فرض تعليم اللغة على مسلمات بريطانيا: لماذا؟!

رأى لها
17 - ربيع الآخر - 1437 هـ| 27 - يناير - 2016


 فرض تعليم اللغة على مسلمات بريطانيا: لماذا؟!

تخيل معي هذا السيناريو: إحدى البلاد العربية قررت فرض تعليم اللغة على نساء الجاليات المقيمة بها؛ عبر دورات تدريبية مكثفة، ثم تقوم بإجراء اختبارت لمن خضعن لهذه الدورات، ومن ترسب في الاختبار تكون مهددة بمغاردة البلاد رغما عنها!

 

وتخيل أيضا أن الدولة المنظمة لهذه الدورات التعليمة أعلنت أن هدفها: رفع التخلف، وحماية النساء من ظلم الرجال وسيطرتهم على بناتهم وزوجاتهم وأخواتهم!

 

ثم أكمل السيناريو، وتخيل نفسك أحد أبناء هذه الجاليات؛ واستبطن شعوره تجاه بلد يفرض لغته وقيمه عليك، وهو يزعم أنك غير مؤهل للتعامل مع أمك أو أختك أو زوجتك، وأنه يريد إنقاذك من التخلف ومنحك الحضارة ونبذ العنف والتطرف!

 

هذا السيناريو أعلنته بالفعل المملكة المتحدة الأسبوع الماضي، بحسب رئيس وزرائها "ديفيد كاميرون" الذي كتب مقالا في صحيفة التايمز قال فيه: إن هناك 190 ألف امرأة بريطانية مسلمة، تتحدث الإنجليزية قليلا أو لا تتحدثها بالمرة، وأن بريطانيا عليها مكافحة "السلوكيات المتخلفة" لبعض الرجال الذين قال: إنهم يمارسون سيطرة ضارة على زوجاتهم وشقيقاتهم وبناتهم. وقال: إن بعض المهاجرين الذين لم يجتازوا اختبار اللغة الإنجليزية بعد عامين ونصف العام من وصولهم، قد لا يسمح لهم بالبقاء في البلاد.

 

المثير للاستغراب في مقال رئيس الوزراء البريطاني هو: ربطه بين ضعف اللغة، وسيطرة الرجال المسلمين على نسائهم بطريقة تعقوق اندماجهم في المجتمع، إضافة لانتشار الأفكار المتطرفة، وهو ربط غير مبرر بالمرة!

 

لكن السيد كاميرون لا يتركنا نتكهن كثيرا حين يعلن في المقال نفسه: إنه رغم عدم وجود رابط مباشر بين ضعف الإنجليزية والتطرف، فإن من لا يستطيعون الاندماج في المجتمع البريطاني، يصبحون عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة.

 

 ولهذا قررت الحكومة استثمار 20 مليون جنيه إسترليني  في دروس الإنجليزية للنساء بالمجتمعات المعزولة، وأنها ستبدأ من أكتوبر المقبل في اختبار من جاؤوا إلى بريطانيا، من خلال تأشيرة مرافقة الزوج، للتأكد مما إذا كانت مهارتهن اللغوية قد تحسنت.

 

ولاحظ أنه قال: "استثمار" ولم يقل رصدت 20 مليون جنيه، وهو ما يعني أن المراد ليس تعليم اللغة الانجليزية بمهارة، وإنما المراد التأثير على الهوية في صورة مبتكرة من عمل النظمات النسوية التي تحاصر المسلمين في داخل بلدانهم عبر برامج ممنهجة، والسيد كاميرون يسعى لنقل هذه البرامج إليهم، حيث يقيمون في بلاد المهجر عبر برامج تعليم اللغة!

 

هذه الدعوة لم تلق ترحيبا ولا استساغة من الجالية المسلمة في بريطانيا، الذين اعتبروا أن القادة البريطانيين "يشوّهون سمعة" المسلمين، بدلا من العمل مع المجتمعات على المساعدة في مكافحة التطرف.

 

على كل حال، سواء أكان هدف السيد كاميرون تجنيب النساء المسلمات الوقوع في شرك الأفكار المتطرفة، أو كان هدفه نقل برامج المنظمات النسوية التي فشلت برغم جهودها المستميتة في هدم البيوت المسلمة في الداخل العربي، وبالتالي فهو يحاول تفجير هذه الجاليات من داخلها، عبر الصراع والشقاق بين الرجال والمرأة داخل الأسرة الواحدة. فالمؤكد أن مسلمي أوروبا على قدر كافٍ من الوعي بطبيعة الصراع الثقافي والقيمي الذي يمارسه الغرب. والمؤكد أن أغلب أبناء الجاليات المسلمة في الدول الغربية يعرفون لغات هذه البلاد كمثل أهلها الأصليين، وينخرطون في برامج توعوية وتنويرية راقية، تدرك قدرة الإسلام ثقافة وحضارة على انتشال العالم من إخفاقاته التي لا تتوقف بسبب عناد الغرب وتعنته في فرض ثقافته دون مراعاة لثقافات المجتمعات الأخرى!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...