"الصفر" مجموعة قصصية لبشرى حيدر لها أون لاين - موقع المرأة العربية

"الصفر" مجموعة قصصية لبشرى حيدر

أدب وفن » آراء وقراءات
19 - ذو الحجة - 1439 هـ| 31 - أغسطس - 2018


1

بشرى حيدر، في مجموعتها القصصية "الصفر" تجيء في وقتها المناسب، لكي تضيف إلى مكتبة أدب الأطفال عملاً ينطوي على الكثير من العفوية والصدق والمعايشة، والدهشة والبهجة والرغبة في الاكتشاف. ويجد القارئ نفسه ـ فعلاً ـ إزاء أدب الصغار.

 

صحيح أن عدداً من قصصها يفتقد بعض الشروط الفنية لهذا النمط الأدبي، وبخاصة "العقدة" وبالتالي فهي أقرب إلى أن تكون "لوحات قصصية" كتلك التي يرسمها القصّاصون الكبار أنفسهم مضحيّن بالعقدة أحياناً، فيما يعتبره الحداثيون نوعاً من التحرّر من إرث الماضي وقيوده الفنية.

 

لكن ما يدهش في محاولات بشرى هو لغتها المحكمة، وقوة خيالها، وقدرتها على إدارة الحوار بين شخوصها. واختيارها لموضوعات "ساخنة" من قلب الحياة اليومية، تذكّر القاريء بواقعية أبيها الأستاذ الأديب حيدر قفّة في مجموعتيه القصصيتين: "هناك طريقة أخرى"، و"ليل العوانس".

 

وإذا كانت قصص مجموعتها الأولى "حكايات من بلدي" تتفاوت في جودتها استناداً إلى الفترة الزمنية التي كتبت فيها كل واحدة منها، كما يلحظ الأستاذ عبد الله الطنطاوي، فإنها تمضي في مجموعتها الثانية هذه صوب المزيد من الإتقان على كل المستويات الفنية التي أشرنا إليها قبل لحظات، الأمر الذي يمنح القارئ وعداً بأن (بشرى) ستأخذ موقعها المتقدّم إن شاء الله في ساحة هذا النوع الأدبي الذي قلّت فيه النساء وكاد صوت الرجل يعلو سائر الأصوات.

 

في واقعيتها البكر ـ إذا صحّ التعبير ـ تعرف (بشرى) كيف تختار موضوعاتها من صميم الحياة، ودروب الواقع اليومي ومنحنياته. إنها منذ مجموعتها الأولى تملك رؤية إيجابية بنّاءة بحكم بيئتها الإسلامية ومفردات الثقافة التي تلقّتها، وهي تعرف كيف تنتقي هذه الموضوعات. ومن ثم فإننا نتوقع آلا نجد في أي منها انزلاقاً باتجاه البقع السوداء في حياتنا الاجتماعية، كما يفعل الكثيرون ممّن يمارسون هذا النمط من الكتابة.

 

إذا تابعنا مجموعتها هذه: فإننا سنجد قصّتها الأولى "أيام الفرح في التراث" بلوحتيها تعكس لحظات الفرح في حياة الناس والمفردات التراثية التي ارتبطت بها وتمحورت حولها في القرية والمدينة على السواء. وتأخذ قصّتاها التاليتان "ريّا والمكتبة" و"الجمعية" بعداً توجيهياً صرفاً.

 

"الدرس" تضيف إلى البعد التوجيهي قيمة فنية باهتمامها أكثر بالعقدة، أما "تجدّد الأمل" فتكاد تكون من أكثر قصص المجموعة إحكاماً، وهي تنطوي على صدق فني ملحوظ؛ لأنها تعبّر عن لحظة عاشتها أديبتنا الصغيرة بكل تفاصيلها ومنحنياتها النفسية، ولقد انعكس هذا حتى على الأداء اللغوي الذي بلغ حدّاً كبيراً من الإتقان.

 

وتتدّفق القصص الأخرى تحمل الرغبة الصادقة في تأكيد القيم النبيلة الوضيئة في حياتنا الاجتماعية، وتكاد كل واحدة منها أن تكون مرآة نقية لهذه القيمة أو تلك. تتجاوز بها القاصّة حالة التجريد إلى التشخيص، بأن تكسوها لحماً ودماً من خلال الشخوص والوقائع والحوار ولحظات التآلف والوفاق أو التنازع والصراع.

 

ولمسات الالتزام الإيماني تنسرب في شرايين القصص، فتخفق في نسيج الحبكة حيناً وتقحم عليها حيناً آخر، إنما هي في كلتا الحالتين تعطي وعداً آخر بأن أديبتنا الصغيرة لا تريد أن تكتب قصصاً فحسب، ولكنها تريد أن توظف هذا الفن لرؤيتها الإيمانية للحياة والخبرات والأشياء. نلمح هذا بوضوح في "الشهادة" و"الحلم و"هو السلام" و"حب الوطن" و"وافرحتاه" التي تتعامل مع هموم القضية الفلسطينية، وفي "درس القطّة" التي تنعقد فيها الألفة بين البطل والقطة في ظلال الحديث المعروف لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وفي "عادة جاهلية" التي تدين التفريق غير المبّرر في دنيا الطفولة بين الذكر والأنثى. وفي "الصورة" التي تنتقد ذهاب الفتيات إلى المصوّرين لالتقاط صور لهن، فيما لم يأذن به الله ـ تعالى ـ ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

 

وفي كل الأحوال فإن ما يمسك حّبات المجموعة كلها: إنما هو البراءة التي تعرف الطفولة كيف تحتفظ بها نقيّة صافية كالبلّور.

 

وفي كل الأحوال ـ كذلك ـ يلحظ القارئ تطوراً ملحوظاً في الأداء الفنّي للقاصة، فيما يبدو واضحاً في قصصها الثلاث أو الأربع الأخيرة: "مشاعر أخت"، "الصفر"، "التجاعيد" التي تبلغ لغتها بوجه الخصوص مرتقى يثير الإعجاب.

 

***

 

تملك "بشرى" على صغر سنّها، خبرة جيدة بالحياة، وتعرف كيف تنتقي من تيّارها الصاخب اللحظات أو الموضوعات التي تصلح لأن تصير قصة قصيرة أو لوحة قصصية.

 

هذا ما تريد أن تقوله مجموعتها التي بين أيدينا. ولكن ما هو أهم من ذلك: أن القارئ يجد نفسه ـ بالفعل ـ إزاء صدق الطفولة وعفويتها وعشقها لكل ما هو نظيف جميل. إزاء البراءة الضائعة في أدب الكبار، والتوق العارم لحياة تشع وتتلألأ بكل ما هو نبيل وأصيل في هذا العالم.

 

أنجزت "بشرى" مجموعتها هذه وعمرها ثلاثة عشر عاماً. ونشرت العديد منها في الجرائد والمجلات، جنباً إلى جنب مع "الكبار". وأجرت العديد من المقابلات. قبلها بعام واحد كانت قد أنجزت ونشرت مجموعتها الأولى التي تضم اثنتي عشرة قصة قصيرة.

 

إنها، وهذه بداياتها، قدرة واعدة بالمزيد من العطاء والإبداع. وهي تقول في مجموعتها الأولى: "إن القصة هي تسليتي في وقت الفراغ، وإني أكتبها بمتعة وفرحة كبيرة تغمرني، وأحاول أن أجعلها فكاهية بعض الشيء.

 

"إن عالم القصة عندي هو فتحة صغيرة، سوف تقودني إلى عالم كبير وشيء جديد. إني أحبّ القصص منذ صغري، ولقد شجعني والدي ووالدتي..".

 

كلنا أحببنا القصص في طفولتنا إلى حدّ العشق. لكنْ كم منا من واصل الدرب لكي يكتب بدوره قصصاً!؟

 

إنها ـ حقاً ـ الفتحة الصغيرة التي ستقودها ـ بمشيئة الله ـ إلى العالم الكبير.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...