2
هاجر الزوجة.. لها أون لاين - موقع المرأة العربية

هاجر الزوجة..

مع هاجر (1)

عالم الأسرة » شؤون عائلية
10 - ذو القعدة - 1430 هـ| 28 - اكتوبر - 2009


هاجر .. الزوجة الثانية .. المؤمنة الصابرة المحتسبة.. صارت معلماً مضيئاً في تاريخ المرأة المسلمة بتجاربها المثيرة القاسية، وبصبرها الكبير العظيم، و وعيها الباذخ بطبيعة الرسالة والتكليف والعلاقات والارتباطات..

هاجر المبتلاة على طول الخط .. مبتلاة في بيتها، في زوجها، في ولدها الوحيد.. رباه ما أقوى قلبك ؟! .. وما أرسخ إيمانك ؟! .. وما أشد بلاءك ؟! .. ما أعظمك يا سيدتي ؟! ..

بدايتها..

عاشت هاجر مع سيدتها سارة وزوجها إبراهيم في مصر أياماً قليلة, ثم ارتحلت معهما إلى فلسطين, حيث قرر إبراهيم عليه السلام العودة إليها مرة ثانية.

وفي فلسطين كانت هاجر نعم الجارية المخلصة لسيدتها سارة, وقد رأت في سيدها إبراهيم عليه السلام، وسيدتها سارة ما لم تره في غيرهما من البشر, رأت أخلاقاً كريمة, ومعاملة طيبة, حيث كانت سارة رضي الله عنها تعاملها كصديقة لها, لا تثقل عليها في العمل, ولا تكلفها من الأعمال ما لا تطيق؛ فأحبتها هاجر حباً شديداً, وكانت لا تقصر في خدمتها وطاعتها, وقد دعاها إبراهيم عليه السلام إلى الإيمان بالله الواحد الأحد ؛ فآمنت به, وعلمت أن إبراهيم عليه السلام رسول من عند الله, يدعو الناس إلى عبادة الله وفعل الخير, فكانت سعادة هاجر كبيرة بأن أنعم الله عليها بخدمته هو وزوجته الطيبة الصالحة السيدة سارة, فشكرت هاجر ربها، وحمدته علي أن أنقذها من قصر الملك الجبار، وأنعم عليها بخدمة نبيه ورسوله إبراهيم عليه السلام.

وهل يتعلق الغريق بالغريق ؟! ..

( ألله أمرك بهذا ؟! ) .. هذا ما قالته السيدة هاجر الزوجة المؤمنة لزوجها إبراهيم عليه السلام.. سؤال نستشف منه متانة العقيدة التي تكنها المرأة العظيمة.. نرى فيه جميل رسوخ الإيمان في قلبها.. تأبى أن تتعلق بغريق وهى نفسها غريقة ولا تتعلق إلا بربها.. نرى كيف كان ظنها بزوجها المؤمن الحبيب.. أنها في وسط جبال لا زرع فيها ولا ماء.. صحراء قاحلة يتركها ورضيعها فيها!..

وكما يقول الإمام ابن القيم في التوكل:- التوكل نصف الدين، و النصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة و عبادة، فالتوكل هو الاستعانة، و الإنابة هي العبادة..

وقال أيضاً: التوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق و ظلمهم و عدوانهم .

وقال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان .. ونقول: يكفى للمتوكل أن الله يحبه .. قال تعالى :- ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) سورة آل عمران : 159

لا لكفران العشير ..

لم تذهب الزوجة المؤمنة أن هذا الأمر من فعل ضرتها.. ولا أن زوجها يريد الخلاص منها؛ وأين كفرانها للعشير ؟! .. سبحان الله كل هذا ذهب هباء؛ أمام قوة الإيمان الراسخة في القلوب.. فكفران العشير عند المرأة المسلمة الموصولة بخالقها الداعية لربها صاحبة الرسالة لا وجود له، وإن ألمَّ بها طيفه لحظة ضعف تذكرت آيات القرآن فإذا هي مبصرة، فالكفران لا يخطر على بالها ؛ فهو يورد النساء النار قال صلى الله عيه وسلم: (أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن .. قيل : أيكفرن بالله ؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط ) رواه مسلم.

هل شعرت بها ..

وما هو إلا قليل حتى نفذ منها الماء، وجفت عروق وليدها فتلوي من العطش، والألم وتمرغ في الأرض.. فهربت إلى الجبل كراهية أن تراه.. فصعدت الصفا،ثم استقبلت الوادي فسعت سعي الخائف الباحث، ثم أتت المروة فقامت عليه فنظرت فلم تر أحدا فعلت ذلك سبع مرات.

ترى كم من الوقت أخذت وهي تسعى ؟! ..

ترى كم عثرة عثرتها ؟! ..

وكم دمعة ذرفتها ؟! ..

وكم روعة ارتاعتها على وليدها ؟! ..

وكم صرخة سمعتها منه ؟! ..

وكم نظرة سرقتها إليه وهو يتلوي يكاد يموت من البكاء عطشاً وجوعاً وألما، وكم وكم وكم ؟!

ولكن كل ذلك هان, فقلبها مطمئن برب لن يضيعها أبداً..

ثم جاءت ملائكة الرحمن تشق زمزم فانفجرت، وسالت.. بركة: بركتها العالم إلى يوم الدين.. بركة : (لن يضيعنا الله أبداً). ..

نداء الإيمان أعلى ..

ومما هو معلوم أن الأم جُبلت على محبة ولدها؛ حتى قبل أن يولد، فمنذ أن كان في بطنها وهي تحنو عليه، وإلى أن يكبر وهي تعطف عليه وتربيه.. حتى صارت الأمومة مضرب المثل في العطاء والحب. 

ورغم كل هذا نرى هاجر الأم تقبل بأمر الله،وتقدمه على أمرها.. إنها ترى زوجها يأخذ بيد ولدها الوحيد ليذبحه.. حتى أن الشيطان اللعين لم يتركها وحالها بل جاء إليها ليثير ما بداخلها من أشجان وآلام، ويبذل جهده حتى يخرجها عن تقواها لتثور على إبراهيم إنقاذاً لولدها, لكنها رجمته بسبع حصيات, واستعاذت بالله منه, فابتعد عنها, وكذلك فعل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام, فكان رمي الجمرات في الحج .

 

ترى كيف مرت عليها هذه اللحظات ؟!

أظن حمل الجبال كان أسهل عليها من مرور هذه اللحظات.. ولكن للطاعة بركتها؛ فما هي إلا ودخل عليها زوجها ليبشرها بالبشرى.. ويسعدها بالخبر .. ويريها الكبشين مذبوحين .. رفع الله البلاء, وفدي الفتى بذبح عظيم بعد ما نجحت الأسرة كلها في الاختبار. (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ {37/107} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ،  سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) سورة الصافات .. ففرحت هاجر بنجاة ابنها, وشكرت ربها وحمدته, ووزّع إبراهيم لحم الكبش على من حول حرم الله وأكل منه هو وزوجته هاجر وابنهما إسماعيل.

رد الخليل ..

وانظر معي إلى رد الخليل عليها بـ" نعم "، كلمة جازمة حازمة لا اهتزاز فيها، ونفسه التي بين جنبيه لأمر الله طائعة راضية، قال نعم لتكون أعلى مما يعتلج بداخله من شعور الأب، وإحساس الزوج، نعم بكل قوة .. نعم الخارجة من قلب يقدم أمر ربه على أي أمر آخر.. نعم لله وفقط .. وبعدها يفيض الدعاء من قلبه مستعيناً بربه الذي قدمه على كل أمره: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) سورة إبراهيم:38..

الطاعة هي اللغة السائدة ..

نعم الطاعة والبر والأدب .. فالزوجة هاجر المؤمنة أطاعت زوجها في طاعته الله، عندما تركهما في الصحراء.. ثم يخرج الابن البار الطائع لأبيه إسماعيل عليه السلام :- }قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ{ سورة الصافات : 102  .. رباه ما أحلى الحياة في طاعة الله .. نعم حياة السلام والرحابة .. الأسرة كلها تطيع ربها .. الزوجة تطيع زوجها .. الابن يطيع أباه .. الجميع يسير في كنف الطاعة الآخذة إلى الله .. وبفضل طاعتها تلك ينجيها الله تعالى هي ابنها مما وقعا فيه:- ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) سورة الطلاق:2-3.. وها هو المخرج يأتي تلو المخرج.. ماء زمزم تخرج من بين يد الطفل الباكي إسماعيل عليه السلام.. ثم مخرجاً آخر أن يرسل لهما قبيلة جرهم العربية وكانت نعم الجوار لهما..

وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ثمرات الطاعة أنه قال:- ( قال ربكم عزَّ وجل:- لو أنَّ عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أُسمعهم صوت الرعد).. وقال أبو سليمان الداراني :- من صفا: صفا له، ومن كدر كُدر عليه، ومن أحسن في ليله كفى في نهاره.  وقال الفضيل بن عياض :- إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي.

 

وقبل أن أقلب الصفحة..

يا من تشكو الهم والغم: اعلم أن الله لن يضيعك أبداًً ..

يا من تشكو الدين والكرب: اعلم أن الله لن يضيعك أبداً ..

يا من تشكو مشاكل  الأولاد: اعلم أن الله لن يضيعك أبداً..

يا من تشكو ضيق اليد وذل السؤال: اعلم أن الله لن يضيعك أبداً..

يا من تشكو غم المعصية وبُعد المنال: اعلم أن الله لن يضيعك أبداً ..

يا من ضاقت عليك الدنيا: اعلم أن الله لن يضيعك أبداً ..

 يا من تتمنى القرب من ربك وتراه بعيد المنال: اعلم أن الله لن يضيعك أبداً ..

انتظرونا في الحلقة القادمة..

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


محمود القلعاوي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


تعليقات
 هاجر الزوجة..
-- أبو عبدالله - مصر

10 - ذو القعدة - 1430 هـ| 28 - اكتوبر - 2009




جزاك الله خيرا أستاذنا على هذا الموضوع ونسأل الله أن ينفع بكم الإسلام والمسلمين وأن يؤسس بهذا الكلام أسراً مسلمة وزوجات صالحات وأزواج صالحين يكونون زخيرة في تحرير الأقصى وعز الإسلام والمسلمين

 هاجر الزوجة..
-- الظلال -

10 - ذو القعدة - 1430 هـ| 28 - اكتوبر - 2009




ما شاء الله لا قوة الا بالله
اسلوب رائع منساب يدخل القلوب فيحرك الشجون
الله يرضى عليك

 هاجر الزوجة..
-- القاضى - مصر

10 - ذو القعدة - 1430 هـ| 28 - اكتوبر - 2009




جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل و بارك الله فيك

 هاجر الزوجة..
-- المحبة لله - مصر

11 - ذو القعدة - 1430 هـ| 29 - اكتوبر - 2009




بجد روووووعة .. يااااااارب تقبل .. واجعل كل زوجات المسلمين زى السيدة هااجر ..

 هاجر الزوجة..
-- عبدالله حمد - مصر

11 - ذو القعدة - 1430 هـ| 29 - اكتوبر - 2009




تاريخنا قادر علي تربية امم

 هاجر الزوجة..
-- الباحث عن الحقيقة - مصر

13 - ذو القعدة - 1430 هـ| 31 - اكتوبر - 2009




الأستاذ محمود القلعاوي جزاك الله خير الجزاء على هذا الكلمات الجميلة .. وأسأل الله أن ينفع بك الإسلام والمسلمين وأن يجعلك سبباً في أسعاد الناس وأخذهم لطريق الحق والخير

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...