أعظم المعجزات الباقية على نبوّته عليه الصلاة والسلام هو القرآن الكريم

عالم الأسرة » همسات
29 - شوال - 1439 هـ| 13 - يوليو - 2018


1

في مجلس ذكر تحفّه الملائكة، في مجلس خير من الحياة الدنيا، وفي ندوة "ثلاثية" الأمير أحمد بن بندر السديري في الرّياض، التي يحضرها كوكبة من الأمراء والمفكّرين والمثقّفين والإعلاميّين: تأتي هذه المداخلة الحواريّة مع الشيخ د.عبدالمحسن بن عبدالله الزامل، المسؤول في إدارة الشؤون الدينيّة  في الأمن العام، ليحدّثنا عن بعض الروايات من دلائل النبوّة في سيرته صلّى الله عليه وسلّم.

  #  ما أهمية دراسة السيرة النبويّة؟ وما هدفنا من ذلك؟!

*موضوعنا هذا موضوع مهّم جدّا، فدراسة السيرة النبوية من أبرز عوامل انضباط الفكر والتصور الصحيح؛ حتى يسلم العقل أو الفكر من الانحراف، وكان الأئمة وأهل العلم إذا رأوا تشويشًا أو اضطرابًا في الفكر: نصحوا صاحبه بقراءة السيرة النبوية، وجوانب السيرة جوانب عظيمة وواسعة، والروايات في دلائل النبوة كثيرة وعظيمة، وعلاماتها واسعة، ونحن إذ نراها مسطورة في كتب أهل العلم، وندرسها ونركز عليها، فهدفنا أن نأخذ منها العبر والحكم لتكون نبراسًا لنا في طريقنا وسيرنا.

#  ما أبرز العلامات الباقية على نبوّته عليه الصلاة والسلام؟!

*أبرز وأعظم العلامات الباقية على نبوّته وسيرته - صلى الله عليه وسلم - هو القرآن الكريم، الذي بين أيدنيا لم يزل محفوظاً من الله سبحانه وتعالى :(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ الحجر: 9

     فالقرآن الكريم محفوظٌ لا يعتريه تغيير ولا تبديل، وتحدّى الله به المخالفين والمعاندين أن يأتوا بحديث مثله، أو عشر سور، أو سورة من مثله، بل تحدّى الإنس والجن أن يأتوا بمثل القرآن الكريم ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. وسيبقى القرآن الكريم محفوظًا لا أحد يستطيع تقليده إلى يوم القيامة.

# هل هناك جوانب أخرى من علامات النبوّة؟

*هناك الكثير من الدلائل والعلامات المتواترة لنبوّته صلى الله عليه وسلم، والتي لا يمكن حصرها، ونقلها الجمع عن الجمع، فالحجة قائمة، والدين بيّن، ومن تلك العلامات التي تتعلق بمسجده - صلى الله عليه وسلم – ما رواه البخاري وغيره عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِلَى خَشَبَةٍ، فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ فَجَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَنَّتْ حَنِينَ الْعِشَارِ حَتَّى وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ» وفي رواية للبخاري أيضا: كَانَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ قَبْلَ أَنْ يُجْعَلَ الْمِنْبَرُ"، فهو يُذّكر ويُحدّث على الجذع، ثم عُمل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - منبرٌ بثلاث درجات، يصعد على الدرجة الأولى، فالثانية، فالثالثة، ويجلس ليخطب في الناس، وحين جاوز صلى الله عليه وسلم جذع النخلة، صاح الجذع، وصار يئنّ، فرجع إلى الجذع، فأخذه وضمّهُ إليه كما تضمُّ الأم صبيّها أو جاريتها، وبدأ يسكنه، حتى هدأ وسكت. قال الحسن: بكى على ما فاته من الذكر الذي كان يسمعه حين كان صلى الله عليه وسلم يتكئ عليه؛ لأن التسبيح من الجمادات حقيقة على الصحيح. والمسلمون أحق أن يحنّوا إلى هديه وذكره - صلى الله عليه وسلم -؛ وهذه آية وعلامة عظيمة نؤمن بها.

وماذا من دلائل وإعجاز نبوّته في تكثير الطعام والماء؟!

*في حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما، في غزوة الخندق، كان الصحابة - رضوان الله عليهم - في شدّة وضيق، حتى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، وكانوا يتواسون لما أصابهم، واجتمع الرسول وصحابته وهم ألف رجل، وجعلوا يحفرون الخندق، وليس عندهم طعام، وتواصل العمل ثلاثة أيام، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينشد:

          اللهم إنَّ العيش عيش الآخرة       فاغفر للأنصار والمهاجرة

 

ويقول جابر بن عبد الله: يَا رسولَ اللَّه ائْذَن لي إِلى البيتِ، فقلتُ لامْرَأَتي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم شَيْئاً مافي ذلكَ صبْرٌ فِعِنْدَكَ شَيءٌ؟ فقالت: عِندِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبحْتُ العَنَاقَ، وطَحَنْتُ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللحمَ في البُرْمَة، ثُمَّ جِئْتُ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَالعجِينُ قَدْ انْكَسَرَ، والبُرْمَةُ بيْنَ الأَثَافِيِّ قَد كَادَتَ تَنْضِجُ. فقلتُ: طُعَيِّمٌ لي فَقُمْ أَنْت يَا رسولَ اللَّه وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ، قَالَ:"كَمْ هُوَ؟ "فَذَكَرتُ لَهُ فَقَالَ: "كثِير طَيِّبٌ، قُل لَهَا لاَ تَنْزِع البُرْمَةَ، ولا الخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتيَ"فَقَالَ: "قُومُوا"فقام المُهَاجِرُون وَالأَنْصَارُ، فَدَخَلْتُ عليها فقلت: وَيْحَكِ جَاءَ النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَالمُهَاجِرُونَ، وَالأَنْصارُ وَمن مَعَهم، قالت: هَلْ سأَلَكَ؟ قلتُ: نَعَمْ، قَالَ:"ادْخُلوا وَلا تَضَاغَطُوا" فَجَعَلَ يَكْسِرُ الخُبْزَ، وَيجْعَلُ عليهِ اللحمَ، ويُخَمِّرُ البُرْمَةَ والتَّنُّورَ إِذا أَخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ يَنْزِعُ فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ وَيَغْرفُ حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ مِنه، فَقَالَ: "كُلِي هذَا وَأَهدي، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ"متفقٌ عَلَيْهِ. وفي رواية: حين أتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لجابر: دع القِدر مكانه، فتفل الرسول (بالبرمة (برمة الطعام وقال: (تأكلون عشرة حتى تشبعوا ثم عشرة، حتى استكمل القوم وكانوا ألف رجل، وإنها لتزخر باللحم والخبر، فلم نزل نطعم جيراننا وأهل المدينة يومنا ذاك).

 وفي حديث سمرة: صلينا الغداة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ثم وضعت صفحة، فجعلوا يتحلّقون عليها عشرة، فعشرة حتى يشبعوا، ثم يتوالون عليها، فقال أحد الصحابة لسمرة من أين يستمد هذا الطعام؟ قال: من السماء!!

وجاء في الحديث الصحيح أنه حضرته الصلاة - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه معه، وقد زادوا عن ثلاثمائة رجل، ولم يكن عندهم ماء سوى وعاء صغير فيه ماء قليل لا يسع الكف، فأُخْبِر النبي - صلى الله عليه وسلم ـ، فوضع يده في ذلك الإناء، فجعل الماء يفور منه مثل الجبال، وقيل فار من أصابعه، وقيل حصلت في الماء بركة عظيمة.

 # أخيرا: هل لك أن تحدّثنا عن دلائل نبوّته في الحيوان والشجر؟!

*روى مسلم أن رجلاً من الأنصار كان له بستان، وله جمل يستاقون عليه، فصعب عليه حتى هاج هيجانًا عظيمًا، فأغلقوا باب البستان عليه، فجاءوا إلى النّبي - صلى الله عليه وسلم ـ، وأخبروه بشأن الجمل، فمشى الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى البستان، وفتح الباب ودخل، فلما رآه الجمل وكان هائجاً في آخر البستان: أتى إلى النّبي، واقترب منه، وسجد له، ودمعت عيناه، وهدأ، وأخبر عليه الصلاة والسلام أهل الجمل: أن يستوصوا به خيرًا.

 وجاء في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ قَالَ: "إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنْ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَعَادَ فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ"رواه الترمذي وصححه،(راجع أيضا دلائل النبوة للبيهقي 6/15 , والبداية والنهاية 6/143و311).

 وفي صحيح مسلم، من حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنها -  أنه كان مع أصحابه - صلى الله عليه وسلم - فأراد - عليه الصلاة والسلام - قضاء حاجته، فوجد شجرة صغيرة، يقابلها شجرة أخرى بعيدة عنها وبينهما واد، فذهب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى إحدى الشجرتين في الوادي، ثم أمسك بغصن من أغصانها وقال لها: انقادي إليَّ بإذن الله، وذهب إلى الشجرة الأخرى فأخذ بغصنها، وقال لها: انقادي إليَّ بإذن الله، فجعلت تشقّ الأرض فالتأمت الشجرتان حتى قضى حاجته، قال جابر: وأنا أنظر إليه، وحين انتهى أشار إلى الشجرة الأولى فابتعدت، وإلى الثانية كذلك حتى عادتا إلى مكانهما.

 وقال العلماء: إن الآيات والكرامات في أمّته - صلى الله عليه وسلم ـ، دليل على نبوّته لأنها تحصل بفضل الهداية بهدايته وسيرته فهو القدوة الأولى لهذه الأمّة، ومن ذلك كثير لا حصر له أيضًا فقد كان أبو ريحانة الأزدي في الغزو، وركب البحر، فارتجّ بهم حتى خافوا أن يغرقوا، فلما اشتد الموج قال: يا موج اهدأ، فإنما أنت عبدالله، فهدأ البحر.  وحين عاد إلى بيته، ودخله توضأ، وصلى ركعتين رضي الله عنه، فوجد الأنس واللذة في الصلاة، وجعل يقرأ القرآن حتى نسي ما به من التعب :﴿أَلَا بِذِكْرِاللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد: 28، فالتعب الحقيقي هو تعب القلوب، وليس تعب الأجساد.

      إن من يراه - صلى الله عليه وسلم - يأسر القلب؛ لأنه يدرك صدقه ورحمته مما يجعله يحبه، ولم يكن - عليه الصلاة والسلام - يغري أصحابه بالمال حتى يسلموا ويؤمنوا برسالته، ولكن كانوا يؤمنون لإدراكهم أنّ ما جاء به هو الحقّ.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...