تفاعل القيم الإنسانية في الأدب (1من2)

أدب وفن » آراء وقراءات
08 - صفر - 1440 هـ| 19 - اكتوبر - 2018


1

من مظاهر تكريم الله عز وجل للإنسان: أنه لم يتركه بدون مرشد في هذه الحياة، بل فطره على الحق: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾(الروم:30).

 

والقيم الإنسانية تنطلق من الفطرة السليمة التي خلق عليها كل البشر، باعتبارها معاني مشاركة في تكوين الشخصية الفردية، وإقامة البناء الاجتماعي، وممارسات توجه السلوك الإنساني، تضفي نوعًا من التوازن والانسجام في علاقة الإنسان بذاته وبمن يحيط به.

 

ومما لا شك فيه: أن ما تعيشه الحضارة الإنسانية المعاصرة من تحولات جوهرية: يجعل موضوع القيم من أبرز التحديات التي تواجه الأفراد والأسر والمؤسسات المدنية والمجتمعات والشعوب. خاصة الإسلامية، وهي تعيش حالة حادة من حالات الانسلاخ عن الذات، سواء باجترار القديم دون تمحيص، أو بالتقليد دون وعي أو تبصر، الأمر الذي يغدو معه استنباط القيم الإنسانية من عمق مكابدات الإنسان مع الحياة، قضية ضرورية وملحة، كما أن محاولة إشاعتها باعتبارها قيمًا إنسانية مشتركة بين البشرية جمعاء، يمثل طوق النجاة لها.

 

وبما أن الأدب صيغة إنسانية، تبحث في طبيعة سلوك الإنسان، وتسعى إلى إعادة اكتشاف العالم الداخلي والخارجي برؤية متجددة، وإلى التواصل معهما، وتهدف إلى الكشف عن واحات بظلال وارفة، يبصر فيها المتلقي آفاق النفس والكون، عبر صور جمالية، تنعكس على عقله ووجدانه، فإنه ليس لأحد أن ينكر أن القيم هي مجال الأدب بامتياز. وأنها ثمرة من ثمرات تفاعل الأديب مع واقعه النفسي والاجتماعي والثقافي، الأمر الذي يجعل المتلقي أكثر قدرة على الفهم والتفكير والتذوق، وأعمق غوصًا في طبيعة النفس البشرية. من هنا تصبح أسئلة من قبيل؛ إلى أيّ حد يمكن أن يستجيب الأدب للفطرة الإنسانية؟ وما علاقة هذه الاستجابة بسلّم القيم؟ وإلى أيّ حد ممكن يصبح الأدب محركًا لوعي الإنسان، تجاه ما هو كائن انطلاقًا مما ينبغي أن يكون؟

 

أسئلة مشروعة تحفز الباحث على البحث والدراسة في موضوع القيم وارتباطه بالأدب.

 

 مركز الجمال في المفهوم الإسلامي يكمن في الخلق الحسن. ومن هنا يكون تغييب القيم الإنسانية عن الإبداع، تعبيرًا عن الانحراف الفكري والعقدي، وانعكاسًا لشكل من أشكال التخلف والرجعة والانحطاط إلى مستوى الحيوانية.

 

جدلية العلاقة بين القيم الإنسانية والأدب

القيم الإنسانية في الإسلام لا تتغير ولا تتطور تبعًا للظروف الاجتماعية أو السياسية والأحوال الاقتصادية، بل هي حدود ثابتة متينة ضد الفوضى والظلم والشر والفساد، يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ (البقرة:230). لذلك فالإنسان المؤمن يسعى دائمًا إلى الثبات على القيم مهما تغيرت به الأحوال، ولا يحق له التغيير سوى فيما يساعده على ذاك الثبات، وما يحقق طبيعة استخلافه في الأرض. والأدب تعبير جمالي عن أدق مشاعر الإنسان، وعن قضاياه الفردية والجماعية، يحفز المتلقي على معانقة الخير والحق والجمال، ونبذ العنف والفساد والقبح. من هنا ندرك عمق العلاقة بين القيم والأدب في المنظومة الإسلامية.

 

وبما أن "الإسلام يبسط من خلال قرآنه وسنة نبيه، رؤية جديدة للكون والعالم والحياة والإنسان، رؤية تجيء بمثابة انقلاب شامل على كل الرؤى المحدودة، والمواضعات البصرية القاصرة، والأعراف والقيم والتقاليد والممارسات المبعثرة الخاطئة، رؤية تبدأ انقلابها هذا في صميم الإنسان، في عقله وقلبه وروحه ووجدانه وغرائزه وميوله وصيرورة الحركة التاريخية"(1)؛ فإن تفاعل الأدب مع القيم، يعني انطلاق الأديب المسلم في ممارساته الإبداعية، من رؤية أخلاقية وإنسانية تبرز مصداقيته في الالتزام بتوظيف الأدب لخدمة العقيدة والشريعة والقيم وتعاليم دينه ومقاصده، وتبيّن إيجابيته عند معالجة قضايا العصر والحياة، التي ينفعل بها انفعالاً مستمرًّا، فلا يصدر عنه إلا نتاج أدبي متفق مع أخلاق الإسلام وقيمه وتصوراته، ونظرته الشاملة للكون والحياة والإنسان(2) في إطار من الوضوح والعمق الذي يبلور حقيقة علاقات الإنسان مع ذاته وخالقة والكون من حوله، وحقيقة الرسالة الملقاة على عاتقه، التي هي رسالة إنسانية تقتضي منه "الإحساس بالحياة التي يحياها، والتعمق في المجتمع الذي يعيش فيه، وتزكية ما يلتمع في ذلك المجتمع وفي تلك الحياة، من مثُل وقيم كريمة تدعو إلى حرية وحق وخير وسلام"(3).

 

وفي هذا الإطار: انطلق توجه الأدب الملتزم بقيم الإنسانية في الأدب العربي، مستهديًا بالتصور الإسلامي ومنهجه على مر العصور، ولم يعرف غيابًا عن حركة التاريخ في يوم من الأيام؛ لأنه كان مرتبطًا بالأرضية الفكرية والنفسية التي يقف ويتوقف عليها الإنسان العربي والمسلم؛ ولأنه كان ممتزجًا بآلام وآمال هذا الإنسان... ولعل كل ذلك يفسر قسطًا من سبب بقائه ومشروعية استمراره منذ أزيد من أربعة قرون، رغم الفتور الذي يلاحظ بصدده في بعض المراحل التاريخية(4).

 

رسالية الأديب في المجتمعات الإسلامية

ويمكن بعد هذا، تقسيم القيم الإنسانية في الأدب إلى ذاتية وإبداعية. القيم الذاتية: تنبع من ذات الأديب وانضباطه الأخلاقي الذي ينسحب على رؤيته للأمور، وعلى مواقفه من مختلف القضايا التي يعبر عنها، ويجعله يجنح نحو طلب القيم الأخلاقية الحسنة التي تعصمه إنسانيًّا من الانحطاط في دائرة الكائنات غير الإنسانية، وتكون سمات أساسية في نسيجه السلوكي والإبداعي.

 

أما القيم الإبداعية: فهي مجموع العناصر والصفات التي يمكن أن يتميز بها إبداعه، والتي يستمدها الأديب المسلم من القرآن الكريم، فيتميز أدبه بعناصر الصدق والأمانة والدقة والطهارة والقوة وغير ذلك من الصفات الجمالية المرتبطة بالقيم. إن الأديب بصفة عامة: "هو واحد من المدعوين لممارسة المهمة الخطيرة، بفنه القادر على التأثير والتحصين. بل إنه مدعو إلى أكثر من هذا: إلى دعوة المجتمعات الإسلامية لاستعادة ممارستها الأصيلة، وقيمها المفقودة، وتكاملها الضائع، وتقاليدها الطيبة، وإحساسها المتوحد، وصبغتها الإيمانية التي أبهتتها رياح التشريق والتغريب"(5). من هنا يمكن القول: إن على الأديب -بصفة عامة- أن يخلص لرسالته، وآلا يجعلها أداة انحراف وفساد، وليس له "أن ينشر الناس مباذله بدعوى الحرية والانطلاق من القيود"(6)؛ لأن له على أمته حقًّا لا يجوز له أن يهضمه، ولا يجوز لها أن تتنازل عنه.

 

حضور القيم الإنسانية في الأدب

تتفاوت درجات حضور القيم الإنسانية بمفهومها الذاتي والإبداعي في الأدب العربي بصفة خاصة، إلا أنه لا يكاد يخلو منها. وكلما كان حضورها قويًّا متداخلاً مع القيم الجمالية، كان أعمق تأثيرًا في النفس، وأكثر قدرة على التغيير نحو عالم أفضل وأحسن.

 

وأول القيم التي تستوقف الدارس في هذا المجال قيمة الصدق، يقول تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾(الشعراء:224-227).

 

ترى المعاجم اللغوية: أن الصدق ضد الكذب، وتفسّر بعض كتب البلاغة العربية الصدقَ: بأنه مطابقة الخير للواقع، والكذب بعدم مطابقته للواقع، لكن الصدق في الأدب يعني الصدق الشعوري المنبعث من الإيمان، والناتج عن الالتزام بقيم الإسلام. وهذا الصدق في العمل الأدبي، لا يتناقض مع التعبير الفني وجماليته ووسائله المختلفة، طالما أن هذه الوسائل توضح الحقيقة، وتكشف عن كنهها، وتؤكدها في ذهن المتلقي.

 

بمفهوم مطابقة نفسية الشاعر أو حاله (7) في زهير بن أبي سلمى: "ولا يمدح الرجل إلا بما فيه"(8) ، وهي عبارة يُفهم منها معنى الموافقة مع واقع الحال، أو الصدق في الواقع. كما وردت كلمة الصدق في بيت شعر لحسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ، وقد وردت هذه السمة ضمن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

وإن الشعر لب المرء يعرضه        

على المجالس إن كَيسًا وإن حُمقا

وإن أشعر بيت أنت قائله                 

بيت يقال إذا أنشدته صدقا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات (الهوامش):

(1) محاولات جديدة في النقد الإسلامي، للدكتور عماد الدين خليل، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص:9، ط:1، 1989.

 (2) انظر: نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد، لعبد الرحمن رأفت الباشا، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1405هـ/1985م.

 (3) الأدب الهادف، لمحمد النويهي، ص:67.

 (4) انظر: جمـالية الأدب الإسلامي، لمحمد إقبال عروي، المكتبة السلفية، البيضاء، ص:19-20، ط:1، 1986.

 (5) وظيفة الأدب في المفهوم الإسلامي، للدكتور عماد الدين خليل، مجلة الأمة، عدد:28، س:3، 1983.

 (6) بديع الزمان النورسي، أديب الإنسانية، لحسن الأمراني، منشورات مكتبة سلمى الثقافية 8، ص:18، ط:1، 2005.

 (7) العمدة، لابن رشيق، ج:1، ص:80.

 (8) ديوان حسان بن ثابت، ص:169.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...