التعليم في إسرائيل وتربية العنف

عالم الأسرة » رحالة
24 - ربيع أول - 1424 هـ| 26 - مايو - 2003


التعليم في إسرائيل وتربية العنف

 

المقدمة :

    لولا العنصرية والإرهاب والاصولية لما قام الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين على قدميه ، ولما بقي حتى الآن ، ولا شك ان أهم مغزى للعنصرية والإرهاب والأصولية هو التعليم اليهودي بشقيه العلماني الرسمي ، والديني التلمودي   الاهلي ، فالأول جعل محوره القومية اليهودية ، والثاني امتدت جذوره إلى التشريعات التوراتيه وتفسيراتها ، وكلاهما يتجهان إلى هدف واحد ، ويستعملان الوسائل نفسها ، ولكن الصهاينة – بعد أن أمسكوا بزمام الأمور – يخفون الأسلوب الإرهابي ، أو يدفعون بعض المنظمات والجماعات اليهودية إليه وسبر معالم التعليم الإسرائيلي بأبعاده الثلاثة العلماني والديني والقومي يزيح الستار عن حجم الأصولية وابعاد العنف وجذور العنصرية فيها ، ويعري الكيان الصهيوني المحتل في حاضرة ومستقبله ، ويكشف كيل الغرب بمكيالين ، ويقدم شهادات حية على إن التعليم العربي والإسلامي عنوان التسامح والسلام ، كما أن وجود التعليم اليهودي دليل من أدلة كثيرة على الفشل العربي المتواصل في تفعيل المعركة أو السلام مع الكيان الصهيوني المحتل ، وعجز في توظيف أهدافه اللاإنسانية وسلوكه من أجل إدانته ، أو ارهاقه عن طريق تقديم الوثائق والأرقام والصور عنه للمحافل الدولية وبرلمانات الدول والمنظمات الإنسانية والرأي العام العالمي ، وما تقدمه هذه المقالة لن يتجاوز النظرة العامة الخارجية لدور التعليم اليهودي داخل فلسطين في تربية العنف ولن تمس :

التعليم اليهودي المعاصر خارج فلسطين .

التعليم الديني اليهودي في فلسطين قبل عام 1948م .

التعليم العربي في ظل الهيمنة اليهودية في فلسطين .

تربية العنف من خلال قصص الأطفال اليهودية .

     نماذج من تربية العنف في المقررات الدراسية .

وجميعها تغرس بذور الإرهاب وان اختلفت الأسباب والوسائل والمبررات.

 

( التعليم الإسرائيلي )

 

     إن التعليم الإسرائيلي لايتجه إلى تربية الناشئة أو تثقيفهم أو تعليمهم بل يغذي الأجيال اليهودية القادمة بالعنف ، وكراهية الآخر المتمثل بالفلسطيني والعربي المحيط بالكيان الصهيوني المحتل ، ويقدم شرائح من الخريجين اليهود وقد تمكنت العنصرية المنغلقة والمتعصبة قومياً من عقولهم وقلوبهم ، فالتربية العسكرية ( عسكرة التعليم ) والأيديولوجية الصهيونية ، وعملية السلام ، وتاريخ تأسيس دولة اليهود في فلسطين لا يمكن أن تكون من الهوامش ، ولذا يربط التعليم القتل للآخر بالنصوص الدينية والأمثلة التاريخية وفتاوى الحاخامات حتى تحول القتل إلى عبادة ، ثم طبق ذلك كله على أرض الواقع فتمخض منه جيل عسكري لا يؤمن إلا باليهود وخصوصـيتهم ( شعب الله المختار) و ( أرض الميعاد ) و( بناء الهيكل ) و( إنقاذ العالم ) . أضافه إلى المحافظة على روح الكراهية اليهودية للأمم والمجتمعات الأخرى ، وتضخيم معاناتهم ، واحتكارهم للألم والتفوق والوحدة والتشتت مع ما يعضد ذلك من وجود إله خاص بهم مدجج بالسلاح يسره منظر الدماء.  

     ومن البديهيات إن لا تكون مناهج التعليم الإسرائيلية عادلة ما دامت تتحدث عن المستوطنات والهجرة وأرض الأجداد والقدس والحدود الآمنة وقانون العودة والحق التاريخي وأرض إسرائيل الكبرى ، وتقديم الحرب على أنها ضرورة حتمية للمحافظة على اليهودية واليهود وتحقيق خطة / إسحاق ليفي – وزير التعليم في حكومة نتنياهو والتي تهدف إلى ( خلق صلة وثيقة بين الطلبة والجيش ) من سن رياض الأطفال حتى مرحلة الدراسة الثانوية أو برنامج ( تعزيز الحافز والجاهزية للخدمة في الجيش الإسرائيلي ) ، ومن دلائل الظلم والعنف فيها أنها تتكئ على التوراة المحرفة والتلمود المقدس وتترجم ما فيهما من حكايات وقصص إلى صور حية تعبر عن منهج الكيان الصهيوني وسرّ بقائه وقد صرح / موشبه منوحن قائلاً [علمونا في الجمنازيوم إن نكره العرب وان نحتقرهم وعلمونا كذلك إن نطردهم على اعتبار إن فلسطين هي بلادنا لا بلادهم ] والمؤسف إن أسس هذه التعاليم سواء كانت صهيونية جديدة أو من ثمار ما بعد الصهيونية أو صهيونية كلاسيكية أو دينية أصولية فهي في كل الأحوال تجذر العنف وتدعو إلى الإبادة وقتل الشيوخ والنساء والأطفال وتمتد إلى البقر والحمير والشجر وتقدم على شكل عقائد ونصوص وتشريعاتيهودية للأطفال يجب الالتزام بها كما ورد في التوراة عن  " يشوع بن نون " المقرر في المرحلة الابتدائية ، ثم نجد على أرض الواقع تطبيق عملي معاصر لتلك الحكايات الباطلة ، حصار القرى الفلسطينية ، واغتيال الأطفال ، وترك الجرحى ينزفون حتى الموت ، وإعاقة سيارات الإسعاف وتأخير النساء الحوامل من الوصول للمستشفيات ، واقتحام المساجد والمدارس والكنائس .

     لذا كان التعليم الصهيوني والتلمودي فيما يطرحه في عقول التلاميذ اليهود الناشئين بعيداً كل البعد عن القيم الإنسانية الشاملة ، وعن لغة الخير ، والحوار ، والمحبة ، فالفلسطينيون في نظر الطفل اليهودي – من خلال التعليم ونتائج الاستبيانات – أشرار متعطشون للدماء ، يفضل أن يموتوا بالإيدز ، يسممون الفلافل ويحرقون الغابات ويجرحون الأطفال بالحجارة ، وتعضد ادعائاتهم التاريخية إن المواضيع المقررة تمس خطوط التماس بين اليهود والآخرين على أرض الواقع مع قناعتهم بأن ( إسرائيل مولود لاهوتي ناشئ عن المرويات التوراتية )(1) كما يزعم / توماس طومسون – أكاديمي وعالم آثار إسرائيلي – ومع ما يطرحه الكاتب الصهيوني / يجيئال ما يكل بنس من سؤال وجواب قائلاً :  [ بماذا يتميز الشعب اليهودي عن بقية الأمم ؟ للسؤال هذا جواب واحد :- إن الشعب اليهودي لم يولد ولادة طبيعية فولادته منذ البدء لم تكن طبيعية ، أي لم تكن مشاركة وتفاعل بين عامل الجنس والأرض بل بتفاعل التوراة والميثاق الديني ] (2) وينقل / إسرائيل شاحاك تبرير المتدينين اليهود في أهمية دعم دولة الكيان الصيهوني  للتعليم الديني واعفا المتدين من الخدمة العسكرية لأن [ اليهود ودولة إسرائيل اليهودية إنما توجد بسبب فضيلة دعمهم للدراسة التلمودية فهذا الدعم هو الذي جعل الله يقف بجانبهم وجعل إسرائيل تنتصر في حروبها ](3) كما أن التعليم لدى الكيان الصهيوني المحتل يعاني من صراع الجماعات اليهودية المختلفة   عليه ، وقد نجح حزب شاس في إبعاد وزيرة التعليم / مشولاميت الونى من الوزارة وجاء مكانها / يوسى سريد ، ونتيجة لهذا الصراع وبسببه ، يتعامل التعليم مع الطلاب بشكل غير متساوي ويزيد المساحات بين الفئات الاجتماعية وهذا ما أكده التقرير الصادر من مركز " أدفا " وقام بإعداده كل من / شلومو و/ اتي كونور عام 2002م بهدف كشف الفجوات الاجتماعية لدى اليهود في فلسطين وأكد أن معظم الطلاب الذين لم يحصلوا على الشهادة الثانوية يسكنون في المدن والقرى العربية وإن أغلب الطلاب المرشحين للمرحلة الجامعية تم رفضهم من القرى والمدن العربية ويأتي قبلهم اليهود من أصول أفريقية وآسيوية .

 

( التعليم الديني)

     هذه مشتركات بين التعليم الديني المستقل والتعليم الرسمي لدى الكيان الصهيوني في فلسطين ، ولكن التعليم الديني الأهلي يملك معالم اكثر تطرفاً ووضوحاً حيث يتجاوز التعليم الرسمي بما يلي :-

1-  انتظار المخلص ومالدية من صفات قتالية عالية .

2 -  الإرهاب المقدس تحت مظلة التوراة والتلمود .

3 -  رفض عمليـة السلام والانسحـاب من الأراضي المحتـلة عام 1967م

       انطلاقاً من نصوص وفتاوى دينية .

4 -  السعي في بناء الهيكل الثالث ، وللأصـولين اليهـود مدارس دينية مهتمة  

       بالهيكل ومنها مدرسة ( كوليل جليتسيا ) و ( ألون شفوت ) .

5 -  المدارس الدينية المستقلة أسسها ويشـرف عليها ويديرها الحاخامات على  اختلاف مشاربهم وطوائفهم المعاصرة في فلسطين .

     وكانت بداية التعليم الديني قديمة ، وفي فلسطين قبل تأسيس الكيان  الصهيوني ، ولكل جماعة من الجماعات اليهودية الدينية مدارسها الممثلة لها ، والمختلفة عن غيرها ، فمدارس ( اغودات إسرائيل ) تختلف عن مدارس ( غوش ايمونيم ) وكلاهما في حالة خلاف وصدام فكري وديني مع مدارس ( ناتوري كاراتا ) ، وبداية تحالف بعض التعليم الديني مع الصهيونية عام 1947م حينما اتفق الطرفان اليهوديان الأصولي ويمثله أعضاء من حزب ( اغوادات إسرائيل ) والصهيوني ويمثله ( ديفيد بن غريون ) على استقلالية التعليم الديني ودعم الصهاينة له رغم تنوعه وتعدد مدارسه (4) ، وفي عام 1951م تحقق للجبهة الدينية المتحدة أربع أمنيات ثمن ائتلافها مع الحكومة ، منها :

-استمرار الدعم المالي للمدارس الدينية دون إخضاعها لمراقبة الدولة العلمانية وإشرافها .

-تعيين شخص يهودي متدين في منصب وكيل وزارة التربية والتعليم (5).

 وفي عام 1953 صدر قانون التعليم اليهودي العام في فلسطين ، وتنص المادة الثانية منه على [ إن التعليم في دولة إسرائيل يجب إن يرتكز على قيم الثقافة اليهودية   والولاء لدولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتحقيق مبادئ الريادة في العمل الطلائعي الصهيوني ] (6) ، كما إن من أهداف التعليم اليهودي :-

    المادة الأولى (خلاص الشعب اليهودي يجب إلا يكون مجرد أيمان بالماضي بل يجب إن يؤثر على الحياة اليومية الراهنة ) .

     وجاء في المادة الثالثة ( يجب إن يخضع الحاضر لتقيم متواصل في ضؤ أحلام الشعب اليهـودي وذكرياته ويجب إن ينعكس الماضي اليهودي على النظام التعليمي الذي نحن بصدده ، لأن التأهيل التاريخي والذاكرة والاهتمام بالعمل والأيمان بتجدد المجتمع اليهودي المتكامل ، مقومات لابد منها لبناء فلسفة التعليم اليهودي ] (7) ومع مضى السنوات اخذ التعليم الديني المستقل ينمو و يستولي على مساحات اجتماعية وثقافية وسياسية ويمسك بزمام الشارع اليهودي في كثير من المستوطنات والأحياء الدينية الكبيرة في المدن مما دفع الأحزاب السياسية إلى التلطف في معاملته وتقديم الدعم له فتعمق وربا حتى اصبح اكثر عمقاً من التعليم الرسمي كما صرح بذلك / رفائيل آيتان (8) ، وانتقد اليهود العلمانيون هذا التوجه الرسمي والدعم المالي ، ففي دراسة ميدانية مقارنة بين الطلاب المتدينين والعلمانيين في القدس أجراها كل من ايلي بيرمان ومومي داهمان عام 1995م وجدا أن الدولة اليهودية في فلسطين تدفع 116 ألف شيك عن الطالب المتدين مقابل (52) ألف شيك للطالب العلماني ، وقد أسهمت وزارة شؤون الأديان منذ عام 1988 بتمويل دراسة (35) ألف طالب في مؤسسات التوبة ، وتبين معطيات الوزارة أن حوالي (5500) طالب جديد ينظمون سنوياً للمعاهد الدينية وإلى معاهد التوبة ، أما أعداد النساء فقد زاد عام 1994م بمقدار الضعف (9) وصرح / ران كسلون قائلاً :

     [ إن هذا المال يدعم المعاهد الدينية السوداء التي تحولت إلى طابور خامس داخل جهاز التعليم الديني ] (10) ومع هذا فقد كان لدى اليهود في فلسطين عام 1948 (50) معهداً دينياً وامتدت حتى بلغت (600  ) معهداً ديـنياً عام 1988 يزيد عدد التلاميـذ فيها كل عام ما بين ( 1300-1500 ) تلميذاً (11) ، ويرى الحاخام إسحاق هرتزوغ إن المدارس الدينية المستقلة [ تحتاج إلى عناية خاصة لأنها البقية الباقية من مؤسسات التوراة بعد مذبحة النازيين لليهود ، إن روح الشعب اليهودي ذاتها متوقفة على بقاء هولاء الطلاب فإذا انشغلوا ولو بتعبئة بسيطة فأن الاضطراب سيقع بينهم ] وحينما انتقد / إسحاق شامير المدارس الدينية بأسلوب غير مباشر وألمح إلى إعادة النظر فيها رد عليه الحاخام/ اليعاز شاخ      [ في حالة تمرير قرار ديكتاتوري ضد المدارس الدينية المستقلة فإنه سوف لا يبقى طالب واحد في هذا البلد ، ومن دون دراسة التوراة سوف لا يكون هناك شعب يهودي ] ثم أضاف [ أن أبناء التوراة سوف لا ينسون أرض إسرائيل لكنهم سيهاجرون وينفون أنفسهم من أجل أن لا ينسى شعب إسرائيل التوراة ] (12) .

    ومن زاوية أخرى وصفت صحيفة ( همحاهحربيدي ) الدينية في تاريخ 25/5/1988م تعرض أطفال اليهود للسبي على يد التعليم الرسمي قائلة ( ليس هناك من تعرض للسبي أكثر من الجماهير اليهودية التي تلقت تعليماً غربياً رسمياً إلى أن أصبحوا أغيار مثل جميع الاغيار ، وهذا الجرم والإثم لن يغفر للنظام العلماني في دولة إسرائيل وسيُذكر في التاريخ اليهودي على أساس أنه عار   أبدي ) (13) .

     ورغم مساعدة الحكومة للتعليم الديني وتنازلاتها المؤدية إلى توسعة وزيادة الإقبال عليه فأن أهم الدروس الدينية فيه تؤكد لجميع الطلبة إن دولة اليهود المعاصرة لا تتوفر فيها الشروط الدينية ، وحكومة الكيان الصهيوني كبقية الحكومات العلمانية الأخرى بالنسبة لليهود لأنها تفتقد الشرعية التوراتية وقداسة الدولة الدينية ، وفي المقابل ظهر على السطح شرائح علمانية يهودية خائفة تحدر من هذا التوجه ، وترى من خلاله العنف اللائهاني على التيارات اليهودية المختلفة القومية والعلمانية والإصلاحية والمحافظة ، وأنشاوا جمعيات يهودية مضادة لها كـ ( جمعية مناهضة القهر الديني ) وتبقى رهبة هذه الشرائح يسيرة بالنسية لما يعانيه غير اليهود فـ / داني روبنشتاين يرى ( أن الشبان والأولاد الذين يتلقون تعليمهم في المدارس الدينية التابعة لحركة بني عكيبا يفسرون أقوال الحاخامين بشكل عنصري بسيط ، وهو أنه لا ثقة بالعرب حتى بعد موتهم بمئة عام ، وأن العربي الجيد هو العربي الميت ) ، ثم ان الاحتجاجات العلمانية لم تعيق مسيرة التعليم الديني اليهودي ، أو تقلل من غلوه ، أو تقيد من تعاطف الأحزاب السياسية معه ، فمن خلال المهارة العالية لحزب شاس استطاع ان يقتطع منالميزانية العامة ( 50 ) مليون شيك للإنفاق على التعليم الديني لديه مقابل موافقة الحزب على موازنة الدولة عام 2000م ، وبلغ عدد مدارس الحضانة التابعة له (486) و(682) روضة أطفال و(146) مدرسة ابتدائية و 120 مدرسة ثانوية ووصل عدد المنتسبين إليها (111) ألف طالب عام 2000م ، وحينما وقع / آرييه درعي العقل المدبر لحزب شاس بين أنياب المحكمة العليا بتهمة الاختلاس من المال العام دفع عنه الحاخام / بارشالوم – بقوة – وقال ربما لم يكن درعي أفضل إنسان على الأرض ولكن لم يأخذ هذه الأموال ويضعها في جيبه الخاص ، فقد منحها للمدارسالدينية التي لولاه لما كان يوجد في إسرائيل الآن (83) ألف طالب توراة في هذه المدارس .

   

 ( خصائص التعليم الديني )

 

     التعليم الديني اليهودي يواصل تمادية بتربية طلابه على منهج العنف وينطلق من أصول دينية واضحة المعالم تعبر عنها جميع مراحل التعليم و ما فيها من دعم الإحساس بالاضطهاد وبغض الآخر وغرس الكراهية والحقد ، والتأكيد على أهمية العنف والإرهاب وتكريس العنصرية والتفوق وتشويه العرب والإسلام   والمسلمين ، ثم ان التعليم الديني يفتح أبوابه للطلبة اليهود من خارج فلسطين ، ممن فضلوا الابتعاد عن البيئة الغربية المتفسخة المنفتحة ، فمدارس الطوائف             ( الحسيدية ) و ( الحريدية ) تستقبل الطلاب اليهود من خارج فلسطين وتأمن لهم السكن والعزلة المطلوبة ، وقد تكون أعمارهم في حدود العشر سنوات ، وأحياناً يستقبلون  الفتيات .

      ومن النادر جداً إن يكون في المدارس الدينية علوم معاصره لأنه (من غير الممكن إن تدخل كلمات التوراة قلوب الأطفال عندما يكون الذهن مملوءاً بأشياء أخري) كما يرى / إسحاق مئيُر مؤسس طائفة "غر" (14) ، ونتيجة لذلك اصبح اليهود المتدينين والذين اخذوا العلم من المدارس الدينية الأهلية يعارضون وبشده توجهات اليهود القومين والعلمانيين ويرفضون الديمقراطية والأنماط الغربية بأنواعها وبلغ التزمت بالمتدينين في مدينة ( نيتفوت ) اليهودية في فلسطين إلى رفض إقامة مدرسة عامه عليا ( كلية ) لكي لا تتلوث المدينة بمواد علمانية كا لكيمياء والفيزياء و الرياضيات ، ولذا اصبح من أهم مهام المدارس الدينية تقديم تعاليم التوراة على قوانين الدولة ، وفتاوى الحاخامات على الأوامر العسكرية ، وإعداد الكوادر الشبابية العملية للتيارات والمنظمات الإرهابية اليهودية المستقلة كـ (منظمة الشعب الحر) و(كاهاناحي) و(اذرع الأيمان) و(ميليشيا الأخلاق) و(يد الأخوان) و(حركة بيثار) و(أرض إسرائيل الكاملة) و(أمناء الميثاق) و(أمناء جبل الهيكل) و(حركة العودة) و(منظمة أياد لاحيم) و(جماعة الجرد يليم) و(حزب القدس الموحدة) و(منظمة ما عتسى) و(طائفة الحشمونيون) و(جماعة القدس المتدينة ) والقائمة طويلة جداً ، و ( هؤلاء الشباب يتعرضون لعملية غسيل مخ حقيقة ، أنهم يخضعون لنظام صارم في المعاهد الدينية حيث يتعرضون لكل أنواع الضغوط النفسية ، وخلال أسبوع واحد يتغيرون تغيراً كاملاً ويخرجون وقد فقدوا ذكاءهم ولم يعد ممكناً التعرف عليهم ) (15) ، مع ملاحظة ان أسلوب اللطف والتدرج يتم الأخذ به في الاعتبار أحياناً ، فمثلاً حدود دولة اليهود يجب أن تمتد شمالاً إلى لبنان في نظر الكثير من الجماعات الدينية ، ومنها غوش ايمونيم ، ولكن الواقع لا يسمح بذلك و/ يعقوب أريئيل يحدد المشكلة ويضع الحل قائلاً :             ( مشكلتنا اليوم هي كيف نربي الناس … من المهم جداً أن يتعلم شبابنا أين هي حدود أرض إسرائيل ، إلا ان نقل هذه الحقيقة يجب ان يكون بالتدريج . ينبغي لنا ان نرجع إلى ما تعلمناه في دار الدراسة من الحاخام تسفي يهودياً ، شيئاً              فشيئا … ، إذا شئنا ان نوصل أفكارنا إلى الجمهور فمن المحال أن نعبر عنها في تمامها فالأذن لا قِبَل لها بسماع الضجة العظيمة ) .

     وتميزت المدارس الدينية اليهودية المستقلة في فلسطين بالخصائص التالية :-

أ  -  أنها تقدم الدروس الدينيـة فقط ، وهذا (الاستبعاد للمواد العلمانية لا يشمل

       فقط الرياضيـات وكل العلـوم واللغات الأجنبية ولكنه يشمل – أيضا -  

       الآداب العبرية التي تشتمل على الشعر الذي يتناول الموضوعات الدينية

       وقواعد اللغة والتاريخ اليهودي ) (16) .

ب -  إن المرجعية للطلبـة فيـها ليس للوالدين ولا للدولة إنما لرجـال الدين

       ( وسلطـة المعلم تكون شامله ومطلقـة تقريبـاً ويقوم المدرس باختيار

       زوجات الطلاب ) (17) .

ج -  أنها تعيش في جو من العزله عن البيئة المحيطة بها حيث ( يحضر على

       الطلاب القيام بأي اتصال مع غير المؤمنين ) (18) .

د -   أنها عنوان فشل جميع المحاولات الرسمية لفرض تعليم موحد على جميع

       السكان (19) .        

هـ-  أنها خلف المواقف والعمليات الإرهابية العنيفة كالمحاولات المتكررة في  هدم الأقصى والهجوم على الحـرم الإبراهيمي ومقتل رابين وتقدم حزب شاس ، وتأييـد 80% من المجتمـع اليهـودي في فلسطـين لشـارون وإجراءاته الدموية ضد انتفاضة الأقصى .

و –   قام بتأسيس المدارس الدينية الحاخامات وتولوا الإشراف عليها وأحياناً     إدارتها ، فالحاخام / تسفى موشيه نيريا حاخام المدرسة الدينية                     (بني عكيبا) ، والحاخام / كوك الصغير رئيس المدرسة الدينية                    ( مركازهراب ) والحاخام / اليعاز رشاخ رئيس المدرسة الدينية (بونيبج) وهكذا ..

 

( أبعاد التعليم الديني وثماره )

 

    الطلاب المتدينون قد نجدهم على شكل مجموعات في هذا الشارع أو ذاك ، بالقرب من مساكنهم أو مدارسهم ، على رؤسهم القبعات السوداء ، يتلون مقاطع من المزامير بأصوات خافته ولكنها مسموعة ، في حالة انفصال تام عن الواقع ، بيوتهم خالية من أجهزة الحاسوب والتلفاز ، يفصلون بين البنين والبنات ، نسائهم تلبس الملابس الواسعة الداكنة ، ويرون أن الأرض مسطحة ، انهم بدون لغة ومهنه ومعرفة دنيوية ، انقطاع تام عن العالم ، بل عن المجتمع الذي يحيط بهم ، ووظيفتهم لا تتجاوز تلقي الدروس الدينية وإنجاب الأطفال واحتقار الفلسطينيين ورفض السلام وانتظار المخلص ، يتحدث / يهودا عتسيون – من أحد          المنظمات اليهودية الإرهابية قائلاً :- ( إن مصدر سلطاتنا سيكون تطوعنا من اجل القدوس ، لأننا ما جئنا إلا لنعيد إسرائيل إلى غايتها وقدرها الحقيقيين التوراة و القداسة ) وهذا ما دفع البروفيسور اليهودي / يشعيا هوليو فيتش إلى نقد التربية الإسرائيلية [ وأنها لا تقيم يهودية متكيفة مع الواقع الحالي ، وتوظف الهروب إلى الماضي كدواء لعدم مواجهة المشاكل والأزمات ] (20) ويرى العالم اليهودي / داني رابينوفيش – من الجامعة العبرية – بأن تنشئة الأطفال على أساطير الروح القومية البطولية هي بمثابة إعطائهم حليباً مسمماً ، وحزب شينوى ( التغيير ) حزب علماني يهودي يقف أمام الأحزاب الدينية في انتخابات عام 2003م ويصفها بالمافيا ، وشعاره ( حرية دين وحرية من الدين ) ، ومن مواقفه رفضه وجود             ( 100) ألف طالب دين يهودي يتلقى كل واحد منهم مساعدة شهريه تتراوح ما بين  (40) ، (60) دولار مع إعفائهم من الخدمة العسكرية ، ومع هذا التوجه الديني القائم والذي يسعى – وبنجاح –إلى خنق التيار الصهيوني والعلماني والتقليدي داخل الكيان الصهيوني ، وتركيز المناهج والبرامج المقدمة للأطفال ( على الفصول التي تتحدث عن أهمية الحرب والعنف في التوراة لتنمية الروح العسكرية وتنمية عدم بشاعة القتل لدى اليهود إذا كان ذلك في سبيل قيام دولة إسرائيل ) (21) فالطفل اليهودي يعّد ليكون ( عدوانياً استفزازياً فمفاهيم القوة والعنف والعداوة هي الأهداف الرئيسية لكل الوسائل التربوية والثقافية المعرفية التي تستخدم في تربية الطفل الصهيوني في إسرائيل ) ويعبر عن ذلك صراخ إحدى المربيات في مدرسة للأطفال أمام أم جاءت لرؤية ابنها قائلة :  ( إنهم ليسوا بحاجة لكم ، لم يولدوا ليأخذوا الحنان ، ولدوا ليخافوا الواقع ويجابهوه ، إنهمليسوا أطفالكم ) ونتيجة لهذا توصلت الدراسة التي أجرتها اليهودية / رمبرتا كرامر – من جامعة تل أبيب – على (485) تلميذاً في الصف العاشر إلى أن :

42 %  يعتقدون أن العرب ليس لهم حق الدراسة في الجامعات .

60 % يرون عدم منح العرب مساعدات في مجال السكن .

70 % لا يعترفون بالعرب كمواطنين متساوين في الحقوق .

80 % يرون أنه ليس من المرغوب به أن يختلط العرب واليهود معاً (22) .

   وهذا يؤشر مع – الأسف – إلى معلم من معالم ضعف العرب وبذاءة الإسرائيليين في ميدان التعليم ، فرواد التعليم الصهيوني يعلمون أطفالهم كراهية العرب وتشويه صورة المسلمين ، ويطالبون – في الوقت نفسه – بتربية أطفال العرب على حب الإسرائيليين وغرس بذور السلام وقبول الآخر ، ونظرة عامة على كتب التاريخ المقررة في مدارس الكيان المحتل تتضح معالم مهمة                         من أهمها :

1-اختلاط حدود الذاتية والموضوعية التاريخية .

2-تسيس المعلومات التاريخية .

3-الانتقائية .

4-إضفاء الشرعية على سلوك الكيان المحتل واسقاطها عن الفلسطينيين . (23)

فالتاريخ كعلم يهدف إلى معرفة الذات والآخر من أجل التعاون والتنافس   والتعايش ، ولكن هذا لا يتحقق إذا كان تدريس التاريخ في المدارس اليهودية المعاصرة في فلسطين ، فأهداف تعليم التاريخ تتجه إلى وصف اليهود على أنهم ( ملاحقون منذ فجر التاريخ ، وهم ضحية ، وذلك لأن لهم قدرات وميزات تفوق شعوب الأرض   كلها ) ثم تؤكد تفوق النخب اليهودية وهذا ( يمنحها مكانه متميزة تدفعها نحو احتكارية الأحداث ، وان هذه الأحداث تدور في فلك اليهود وإسرائيل ) . (24)

   وامتدت أثار التعليم اليهودي الديني ومناهجه وثماره إلى خارج الحدود فالتنازلات الحزبية السياسية والدعم المالي للمدارس الدينية من الداخل والخارج يتواصل والتودد لهم مستمر والشوفينة تنمو ودارس التلمود في فلسطين معفى من الخدمة العسكرية ومن الضرائب ، وتجاوز التعليم الرسمي الصهيوني وكما قال سبرنزهاك : ( في وقت كان فيه النظام التعليمي العام في إسرائيل يمر في حالة تراجع عام في الطموحات ، تمكن المتدينون الوطنيون من تجاوز هذه العملية والظهور بدلاً من ذلك أقوياء ومتحدين . ومن حول هذا النظام التعليم القوي ، ظهرت أنماطمن السلوك والحياة عند الإسرائيليين الذين حافظوا على دينهم ليس فقط في البيوت والمعابد وإنما أيضاً في مواجهة المستقبل ، وهؤلاء الإسرائيليون حرصوا حرصاً شديداً على ضرورة إلتزام أولادهم المناصرين لهم بهذه الأنماط تخليداً لطريقتهم في الحياة ولهذا الغرض رسم هؤلاء الإسرائيليون طريقاً واحداً يمتد من مدارس الروضة إلى الكليات أو  المعاهد ، وربما يمكن ملاحظة تلك الدلائل الرئيسية على نجاح هذه الخطوة العظيمة من خلال الهيبة التي تتمتع بها مهنة التعليم ، وفي التعليم العلماني في إسرائيل اليوم ، يبدوا أن التعليم فقد هيبته التي ارتبطت به في زمن الهجرة اليهودية الأولى السابقة على الدولة ، وفي هذا اليوم أصبح التعليم العلماني مهنة المرأة ، في حين أنه فيما يتعلق بالتعليم الديني فلم يفقد التعليم شيئاً من هيبته ومكانته في سلم المنزلة الاجتماعية ، ويواصل المتفوقون من طلاب المدارس والأبناء الالتحاق بالمعاهد أو الدراسة من أجل أن يصبحوا حاخامات ، وهم لا يترددون في العودة إلى التدريس في كافة مستويات النظام ، ويجتمعون مع بعضهم البعض ، ويقيمون علاقات للزواج وينتمون إلى جماعة واحدة ) (23) ، والواقع – بإبعاده – سيبقي هذه المدارس ودعوتها إلىالعنف والعنصرية وتأصيلها في نفوس أطفال اليهود وربطها بالدين بعيده كل البعد عن العيون الأمريكية ومكافحة الإرهاب والشعوب المارقة ومحور الشر وقوانين حقوق الإنسان وقانون الاضطهاد الديني الأمريكي ما دمنا بعديدين عن ميدان المعركة الحقيقي وآلياتها المعاصرة .

             

الإحالات

   

1-د/ ربيع الدبس ( الصهيونية المغلقة في عالم منفتح ) م/ الكاتب العربي عدد 53 صـ 28.

2-السابق .

3-شاحاك ، متسفيسكي ( الأصولية اليهودية) صـــ 67 .

4-توم سيغف ( الا. شاس ) صـ 45 .

5-د/ اسعد رزوق ( قضايا الدين والمجتمع في إسرائيل ) .

6-خليل السواجري ( التربية العنصرية في الكيان الصهيوني) الكاتب العربي  عدد 53  صـــ 219 .

7-السابق .

8-يشعياهو ليغمان ( العلاقات بين المتدينين والعلمانيين في إسرائيل ) صـــ 64 .

9-شاحارا ايلان ( الدولة تنفق أموالاً طائلة على مؤسسات التوبة الدينية ) صحيفة القدس 3/4/1998م .

10-يشعياهو ليغمان ( العلاقات بين المتدينين والعلمانيين في إسرائيل ) صـــ 67 .

11-السابق .

12-جعفر هادي حسن (طلبة المدارس الدينية ومشكلة خدمة الدولة ) صحيفة الحياة .

13-يشعياهو ليغمان ( العلاقات بين المتدينين والعلمانيين في إسرائيل ) صـــ 47 .

14-جعفر هادي حسن ( اليهود الحسيديم ) صـ 193 .

15-أيما نويل هيمان ( الأصولية اليهودية ) صـــ 103 .

16-شاحاك ، متسفيسكي ( الأصولية اليهودية ) صــ64 .

17-السابق صــ 65 .

18-السابق .

19-توم سيغف ( الا. شاس ) صـ 47 .

20-صحيفة عكاظ (إسرائيل .. والإسرائيليون …. ) 9/2/1423هـ .

21-المفتى ، زبادي (فلسفة وأهداف تربية الطفل اليهودي في فلسطين) صــ 112.

22-ذيب علي حسن ( تربية الحقد والعنصرية ) مجلة المنارة عدد 67 مارس 2001م .

23-انطون شلخت ( مناهج التعليم الإسرائيلي ) مجلة قضايا إسرائيلية العدد الثالث              2001م صـ87 .

24-د. جوني منصور ( كتب تدريس التاريخ في المدارس العبرية الإسرائيلية ) مجلة قضايا إسرائيلية العدد الرابع  2001م  صـ 97 .

25-لورانس ماير ( إسرائيل الآن .. صورة بلد مضطرب ) صــ 419 .



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- بدويه زعيمه - أخرى

07 - جماد أول - 1428 هـ| 24 - مايو - 2007




والله انها عنصريه لكن ما عاش اللي يذلنا احنا العرب الاصليين

-- بدويه زعيمه -

07 - جماد أول - 1428 هـ| 24 - مايو - 2007




سوف ياتي اليوم الاسود لليهود لناخذ حقنا منهم والله العلي العظيمممم

-- نشوى عماد محمد - مصر

09 - جماد أول - 1431 هـ| 23 - ابريل - 2010




حسبى الله ونعم الوكيل وبكرة حيجى اليوم اللى حناخد حقنا منكم

-- sihem - الجزائر

18 - ربيع أول - 1434 هـ| 30 - يناير - 2013




ربي هو العالم وهو الدي يسير في الامور ادعو الله لي ولكم بالثبات في الدين والعمل الصالح الى يوم الحساب.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...