكل على عذري، فإني قد اتكلت على كفايتك، وزد في تأديبهم أزدك في بري إن شاء الله تعالى"(2).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إلى هنا رواها أبو نعيم في "حلية الأولياء" (ج9/ 147)، لكن وقع عنده هذا الكلام على أنه من وصية الشافعي لأبي عبد الصمد مؤدب ولد هارون الرشيد!].

(2) هكذا (كاملة) أوردها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في "البيان والتبيين" (ج2/ ص35-36)، طبعة القاهرة 1332هـ التي صورتها دار الكتب ببيروت.

المراجع:

مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها، على أحمد مدكور، دار الفكر العربي2001م.

محو الأمية التربوية، لمحمد أحمد إسماعيل المقدم، دروس صوتية قام بتفريغ بعضها موقع الشبكة الإسلامية.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


بسام حسن المسلماني

ليسانس آداب (قسم تاريخ ) جامعة القاهرة 2004م.

بكالوريوس خدمة اجتماعية 1995م.

حاصل على معهد القراءات (مرحلة التجويد) 1997م.

*- كاتب ومحرر صحفي في موقع "لها أون لاين" والمشرف على محاور تقارير ودراسات وشاركوا بالرأي والاستطلاع والملف الشهري، من يناير 2008 وحتى الآن.

*- صحفي بمجلة سياحة وآثار سعودية.من ديسمبر 2010 وحتى الآن.

*- كاتب ومحرر صحفي بمجلة قراءات إفريقية.

*- نائب مدير تحرير موقع مجلة قراءات إفريقية.

*- إعداد وتقديم مواد إذاعية وحوارية في موقع "لها أون لاين".

*- صاحب مدونة "دفتر أحوال الأمة" (http://anns012.maktoobblog.com/)



الإصدارات:


- مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2007/11/25/55474.html

- الصومال .. وسيناريو الحرب المقبلة
- http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2006/12/28/26057.html

- مستقبل العلاقات الباكستانية الأمريكية .. بعد اغتيال بوتو
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2008/01/03/57621.html

- العسكر في تركيا .. هل ينقلبون على جول؟
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/04/29/40651.html
- العلاقات المصرية الإيرانية إلى أين تسير..؟
http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2007/12/28/57319.html

- مؤتمر”شرم الشيخ” .. واستباق الفشل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/05/03/41178.html

- الإسلاميون داخل فلسطين 48.. موقف خاص من الانتخابات
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2525.html

- الأحزاب العربية داخل فلسطين 48 .. ورهاناتها الانتخابية
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2523.html

- أزمة الحجاب في تونس.. مقاربة تاريخية
http://www.lahaonline.com/articles/view/14327.htm

- الصحفية "إيفون ريدلي".... أسيرة طالبان التي أصبحت داعية للإسلام
http://www.lahaonline.com/articles/view/15619.htm

- المرأة المسلمة النيجيرية.. عقبات ونجاح
http://www.lahaonline.com/articles/view/15784.htm

- الشخصية الصوفية
http://www.alsoufia.com/rtb_uploaded_images/magazine_9.pdf

- بين الثورة المصرية وثورة الاتصالات ... وطن جديد
http://www.lahaonline.com/articles/view/37717.htm

- الثورة السورية .. وازدواجية المواقف
http://www.lahaonline.com/articles/view/38308.htm


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...