من نام مئة عام لن توقظه ألف تغريدة!

رأى لها
13 - رجب - 1437 هـ| 20 - ابريل - 2016


 من نام مئة عام لن توقظه ألف تغريدة!

لا يختلف اثنان أن أمتنا تمر بمرحلة مدهشة، من مراحل صحوة الوعي بمقتضيات الهوية؛ وهي مرحلة تحتاج أدوات وخطوات يجب أن نستوفيها حتى نستحق النهوض بأوطاننا، والتأثير في العالم من حولنا. أولى هذه الخطوات، هي خطوة النضج الفردي الذي يصب بدوره في النضج الجمعي، فتتشكل الهوية وفق مقتضيات رؤية الإسلام للإنسان والكون والحياة.

 

وفي سبيل بناء الشخصية الواعية على المستوى الفردي ومستوى الأسرة الصغيرة، نجد اهتماما ملحوظا بمواقع التواصل الاجتماعي، التي مكنت كل شخص ليصبح وسيلة إعلامية متنقلة، يؤثر ويتأثر بما ينقله وما يُنقل إليه، وهذه المرحلة رغم جاذبيتها، والشعور الظاهري بأنها مفيدة؛ إلا أنها في غاية الخطورة، ويمكن أن تصيبنا بعسر الفكر، وتوقعنا في التشويش والسقوط في التمني دون التقدم خطوة واحدة نحو هدف صحيح!

 

فربما كنت مشتركا مثلي في عدد من "جروبات الواتس" بعضها دعوى، والآخر متخصص في التنمية البشرية وإدارة الوقت والذات إلخ. والنتيجة أنك تشرب الماء العذب وتبعه عبا، وتقف على مهارات كثيرة، وحين تريد الخروج بها من حيز شاشات الأجهزة الذكية، وإسقاطها على واقعك  تجد نفسك مشوشا، وتجد بونا شاسعا بين الطموح المتطرف الذي امتلاءت به جوانحك، من منشطات فكرية وخرائط مهارية، لا تحتملها قدراتك وإمكانياتك، أو بمعنى آخر تجد معضلة بين الواقع والمأمول!

 

خذ مثلا: التغريدات والجمل الرصينة المكثفة التي تتدفق عبر هواتف البعض ليلا ونهارا، وتصب عليهم النصائح والمواعظ صبا، يفترض أن يقابلها مخزون ومركوز من العلم والمعرفة التراكمية، حينها تصبح التغريدات بمثابة الشرارة التي تلهمك الإمساك بطرف الخيط، لتنطلق إلى رحاب العمل النافع، فالعلاقة بين التغريدة القصيرة والمخزون العلمي والمعرفي، يجب أن تكون كالعلاقة بين الينبوع ومخزون المياه الجوفية؛ فالينبوع لا يبدو منه غير رأس صغير من الماء، فيما يتصل هذا الرأس بخزانات أرضية لا يمكنك الإحاطة بها بسهولة!

 

ولهذا فمن المهم أن يتوقف الذين جعلوا مواقع الواصل مصدرهم الوحيد للعلم والمعرفة مع أنفسهم، وإن فحصوا ما بين أيديهم من معرفة وعلم وعمل؛ لأن التغريدات التي تتدفق علينا عبر تويتر وفيس بوك وبقية عائلة التواصل الافتراضي، إنما هي مجرد معارض براقة لبضائع ثقيلة ونفسية يجب أن تكون مخزونة في دواخلنا.

 

إن مرحلة بلوغ الجملة شديدة التكثيف، التي تحمل فكرة ورؤية عبر أحرف معدودة في تويتر لا يمكن بلوغها بسهولة، ولهذا يجب على من يشغلون أنفسهم بالهم العام والعمل الإعلامي، ويكتفون بتغريدات مواقع التواصل فقط، أن يبذلوا جهدا موازيا من التزود بالمعرفة والعمل، ويؤثر عن كبار الكتاب والمفكرين أنهم يقرؤون مئة صفحة قبل أن يكتبوا صفحة واحدة.

 

إن التدرج في بناء الوعي الجمعي للأمة، لا يأتي عبر تغريدات مختزلة فقط، فالأمة التي نامت وغابت عن التأثير لمئات السنين لن توقظها آلاف التغريدات أو أفكار الكبسولة، إنما يوقظها العلم الجاد والعمل الشاق!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...