صفحة مجهولة من إبداع إبراهيم ناجي الساخر!

ساخر » الحرف الساخر » الكتابة الساخرة
11 - ذو القعدة - 1428 هـ| 21 - نوفمبر - 2007


1

يقول إبراهيم ناجي في خطاب وجهه إلى عبد العظيم عبد الحق بك وزير التموين، نشرته مجلة «الاثنين والدنيا»، العدد (762) الصادر في 17/1/1949م، ص 22، تحت عنوان «قصيدة تموينية»، هذا نصها:

          إن «جاز»(*) أني شَـــاعرٌ

                   فأراك في «التموينِ» أشعرْ!

          لما ندبتَ لهُ هتَــــفْـ

                   تُ مكرراً: اللهُ أكبـــرْ

          سيفيضُ في ساحاتهِ «الــ

                   بترولُ» والشَّهْــدُ المُكرَّرْ

          ويذوبُ فيه النَّــاسُ طُرًّا

                   هائمينَ فأنتَ سُــــكَّرْ

          ويروا «دقيقَ» الفهْـمِ لمّـ

                   احَ البصيرةِ حيـــنَ فكَّرْ

          أنا منْ مدحتُك صَـــادقاً

                   عقلاً مضيء الفكرِ أزْهَــرْ

          و«بطـاقتي» وبكل جهــ

                   دي قد وصَـفتُ وأنتَ أكْبرْ

          «عِشْ» للبــــلادِ فإنني

                   بك ما حييتُ العمْرَ أفْــخرْ

          «خُبزي» هَـــوَاكَ وإنني

                   لك دائماً أهْـــوى وأذْكرْ

وفي مجلة «الاثنين والدنيا»، العدد (769)، الصادر في 7/3/1949م، كتب إبراهيم ناجي مقالاً طريفاً بعنوان «لغة الجزم»، هذا نصه:

«للأحذية أو «الجزم» لغة خاصة لا يفهمها إلا قليلون، ومع ذلك فهي لغة بسيطة يسهل تعليمها لكل إنسان، فيصبح في استطاعته أن يعرف كل شيء عن كل شخص من أول نظرة يُلقيها على حذائه أو « جزمته» .. وهذا لون جديد من ألوان الثقافة والمعرفة!

البوز الرفيع:

يقول لك الحذاء ذو البوز الرفيع:

ـ أنا أكثر الأحذية رواجاً وانتشاراً، وأحبها إلى قلوب اللابسين والناظرين، والسر أنني أنيق « مسمسم » التقاطيع، ثم إن أكثر أصحابي عشاق جمال ـ أو عشاق مظاهر ـ ولا تنس أنهم جميعاً قلة نادرة، لقلة الأقدام التي تتمشى مع طبيعة البوز الرفيع! ..

البوز العريض:

ويلوي الحذاء ذو البوز العريض «بوزه» قائلاً:

ـ لم تعيب عليَّ صرامة وجهي، وعرض بوزي؟! .. ألا تعلم أن فلسفتي عملية لا مظهرية؟!.. إن الذي يلبسني رجل يقدر الحقائق، ولا يعبأ بالمظاهر، ويتمسك بالأسهل والأصلح، وإن خالف بذلك أكثرية الناس.. إن صاحبي رجل يؤمن بأن الحقيقة في اللب لا في القشور، وفي المخبر لا في المظهر.

مركب النعل:

ويقول ذو النعل المزدوج:

ـ هناك صلة كبيرة بين «مركب النعل» و«مُركّب النقص»، فالذي يلبسني إما قصير يريد أن يعلو في نظر الناس، وإما مغرور يحب أن يخرق الأرض ويهز الجبال!..

الكعب العالي:

وحدثني «كعب عالي» (الصواب: كعب عال) يقطن أحد الأحياء الشعبية عن شخصيته فقال:

ـ أنا فارع المقام، رشيق القوام، أنيق الهندام، بديع الانسجام.. هكذا تراني في الطريق العام.. ولكن هل رأيت شخصيتي الأخرى حين أؤدي مهمتي في الحدود المنزلية والمعارك النسائية؟!

إذا لم تكن رأيتني فاسأل رجال الإسعاف عني، فكم رأوْا بطولتي مسجلة على رؤوس الأشهاد والأزواج..!».

وفي العدد (776) من مجلة « الاثنين والدنيا»، الصادر في 25/4/1949م، ص 30، وتحت عنوان «حقنة الحب» ، نشرت هذه الفقرة:

«أرسل أحد الأدباء للدكتور إبراهيم ناجي الزجل التالي:

          اكشفْ على الـقلب يا دكتور وطمِّنِّي

          من كتْـــر حبه في نار حبي مبهدلني

          وأعمل ايه يا طبيب .. العقل راح مني

          وان يوم شكيت الهوى للناس يلوموني!

          ما تطلِّعْ الحب منْ قلبي وترحَــمْني!

فرد عليه الدكتور ناجي بالزجل يقول:

          الحب مكتوب على قلبـك ورحْ تقاسيهْ

          والقلْـب مغلوب على أمرهْ وتايهْ  فيـهْ

          بيحبّ داؤهْ ولا يقْــدرْ طبيبْ يداويهْ

          وحقنة الحـــــب سهلة للي يدِّيها

          لكن العلاج مستحيل ما اعرفش انا  أديه!

وقد سألت مجلة «الاثنين والدنيا» أربعة من الأدباء: ما رسالتك في الحياة؟ وهؤلاء الأدباء هم إبراهيم دسوقي أباظة، وعباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، وإبراهيم ناجي، ونشرت إجاباتهم في العدد (784)، في 20/6/1949م تحت عنوان « رسالتي في الحياة»، ص13، وقد أجاب العقاد على هذا السؤال إجابة متأنية تكشف عن مفكر وأديب له رسالة في الحياة، في السياسة والأدب معاً بقوله: لي في الحياة رسالتان لا واحدة.. رسالة في السياسة، وهي محاربة سلطة الفرد.. ورسالة في الأدب هي إقامته على قواعد إنسانية عامة، والابتعاد به عن الصنعة والتقليد».

كما أجاب إبراهيم دسوقي أباظة إجابة تكشف عن حبه لوطنه، وتعلقه به. يقول: «نشأتُ نشأة وطنية محضة، جعلتني أعتقد أن مهمتي في الحياة أن أعمل لتحرير بلادي .. وقد كان كل همي منصرفاً لذلك .. حتى آليت على نفسي الامتناع عن الزواج إلى أن تصل مصر إلى هذا الهدف .. لكن دموع والدتي غلبتني على أمري في هذا الشأن. وأعتقد أننا الآن نستكمل استقلالنا والحمد لله ..».

بينما أجاب ناجي إجابة تكشف عن حيرته، بل تكشف عن عدم يقينه الديني، وموقف متذبذب من الغيب، فالمسلم يعرف دوره في الحياة، ويعرف أنه جاء لرسالة يؤديها، وسيُسأل عنها. ولكن ناجي يُفاجئنا بقوله:

« أنا نفسي رسالة .. مرسلة من هدف إلى هدف .. وكلاهما مجهول عني، فلا أعلم أين كنتُ قبل أن أكون؟! .. ولا أين سأكون بعد ما لا أكون! .. وكأني بدنياي مصلحة بريد مصرية « تاهت» فيها تلك «الرسالة» التي هي أنا .. متى الوصول؟ .. وإلى أين؟ .. لستُ أدري!».

وفي العدد (793) الصادر في 22/8/1949م، نشرت المجلة على الغلاف صورة لحسناء وتحتها عنوان «منديل بأوية»(**)، وفي ص 28، وتحت عنوان «صورة الغلاف: منديل بأوية» ، نشرت هذه المقالة للدكتور إبراهيم ناجي، ومن فاتحتها هذه الفقرات

« إذا لم تكن من أبناء البلد ، ولم يتسن لك أن تتعلم لغة المنديل «أبو أوية» فلا شك أنك تُعاني نقصاً خطيراً في الثقافة العاطفية وعلم الهوى، فأسرع وتعلم لغة المنديل.

شايل الحاجب:

أرأيت المنديل حائراً على حاجب الحسن، يتوج الجبين «البلدي الصبوح». أرأيته منجذباً إلى أعلى، فيبدو الحاجب مترفعاً متعالياً، تتألق تحته العيون كأنها تتحداك، وتقول لك « أنت تهمني؟!».

إن كنت من أبطال الهوى فحاذر، فالسهام لا تُصيب إلا الأبطال، ولا يقع إلا الشاطر ..

ولكن يقول لك المنديل: « لا تخف ولا تصدق كلام العين، إني أنا الذي أعلق الحاجب هكذا، لأمتعك بجمالها فحذار أن تسلمها قلبك لئلا تذوب بين المآقي والجفون، وتغرق حضرتك في الدموع والشجون..!».

القلب خالي!

ولربات المناديل فصاحة في التعبير بها عن كل حال، فإذا رأيت إحداهن، وقد مال « أبو أوية » على جبينها منخفضاً إلى ناحية اليمين، فاعلم أنها تقصد بذلك أن قلبها لازال خالياً .. فإن كنت أهلاً فأهلاً وسهلاً ..

وتفسير هذا أن المنديل إذ يكشف عن النصف الأيسر من الجبين حتى منبت الشعر، فهو يعني أن الجهة اليسرى بين الضلوع مفتوحة لمن يطرق باب الهوى.

وأنصحك ألا تُجاوب هذا المعنى إلا بحذر، فقد تقع في حسناء منديلها غير فصيح، وقد اتخذ هذا الموضع عن غير قصد، فتطب، ولهن «شباشب» أفصح من المناديل بكثير!

مشغول!:

وآية الانشغال على الجبين المليح: ميل المنديل منحدراً إلى اليسار .. وهذا إعلان صريح عن أن القلب مُغلَق، إما على سكان أو غير سكان.

والمجازفة في كلتا الحالتين خطر، فأرح قلبك، واسلم بجلدك.

تاج العفة:

وترى أحياناً « أبو أوية » وقد انحسر إلى الوراء، وكشف عن نصف الشعر، يتوسطه مفرق كأنه شعاع من النور الوديع في ليل ساحر جميل.

هذه فتنة تُغري العيون العابرة؛ فالجبين الأبيض الساهر، الذي يزينه من خلفه «أبو أوية» دليل على الطهارة والعفة، أو كأنه تاج يحمل مزيجاً من الدلال والخفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) الجاز (الكيروسين) هو أحد مشتقات النفط كان يستخدم في الإنارة في هذا الوقت بمصر

(**) المنديل أبو أوية هو "إيشارب" كانت تضعه النساء على رؤوسهن.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أبو العز -

11 - ذو القعدة - 1428 هـ| 21 - نوفمبر - 2007




جميلة جدا.. فكرتنا بالزمن الجميل
شكرا للكاتب وشكرا للموقع المتميز

-- bahman - إيران

08 - ذو الحجة - 1428 هـ| 18 - ديسمبر - 2007




شکرا لکم . اسال لکم ارسال مقالات حول شاعر ابراهیم ناجی .من فضلکم .

-- bahman - إيران

14 - جمادى الآخرة - 1429 هـ| 19 - يونيو - 2008




شکرا جدا من محبتکم د.حسین محمد علی .
اخی الکریم ، انا ارید کتابة او مقالة حول الشاعر الرومنسی ابراهیم ناجی . فلهذا اطلب منکم مساعدتک فی هذا الامر الثقافی .
ان یمکنک اضف مقالة فی هذا الموقع حول الحب فی شعر ناجی .
بکل شوق انتظر جوابک یا الدکتور.

طالما شدنا (ناجي)برشاقة كلمته ، وخفة ظله ، شاعرا كان أو ناثرا -هواةً أو أهل تخصص في عالم الادب-حيث أثبت فيما أبدع روح الدعابة وجميل الأثر وخفة الروح المصرية حتى في هجائه(عبدالحميد)وله بساطة في عرض الفكرة وسهولة المأخذ ما يضاف إلى مناحي تجديده في اللغة والموسيقى ،
أسرد ما أثر عنه من دعابة حدثت له كما ذكرها هم :[ زاره ذات مرة في عيادته الطبية رجل فقير وبعد فحص حالته وتبين ما يعاني منه من آثار ضعف البنية لسوء التغذية ردّله الكشف وأعطاه من ماله الخاص بضع جنيهات قائلا : أنت بخير فقط يمكنك العودة إلى المنزل وبهذه الجنيهات اشتري دجاجتين في طريق العودة وكلهم وخذ قسطا من الراحة وعد لأراك لاحقا.
وتمضي الايام ويلاقي الطبيب الرجل مرة أخرى صدفة فيسأله عن حاله إذ رآه بصحة جيدة ، فيقول الرجل له :(ولم يكن ناجي الطبيب يعلم أن الرجل خرج من عنده فاقدا الثقة فيه كطبيب ، وفي حالته الصحية لأنه لم يكتب له أدوية ) حالتي بخير كما ترى فقد أخذت منك المال وذهبت به لطبيب آخر (شاطر شوية) وكتب لي علاج جيد فشفيت .
هكذا قرأت الطرفة كما سردها د إبراهيم ناجي وإلى لقاء آخر لكم جل الشكر ولشاعرناالمحبة
الشاعر /محمد حسانين

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...