أطفال فلسطين يتعلمون الصبر على واقعهم في مدرسة الصيام!

أحوال الناس
09 - رمضان - 1428 هـ| 21 - سبتمبر - 2007


1

فلسطين ـ ميرفت عوف: كانت تطل برأسها من نافذة المنزل، بيدها بعض من حبات التمر والأخرى تحمل كوباً من ماء وعيناها ترقب حركة الشارع التي اتجهت نحو الهدوء واسترقت السمع بإذنيها إلى مدفع آذان  المغرب ليعلن فرحتها بانتهاء يوم صوم طويل على بنيتها الجسدية التي لم تتجاوز الخمس وعشرين كيلو جراماً.

 أسماء ابنة مخيم الشاطئ الصغرى المدللة لدى عائلتها ما إن انطلق لسان المؤذن "الله أكبر الله أكبر" حتى تلونت عيناها بالفرح وبللت معدتها بكوبٍ من ماء بعد دعاء بلدغة صغيرة  "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر بإذن الله" قالت أنها في التاسعة من عمرها لم تصل بعد من العمر ما يجعل الصيام فريضةً لها إن تركته تؤثم عليه لكنها أرادت أن تشارك عائلتها الصوم بعد أن ربوا فيها حبه طوال سنوات ماضية، وتضيف:"في الأيام الأولى للصوم أرهقت جداً رغم أنني تناولت طعام السحور لكن سرعان ما اعتدت عليه "، وتستطرد:"يشجعني أهلي على الصوم"، مشيرة أنها لا تستمع بأجواء رمضان في اللعب واللهو بالفوانيس والخروج مع صديقاتها في الحارة إن لم تكن صائمة.

أما والدها أبو شادي فيحرص على تثبيت ابنته على فريضة الصيام من صغرها كما فعل مع بقية أبنائه لجعلها إلى الله أقرب وتشب فتاة صالحة مؤكدا أن الصيام يربي في شخصية الطفل الكثير من الملامح الجيدة والمفيدة على مدار العمر أهمها تعلم الصبر ومشاركة الغير فرحته وألمه فبصومها وشعورها بالجوع رغم أنه مباح لها تناول الطعام مشاركة لأولئك الفقراء الذين طالما شعروا بالجوع ولم يجدوا من يسد رمقهم، ويتابع الأب:" لم أعمد إلى إجبارها على الصوم يوماً كاملاً بل كنت في كل عام أزيد لها مقدار الصوم البداية كانت من الصوم منذ الصباح حتى آذان الظهر ومن ثم الإمساك عن الأكل حتى العصر دون تناول المزيد من الأطعمة والحلويات، لافتاً أن الطفل الفلسطيني وطبيعة الظروف المريرة التي يعيش فيها تجعلنا نستغل شهر الصوم لتعويد أطفالنا الصبر على المعاناة والألم وزيادة قدرتهم على التحمل ليستطيعوا مواجهة معترك الحياة إذا ما ضاقت بهم سبل العيش، وحول تشجيعه لابنته على الصوم يقول الرجل:" أثنى عليها أمام أقرانها والعائلة فتشعر بالسعادة وأما عن التعزيز المادي فأجلب لها مثلاً قطعة حلوى شهية جزاءً على صبرها وصومها أو أشترى لها دمية تحبها ".

 مدرسة عظيمة

رئيس لجنة الإفتاء بالجامعة الإسلامية بغزة د.ماهر الحولي يؤكد لنا أن شهر رمضان الكريم مدرسة عظيمة في مجالات عدة للصغار والكبار، ويقول:" أنه يجب على أولياء الأمور الانتباه وإعطاؤه أهمية كبيرة جداً لأن في الصيام صبر على الجوع والعطش وصبر على ارتكاب الآثام والمعاصي، ولذلك فإن الطفل الذي لم يفرض عليه الصيام إذا ما درب في صغره كما هو الحال في الصلاة فإنه يشب على حب فعل عبادة الصيام وتترسخ في قلبه"، وتابع قائلاً "يجب على أولياء الأمور اتخاذ رمضان نقطة ومحطة قوية لتربية أبنائهم على الصبر وتحمل المشاق بوضع برنامج لأطفالهم بالصيام قدر استطاعتهم، فيبدأ الوالدين بإيقاظه لتناول طعام السحور لما فيه من المشقة وأيضاً الصيام إلى وقت محدد وعدم الإكثار من الأكل حينما يأكل بعد الفترة التي حددها لها الوالدين للصيام بالإضافة إلى إيجاد الأسوة والقدوة الحسنة أمامه من أولياؤه في هذا الأمر.

وعلى الجانب الأخر يرى د. الحولي أن رمضان درس للأطفال ليتعلموا ويتعودوا على  الصدق والمسامحة والكلمة الطيبة وأن يبتعدوا قليلاً عن اللهو واللعب باستشعار قداسة وعظمة الشهر المبارك، إضافةً إلى أنه نقطة في حياة الطفل لتدريبه على الصيام يشكل محطة لاستشعار آلام الغير ومحاولة تخفيفها بقدر المستطاع في إطار التواد والتراحم والتكافل حيث يعمد أولياء الأمور إلى إشعار الطفل بما يعانيه الفقراء والمساكين والمرضى فكونه يمتنع عن الطعام والشراب مع إباحتها يجب أن يرافقه توجيه من أولياء الأمور بإخباره أنه هكذا كان يعاني الفقر عندما لم يجد الطعام والشراب والكسوة والمسكن.

برمجة وعملية داخلية

يرى أستاذ علم النفس د. سمير زقوت أن الأسرة المسلمة تعود أطفالها في سن مبكر الصيام ليس تدريب فقط وإنما هي عملية حث على الصيام في إطار برمجة عصبية وعملية ثقافية ترتبط بالتقاليد والنظرية الاجتماعية التي تحدث عنها عالم النفس المشهور باندورا الذي رأى أن عملية التنشئة الاجتماعية تتم عن طريق التقليد والمحاكاة.

يقول د. زقوت أن رمضان يبدأ منذ الصغر مع الإنسان وتصبح العملية عملية مرتبطة بحياة الإنسان وثقافة الإنسان وتربيته وتنشئته لافتاً أن مدرسة رمضان مدرسة خطيرة في العالم الإسلامي فهي تعلم الأطفال شيئاَ رائعاً يكمن في وجهة الضبط موضحاً أنها من الناحية النفسية تكون بزاويتين الأولى داخلية والأخرى خارجية وبشيء من التوضيح قال:" إذا كانت وجهة الضبط لدى الإنسان داخلية يصبح في مستقبل حياته إنساناً مسئولاً إنساناً قادراً على تحمل المسئولية وقادراً على الفعل في المجتمع بينما إذا كانت لديه وجهة الضبط خارجية يصبح الإنسان مرهونة بالخارج ومن يحيط به في المجتمع والحياة "، وعاد ليؤكد بقوله "لذلك كان دائماً رمضان مدرسة تحمل المسئولية" ويشير إلى أن الإنسان في المجتمع المسلم يتعلم أن يكون ضبطه من داخله وليس من خارجه وهذا ما جعل المسلمين رغم كل ظروف القهر والاحتلال لديهم قدرة عجيبة وقدرة غير عادية على المقاومة والاستمرار.

ويوضح زقوت أن كثير من الشعوب اندثرت نتيجة لوجود الاحتلالات المتواصلة، غير أن الشعوب الإسلامية تستطيع عبر هذه المدرسة"مدرسة رمضان" المستمرة عبر التاريخ منذ 1430سنة تقريباً أن تجدد في الأمة قدرتها على التحمل وأن تكون وجهة الضبط لهم داخلية وليس خارجية.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...