الحمـــاس الســلبي

دعوة وتربية » عثرات فى الطريق
06 - صفر - 1424 هـ| 09 - ابريل - 2003


الحماس السلـبي

ندى صالح الريحان

 

من العثرات التي تقف في طريق الدعوة إلى الله الحماس السلبي لبعض المشتغلين بالدعوة، وهو حماس جذاب له بريق يوهم الكثيرين بمدى اهتمام صاحبه وتفانيه، ولكنه يتسم في حقيقته  باندفاع عكسي يؤخر الداعية عن بلوغ غايته.. وليس في الأمر عجب إذا قلنا إن هذا الحماس يدفع الداعية دفعاً قوياً يبهر ويملئ المتأمل عجباً، لكنه في كثير من الأحيان وما لم يتدارك في بادئ الأمر، يصبح جعجعة بلا أثر ينبئ عن عمل فاعل ومؤثر.. بل وربما تدفعه من التأثير إلى الأفضل نحو التأثير إلى الأسوأ وإلى اكتساب نتائج خطيرة.

ويمكن أن نعرف الحماس السلبي هذا بتعريف اصطلاحي: وهو الاشتداد في إرادة التغيير أو التعبير عن قناعة قلبية دون نظر واعٍ في العواقب ودون فهم صحيح للظروف والمرسبات ودون إعداد جيد للمقدمات أو للأساليب والوسائل.

ويمكن أن نصور مظاهر الحماس السلبي غير المتزن، في العمل الدعوي على عدة صور مختلفة فمن ذلك، التدافع والتلاحب بين بعض الدعاة في تجاذب أحد المدعوين، فكل يريده أن يستقيم على يده أو مع مجموعته الدعوية، وقد تكون النتيجة نفور المدعو وفراره من الالتقاء بهم جميعاً. ولعمر الله أي مفسدة أعظم من هذه المفسدة، حين تصبح الدعوة من الدعوة إلى الله والترغيب بما عنده إلى الإبعاد عنه والتنفير مما عنده.. فليحذر الدعاة من ذلك وليكن حماسهم منضبطاً ومتوازناً بتقدير المصلحة الكبرى، وعدم التشاغل بحظوظ النفس والمكاسب الصغيرة.

ومن صور هذا الحماس ما قد يظهر من بعض الدعاة في التغليظ على المدعوين، وإرغامهم بوسائل غير مستحبة ومرغوبة على التمسك بالسنن وإجبارهم عليها، مع أنها من المستحبات شرعاً، وقد رخص الشارع فيها لمن أراد التخفف عنها، وأباح تركها، ومن أراد الاستزادة فعليه العمل بها والله يحب المحسنين.. ولعل ذلك من يسر الدين وسماحته، وإلا كان في التمسك بهذه السنن جميعاً على كل أحد مشقة لا تنتهي، ولكن المرء يسدد ويقارب، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه..

ومن الحماس غير المحبذ توزيع بعض الرسائل أو الأشرطة التي لا تناسب عامة الناس من جهة مضمونها أو أسلوب طرحها، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعقلون أتريدون أن يكذب الله ورسوله".. فكثير من الناس لم تسلم قلوبهم من الضغث والأوهام، فيُجري أولئك القوم ما يسمعونه على عقولهم، فلربما أنكر أحدهم حديثاً صحيحاً لم يبلغ فهمه منه مبلغ التسليم والإقرار، وبادر إلى الإنكار له مع أنه وحي من علام الغيوب.. 

ومن الحماس السلبي الاشتغال بجانب من الجوانب الدعوية وترك الجوانب الأخرى،  فمن الدعاة من يتحمس في تأليف قلوب الناس ويتجاهل تأهيل نفسه شرعاً فضلاً عن غيره والتأثير فيهم نحو الوصول إلى هذه الغاية، ومنهم من يتحمس في نشر العلم الشرعي وينسى تربية نفسه على العمل وحسن الخلق وتجديد النية الصالحة ودعوة الناس إلى ذلك.

ومما يمكن أن يظهر من هذا ما يبدر من بعضهم نحو من لا يسلك طريقتهم في الدعوة، وينهج من الأساليب الدعوية سبيلاً غير سبيلهم، فيجد منهم تنفيراً وصداً للناس عنه.

ومن الحماس المضر اندفاع بعض الوعاظ وتماهيهم في انتقاد العامة حتى يبلغ من بعضهم بحماسة إلى القول (بهلاك الناس وأن أمرهم إلى بوار)، وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من قال هلك الناس، فهو أهلكهم". ولا ريب في أن ذلك مما يحبط كثيراً من الدعاة عن العمل، حيث يرى عمله بلا فائدة وقد طغى الفساد وعم، وليس أمر الناس في حقيقته على هذا الفساد، وربما كان من مفاسد ذلك دفع أهل الضلال في المجتمع إلى المجاهرة بمعاصيهم والدعوة لها علانية، حين يشجع بعضهم بعضاً ويُكثّر بعضهم بعضاً.. ولم يكن الأمر على ذلك لو لم يخاطب الداعية الناس بهذا الخطاب المحبط نفسياً..

ومن ذلك ما يقع فيه بعض المبتدئين في الالتزام بالدين؛ فإن الحماسة الطائشة قد تستبد بهم فينزلون إلى الميدان ويمارسون دعوة الآخرين وتأليف قلوبهم ويجادلون المخالفين وهم مازالوا جدداً عراة عن الخبرة وعن الوعي، فيقعون في الخطأ، وقد يحيص الذي يدعونه حيصة يتفلت بعدها عنهم، فتفشل تجربتهم الدعوية فتهزهم الصدمة، ويفتئون في يأس من الدعوة لا يتشجعون معه على استئناف التجربة مرة أخرى.

ومن الحماس الطائش، الاندفاع في تربية المدعوين؛ والكثافة المصحوبة بفوضى وعدم تنظيم وجدولة، فتكون متدفقة على غير روية وتدرج مع المدعوين، كأن يُعطي أحدهم جرعات كبيرة من العلم الشرعي ويُطالب أن يكون ملتزماً مثالياً، وبطبيعة الحال فلن يكون حال المدعو كذلك، ومثل هذا الاندفاع لا ينتج شيئاً، بل عواطف ذابلة لا تنتج عملاً صحيحاً منتظماً يواكب الجهد الصحيح الذي يمكن أن يبذله الداعية في العمل الناجح.

ومن الحماس غير المتزن تعلق الداعية بالمجموعة التي ينتظم إليها، فتنقلب دعوته إلى تكثير سواد هذه المجموعة، وتراه يوالي ويعادي عليها، ولا يستحسن إلا ما حسنته ولا يستقبح إلا ما قبحتهُ، وهذا خطأ كبير يتنافى أشد المنافاة مع الأمة الواحدة المتحدة، وكيف بها تكون متحدة وقد فرقتها الانتماءات العاطفية؛ فتجاوزت حدود التنظيم النافع إلى الموالاة التامة والمعاداة لإخوان لهم لأنهم فقط لم يكونوا في تنظيمهم.

ومن الحماس السلبي الخطير، اندفاع بعض المتحمسين نحو الدعوة وقد اقتنع بطريق الإسلام وبالدعوة إليه فانقض عليها بحماسة بالغة قبل أن يتزود بكل معالم الطريق، واندفع اندفاعاً غير بصير بملمات السبيل، فتعثر أو اصطدم، وتحطم، فيكاد أن يحطم الدعاة معه لولا حفظ الله لهم من تربص المتربصين وحقد الحاقدين.

ومن الحماس السلبي غير المتزن ما يفعله بعض الدعاة من تغليب الدعوة على يومه كله، ويتبع ذلك إهماله الشديد لأهله وأولاده، فهو إيجابي مع البعيد سلبي مع القريب، والأقربون أولى بالمعروف، ولذلك ترى هذا الداعية المتحمس الصادق المندفع إلى العمل في سبيل الله لا يكاد يرى زوجه وأولاده إلا خلساً من الوقت لا تكفي للتعرف على أحوالهم؛ وحجته في ذلك أنه مشغول جداً بأمور الدعوة، وإذا به بعد فترة تطول أو تقصر يعض أصابع الندم على تفريطه في حقهم ولكن..!

وقد يقع ذلك أيضاً من الأخت الداعية، فتقصر في واجبها كأم تجاه أولادها فتحصل النتائج السيئة فتفيق يوماً ولكن بعد فوات الأوان.

و من الحماس غير المتزن، التحمس لبعض الدعاة بتقليدهم في كل شؤونهم! وهذا مما يجعل التقليد سمة لدى هذا المقلد، مما يفسد الإبداع والابتكار لديه، حيث أن هؤلاء المتحمسين لأولئك يرون من أنفسهم أنهم لن يبلغوا مستوى ذلك الداعية أو أحسن منه مهما عملوا ومهما بذلوا، فتورثه التبعية الخاطئة، وحاصل ذلك الرضى بالتقليد والاستسلام للأقوال ولأعمال دون نظر أو تأمل.  وقد يخطئ ذلك الذي يقلده، فلا يستطيع أن يجتنب هذا المقلد الوقوع في الخطأ مع من يقلده، وربما علِمه ولكنه يغضي الطرف عنه ويندفع بلا هوادة في الذب عنه، وتسويغ خطئه..

هذه بعض مظاهر الحماس السلبي المضر، والأولى بالداعية اجتنابها والعمل الدءوب على الاحتراز منها..

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...