أزمة الحجاب في تونس.. مقاربة تاريخية

دعوة وتربية » نوافذ
28 - جمادى الآخرة - 1429 هـ| 03 - يوليو - 2008


1

كان المشهد الاجتماعي الغالب في تونس في نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لا يختلف في عمومه  عن غيره من بلدان العالم الإسلامي من التمسك بقيم الإسلام والتقاليد المحافظة للمجتمعات الإسلامية،حيث لعلماء جامعة الزيتونة تأثيرهم الكبير داخل المجتمع وكلمتهم النافذة .

 ومع مجيء الاستعمار الفرنسي عام 1881 حاول تغيير ثقافة البلاد ومسخ هويته .. لكن الاحتلال الفرنسي قوبل بمعارضة شديدة من الشعب التونسي المسلم وأمام ضراوة المعارضة الشعبية اتجه الاحتلال لنفس القصة المكررة في كثير من بلدان العالم الإسلامي إلى محاولة استقطاب نخب سياسية وثقافية واجتماعية ونسائية تكون أدواته في التغيير.

بدأ الاحتلال من خلال هذه النخب إلى إثارة العديد من القضايا التي تمثل ثوابت إسلامية وقيمية داخل مجتمعاتنا وكان على رأس هذه القضايا المثارة "قضية الحجاب".

احتدم الجدل في عشرينات القرن الماضي بين هذه النخب المتفرنسة وعلماء الزيتونة - صمام الأمان للأمة- حول مسألة سفور المرأة وخروجها من منزلها سافرة دون ضابط من دين أو شرع ،  وفي ظل هذا الاحتدام تجرأت بعض النسوة اللاتي تشربن الثقافة الفرنسية وكشفن عن وجههن وكانت على رأسهن " منوبية الورتاني" التي وقفت يوم 15 يناير عام 1924 على منبر الجمعية الثقافية "الترقي" التابعة للاشتراكيين خلال إحدى الندوات وكان عنوان الندوة "مع أو ضدّ الحركة النسوية" وقد دخلت مكشوفة الوجه وطالبت بتحرر المرأة من الحجاب.

سكبت هذه الحادثة النار على البنزين لتزداد معركة الحجاب والسفور اشتعالا  وتتواصل إلى أواخر 1930. فبعد خمس سنوات تجرأت امرأة أخرى " حبيبة المنشاري" التابعة للفرع النسائي للحزب الاشتراكي الفرنسي في تونس يوم 8 يناير 1929 بالحديث سافرة الوجه وكان ذلك أيضا على منبر جمعية "الترقي" في أمسية بنفس العنوان السابق الندوة السابقة وتحدثت المنشاري عما ادعته من تعاسة الفتاة المسلمة بسبب إجبارها على الحجاب ودعت إلى خلعه.

ولكي تكتمل القصة وكأنها نسخة كربونية مما جرى في مصر من خلال كتابي "قاسم أمين" ، "تحرير المرأة"، و"المرأة الجديدة" – حتى إن المرء ليعجب من هذا التماثل - تصدر شخص يدعى "الطاهر حداد" وأصدر كتاباً بعنوان"" امرأتنا في الشريعة والمجتمع " (1930 ) ناصر من خلاله قضية سفور المرأة وطالب بإعادة النظر إلى وضعية المرأة التونسية ، وللدور الخطير الذي لعبه حداد في الدعوة للسفور ينبغي الوقوف معه قليلا حيث تعتبره النخب العلمانية "رائد نهضة المرأة التونسية الحديثة".

"الطاهر حداد" والدعوة للسفور:

طاهر بن علي بن بلقاسم الحداد . ولد بتونس العاصمة حيث استقر مع والده بعد نزوحهما إلى العاصمة من حامة قابس مسقط رأسيهما , نشأ في وسط متواضع ، تلقى تعليمه في الكتّاب , ثم بجامع الزيتونة و له من العمر اثنتا عشرة سنة  بعد وفاة والده سنة 1920 مـ غادر الحداد جامع الزيتونة إثر حصوله على شهادة التطويع ليشتغل ماسك دفاتر و كاتبا بالجمعية الخيرية .

و في عام 1921 مـ  التحق بمدرسة الحقوق العليا التونسية وكان مهتما بالنشاط السياسي و النقابي في إطار الحزب الحرّ الدستوري القديم حتّى عام 1930 مـ

في هذه الفترة ألف كتابه "امرأتنا في الشريعة و المجتمع" و بسبب هذا الكتاب حرم الحداد من الحصول على شهادة الحقوق و طرد من قاعة الامتحان بأمر ملكي لما احتواه هذا الكتاب من تجرأ على ثوابت الدين.

وهاجم العلماء والمشايخ والمفكرون بشدة كتاب حداد وكان على رأس منتقديه الشيخ "محمد الصالح بن مراد" الذي ألف كتابا للردّ عليه بعنوان : "الحداد على امرأة الحدّاد" . و الشيخ "عمر البرّي المدني" الذي ألف كتابا بعنوان "سيف الحق على من لا يرى الحق" ، وتوج هذا الهجوم بفتوى وقعت من لجنة يرأسها العلامة "الطاهر بن عاشور" وانتهت إلي تكفير الحداد مطالبة السلطة بحجز الكتاب.

كما شنت الصحافة التونسية وبعض الصحف المشرقية حملة شرسة ضد الكتاب وصاحبه، كصحيفة الزهرة والوزير والنهضة، ومن بين عناوين مقالات ما نشر فيها "حول زندقة الحداد" و "موقف الصحافة العربية حول نازلة الطاهر الحداد" و "خرافة السفور" و" أين يصل غرور الملحدين".

و بسبب هذه الوقفة القوية من علماء تونس وبعد أن نبذه المجتمع وسخط عليه الشعب التونسي ، آثر الحداد الانطواء و العزلة على الظهور إلى أن توفي يوم 7 ديسمبر 1935م.

وكان من جملة ما دعا إليه الحداد في كتابه:

الدعوة لتحرر المرأة المسلمة مما زعم أنها قيود تكبلها داخل مجتمعاتها ، والمطالبة بالطلاق المدني وألا يكون من حق الرجل فقط الذي قد يسيء استخدامه ولكن يرجع فيه إلى القضاء، كما عبر عن رفضه لتعدد الزوجات معتبرا أنه سنة سيئة ورثت من أيام الجاهلية، ودعا إلى ممارسة المرأة الألعاب الرياضية وأن تقبل على هذه الألعاب وأن تسعى لمجاراة أختها الأوربية في تقوم به .

ومع زيادة نفوذ النخب السياسية الوطنية المتفرنسة – كأن أغلب عناصرها من خريجي الجامعات الفرنسية ممن تشبعوا - بدأت الدعوة إلى السفور تأخذ دفعة قوية تزداد يوما بعد يوم .

وبعد أن اطمأنت فرنسا إلى أنها تركت أتباع لها يقومون بدورها داخل المجتمع الفرنسي، غادرت البلاد عام 1956 لتتولى النخب التونسية المتفرنسة زمام الأمور في البلاد.

"الحبيب بورقيبة" وقضية الحجاب:

كانت أولى القرارات التي اتخذها "الحبيب بورقيبة" بعد أن تولى زمام الأمور في البلاد عقب خروج الاحتلال الفرنسي ، قراره بضرورة نزع الحجاب عن المرأة التونسية معتبرا أنه معوق لقيم التطور والتنمية والحداثة.

نزل بورقيبة إلى الشارع بعد الاستقلال ونزع بيديه الحجاب عن المرأة التونسية.. وسن قانونا (المنشور 102 و 108) يمنع ارتداء الحجاب ويعتبره زيا طائفيا يشجع على الانقسام داخل المجتمع.. ووفر كل السبل وسهل كل الطرق المؤدية إلى اختلاط الشباب بالفتيات كما حرم تعدد الزوجات وأحل التبني ومنع الصيام وحرم زواج الرجل من مطلقته التي طلقها ثلاثا بعد طلاقها من زوج غيره.

وفي سبيل التمكين لقراراته أصدر في عام 1956 وبعد ثلاثة شهور من إعلان الاستقلال مجلة الأحوال الشخصية التي تضمنت أغلب هذه القرارات ، مستخدما التشريعات في إعادة صياغة المجتمع التونسي صبغة جديدة تتوافق مع قيم الحداثة الغربية.

ولا نستغرب حين نقرأ عمّا قوبلت به مجلّة الأحوال الشخصيّة في شهورها الأولى من معارضة واحتجاج وعدم ترحيب حتّى من قبل بعض النساء أنفسهنّ هذا يفسر أن النخبة الحاكمة في ذلك الوقت كانت في واد والشعب التونسي في واد آخر.

هذه المواقف الاحتجاجيّة ضدّ المشروع العلماني الذي تضمّنته المجلّة لم يكن إلاّ تعبيرا عن تجذر الإسلام في وعي وكينونة الشعب التونسي .

اتسم بورقيبة بنوع من الاندفاع والتهور في تطبيق رؤيته التغريبية تلك على المجتمع التونسي لكن ظروف المجتمع المتمسك بإسلامه حالت في البداية بين بورقيبة وأحلامه .. متحينا الفرصة المواتية.

كانت النخب الفكريّة المحيطة به في هذه الفترة مدركة تماما لهذا الأمر لذلك فقد كانت دائما ما تعدّل من آرائه وتذكّره بالظروف المجتمعية التي يتحرّك في إطارها.

ويذكر أن بورقيبة عبّر للشيخ "محمّد الفاضل بن عاشور" عن رغبته في إقرار المساواة بين الذكر والأنثى في الإرث، ولكنّ ابن عاشور أقنعه بالعدول عن مثل هذا التشريع في ذلك الوقت قائلا " الآن النساء لا يطالبن به والرجال ضدّه، لكن بعد سنوات ستتطوّر بالتعليم العقليّاتُ وعندها لكلّ حادث حديث ".

مجلة الأحوال الشخصية آلية حظر الحجاب:

جاء في الخطاب التأسيسي الذي أعلن فيه بورقيبة للمواطنين في 10 أغسطس1956، بأن "إيجاد قانون مضبوط ومكتوب للأحوال الشخصية لا يقل أهمية عن مشكلة الجلاء… وهو بمثابة انقلاب سيقضي على عادات مسيطرة على هذه البلاد" ، وكان هذا بمثابة الإعلان عن تأسيس مجلة الأحوال الشخصية وجرى العمل بها في المحاكم التونسية بداية من يناير 1957، حيث لعبت فيما بعد دورا محوريا في قضايا المرأة في تونس.

وحسب تعريف القانونيين لمجلة الأحوال الشخصية فإنها نصّ قانونيّ تونسيّ صدر بمقتضى أمر من رئيس الحكومة  و الوزير الأكبر في 13 أغسطس 1956م.

ومرت المجلة بعدد من الأطوار المتدرجة لكي تصل المرأة التونسية إلى المرحلة التي عليها الآن وهي مرحلة "الشراكة الفاعلة" كما يحلو للرئيس الحالي "زين العابدين بن علي" أن يسميها.

وأبرز ما تضمنته المجلة من مواد:

- منع تعدد الزوجات: فعلى كل طرف من الزوجين أن يقتصر على الطرف الأخر ويتفرد به، يقول الفصل 18 " تعدد الزوجات ممنوع " " فكل من تزوج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدة عام ، وبخطية قدرها مائتان وأربعون ألف فرنك...أو بإحدى العقوبتين...".

ولصيانة المرأة التونسية المتزوجة من أجنبي من الرجوع إلى وضعية تعدد الزوجات التي حجرها التشريع التونسي فقد أوجب الفصل 38 من قانون الحالة المدنية الإدلاء قبل تحرير عقد الزواج بشهادة عزوبية أو شهادة طلاق.

-حرمان الزوج من حقه في الطلاق: فالطلاق في تونس مدني ، فليس من حق الزوج أن يطلق زوجته دون الرجوع إلى المحكمة حيث أن القاضي هو وحده من حقه أن يطلقهما وبرضا الطرفين ،ويمنع التطليق من جانب واحد، حيث أصبح الطلاق قضائيا (الفصل 30)، فلا طلاق إلا أمام المحكمة، هذا الطلاق يمكن أن يحصل بإرادة من الزوج أو الزوجة، وعند وقوع الطلاق تتمتع المرأة بنفس حقوق الرجل (الفصلان 31 و32).

وهذه المادة تفسر الضجة التي أثارتها فتوى أصدرها مفتي تونس  الشيخ "كمال الدين جعيط" ، مؤخرا، عندما طلبت سيدة رأي دار الإفتاء التونسية، في رسالة مكتوبة للشيخ جعيط، قالت المرأة إن زوجها أعلن أمامها يمين الطلاق ثلاث مرات.

فرد المفتي رد على سؤال المرأة "أعلمها أنها أصبحت محرمة على الزوج ولا يمكن مواصلة الحياة الزوجية وبالتالي عليها القيام بإجراءات الطلاق وسلم لها شهادة في ذلك "، فثارت عليه وسائل الإعلام ووجهت له انتقادات عديدة.

-لا تجب طاعة المرأة لزوجها: فموجب بموجب قانوني 5 يوليو1993، و12يوليو 1993 تم إلغاء إجبارية طاعة الزوجة لزوجها، كما أوجب القانون حسن معاملة الزوج لزوجته واحترامه لها، حيث نص في الفصل 23 على ما يلي : "على كل واحد من الزوجين أن يعامل الآخر بالمعروف ويحسن عشرته ويتجنّب إلحاق الضرر به... ويتعاون (الزوجان) على تسيير شؤون الأسرة وحسن تربية الأبناء وتصريف شؤونهم بما في ذلك التعليم والسفر والمعاملات المالية...".

-التبني: أجازت المجلة عملية التبني (الفصل 13) و"يتمّ عقد التبني بحكم يصدره حاكم الناحية بمكتبه بمحضر المتبني وزوجه أو عند الاقتضاء بمحضر والدي المتبنى أو من يمثل السلطة الإدارية المتعهدة بالولاية العمومية على الطفل الكفيل.

- زواج المسلمة بغير المسلم: صادقت تونس على اتفاقية نيويورك المؤرخة في 10 ديسمبر 1962 المتعلقة بالموافقة على الزواج والسنّ الأدنى له وتسجيله وذلك بمقتضى القانون عدد 41 لسنة 1967 المؤرخ في 21 نوفمبر 1967 حيث جاء بتوطئة هذه الاتفاقية تذكير بمضمون المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من إقرار لمبدأ المساواة بين المرأة والرجل في ما يتعلق باختيار القرين دون تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو الدين وأكد الكثير من الفقهاء على فكرة أن مصادقة تونس على هذه الاتفاقية يعني أنها تقرّ للمرأة المسلمة حق التزوج من غير المسلم.

- السماح بالإجهاض: أعطى القانون التونسي للمرأة حق الإجهاض دون استشارة للزوج ، وكان قد رخص للمرأة عملية الإجهاض بعد الطفل الخامس وفق قانون (65) لكن هذا القانون عدل ليسمح للمرأة بالإجهاض دون ارتباط بعدد معين من الأطفال.

- رفع سن الزواج: رفع الحد الأدنى لسن الزواج ، يقول الفصل الخامس من المجلة  " فكل من لم يبلغ عشرين سنة كاملة من الرجال و سبع عشرة سنة كاملة من النساء لا يمكنه أن يبرم عقد الزواج " ، وكان قبل ذلك الحد الأدنى للزّواج من 15 سنة للمرأة.

- حظر الحجاب: ارتداء الحجاب محظور في تونس بحكم القانون رقم 108 الذي صدر في عام 1981 في عهد الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، الذي اعتبر الحجاب "زيا طائفيا" وليس فريضة دينية، ودعا لمنعه خاصة في الجامعات ومعاهد التعليم الثانوي ، وجرى تجديده بالمنشور 102 عام 1986.

*النظام الحالي وتفاقم الأزمة:

عقب الانقلاب الذي قام به وزير الداخلية"زين العابدين بن علي" على الرئيس السابق "الحبيب بورقيبة" أعلن تمسكه بالقيم التي أسس عليها بورقيبة النظام التونسي ، خاصة قضية المرأة ، ففي خطاب له في مارس 1988، أكّد الرئيس زين العابدين بن علي، على التزامه، وتمسّكه، بمجلّة الأحوال الشخصيّة قائلا:" إنّ مجلّة الأحوال الشخصيّة هي مكسب، نتمسّك به، ونقرّ التزامنا به. ولن يكون هناك تراجع، أو تخلّ، عمّا استطاعت تونس أن تحقّقه لفائدة المرأة والعائلة"... بل ذهب "بن علي" بعيدا في سن مزيدا من التشريعات المناهضة للظاهرة الإسلامية وأوغل في التنكيل واضطهاد المحجبات في المدارس والمستشفيات والمؤسسات بل والشوارع.

وزاد التعسف الحكومي مع المحجبات في السنوات الأخيرة بصورة غير مسبوقة حتى وصل الأمر إلى قيام السلطات بداية هذا العام بمداهمات لمحلات تبيع الدمية "فلة" –وهي دمى ترتدي حجابا-بدعوى أنها يمكن أن تشجع الفتيات الصغيرات على ارتداء الحجاب , كما قام رجال الأمن بمصادرة جميع الأدوات المدرسية التي توجد عليها صورة "فلة"، على غرار الحقائب المدرسية، وحاملات الأقلام.

وتحكي الكاتبة البريطانية "ايفون ريدلي" احد نماذج الاضطهاد التي تعاني منها المرأة المسلمة في تونس قائلة:روى لي أحد الأئمة في تونس نموذجا للاضطهاد التي تعانيه المرأة التي ترتدي الحجاب في تونس قائلا: يداهم رجال الشرطة المحلات والأسواق والمصانع بحثا عن الفتيات المحجبات لتوقيفهن بعد أن يخلعوا عنهن الحجاب.. أثناء بحثهن في أحد الأيام أمروا حافلة عامة بالتوقف في وسط الطريق بينما صعد الحافلة رجلا مباحث ... الحافلة تشبه مثيلاتها في الغرب مع فارق بسيط وهو أنها تحمل داخلها من البشر ثلاث أضعاف ما تحمله الحافلات في البلاد الغربية... قام الرجلان بجر فتاة ترتدي الحجاب وأخذاها إلى خارج الحافلة... هذه الأخت كانا قد أنذراها من قبل... لقد جاءا بها إلى جانب الطريق وبدءا في صفعها على وجهها وسبها بأقذع ما يمكن أن تتخيله من ألفاظ... ثم خلعوا عنها حجابها وقال لها الضابط الأعلى رتبة :«متى ستتوقفين عن لبس هذا الـ.... فردت إن هذا لن يحدث أبدًا وانخرطت في البكاء.

فأخذها الرجلان بالقرب من حمام عمومي وخلعا عنها ملابسها واعتدوا عليها جنسيًّا مستخدمين في ذلك قنينة صودا زجاجية كانا قد أحضراها لهذا الغرض... وفي أثناء ذلك كانا يضحكان وذلك في حضور كثير من الناس إلا أن أيًّا منهم لم يجرؤ على التدخل. .. وبعد أن انتهيا منها، جعلوها ترتدي تنورة قصيرة وتي شيرت بلا أكمام وجعلوها تمشي عائدة إلى بيت زوجها على هذه الحال. أقسم بالله أن هذا قد حدث بالفعل.

هذا فضلا عن حالات الفصل من المدارس والمؤسسات بسبب الحجاب إلى جانب تصريحات المسئولين التي يهاجمون فيها الحجاب.

معارضة الدولة للحجاب، موقف رافق الدولة التونسية منذ استقلالها وتبنيها لنهج العلمانية في كافة المجالات ، ولكن رغم ذلك، فإنّ تصعيد الحملة ضد الحجاب بهذه الصورة غير المسبوقة ،لاشك أن وراء ذلك عدد من الأسباب ، فما هي هذه الأسباب الجديدة؟

1-عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان الإدارة الأمريكية عن عزمها لإحداث تغييرات جذرية في المنطقة بما يتوافق وقيم الديمقراطية الغربية، حاول النظام التونسي أن يسوق نفسه دوليا كبديل علماني وأنه حامي حمى العلمانية في بلاد الشرق الأوسط ، وكان الهدف من ذلك الحصول على دعم الغرب لبلاده وأن تغض الإدارة الأمريكية طرفها عن الاستبداد والقمع الداخلي.

2- في السنوات الأخيرة عادت ظاهرة ارتداء الحجاب لدى الفتيات والنساء، بشكل يلفت الانتباه في شتى فضاءات المعاهد والكليات وحتى بعض الإدارات العمومية والخاصة ، بهذه العودة المباركة شعر النظام أن أحد أهم انجازاته التي يتفاخر بها حتى على الدول الغربية ويكرس لها جهده وإعلامه ونشاطاته باتت مهددة ، فبدا كالمسعور يحاول أن يقضي على مصدر تهديده.

3-دخلت تونس في السنوات الأخيرة قائمة الدول المعرضة لهجمات من قبل مسلحين إسلاميين ، وهو ما يعرض الاقتصاد التونسي والذي شهد تحسنا ملحوظا لأزمة كبيرة خاصة وأن السياحة تشكل جزءا رئيسيا من الدخل القومي التونسي.. وينظر النظام التونسي للحجاب على أنه أحد المظاهر المشجعة على انتشار الإسلاميين حتى ولو كانت من ترتديه لا تحمل أي توجهات فكرية أو سياسية الآن ، لذلك فإن الناطق باسم رئاسة الجمهورية،"عبد العزيز بن ضياء"، إضافة إلى إعلانه معارضة الحكومة بشدة للحجاب المروج حاليا في الجامعات وبعض الجهات التونسية، فقد وصف باللباس المستورد والدخيل ارتداء بعض الرجال التونسيين «الهركة» وإطالة اللحي، واعتبر ذلك تعبيرا عن أشكال غريبة مستوردة من أفغانستان وخارجه.

4- شعور النظام بانفلات الزمام من تحت يديه وعدم السيطرة على المجتمع كما كان سابقا مع انتشار ظاهرة الدعاة الجدد والعلماء والمشايخ بسبب ثورة الاتصالات والفضائيات وشبكات الإنترنت التي مثلت مصدرًا جديدًا لانتشار الأفكار الإسلامية واختراق الحظر القطري المفروض عليها فبدا بطش النظام وتعسفه محاولة يائسة لإعداد زمام الأمور ليديه مرة أخرى.

5- يعاني النظام العلماني في تونس من أزمة حقيقة على المستوى الاجتماعي والثقافي والأخلاقي بسبب النتائج المدمرة لقيم الحداثة الغربية على المجتمع التونسي  الأمر الذي زاد من مخاوف النظام من أن يستغل الإسلاميون هذه الأزمات في كسب أرض جديدة داخل البلاد أو أن تدفع هذه الأزمات المجتمع للاتجاه نحو التدين كما وقع في عدد من المجتمعات الإسلامية.

وبعد يبقى لنا أن نشير إلى حالة العودة إلى التمسك بالإسلام من جميع فئات المجتمع التونسي ولن تزيده الحملة الشرسة إلا استمساكا بدينه وتشبثا بعقيدته.. فلكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه ، هذا في عالم المادة .. أما في عالم العقيدة فرد الفعل يفوق الفعل بعشرات الأضعاف ويضاده في الاتجاه.. هذا هو درس التاريخ.. "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


بسام حسن المسلماني

ليسانس آداب (قسم تاريخ ) جامعة القاهرة 2004م.

بكالوريوس خدمة اجتماعية 1995م.

حاصل على معهد القراءات (مرحلة التجويد) 1997م.

*- كاتب ومحرر صحفي في موقع "لها أون لاين" والمشرف على محاور تقارير ودراسات وشاركوا بالرأي والاستطلاع والملف الشهري، من يناير 2008 وحتى الآن.

*- صحفي بمجلة سياحة وآثار سعودية.من ديسمبر 2010 وحتى الآن.

*- كاتب ومحرر صحفي بمجلة قراءات إفريقية.

*- نائب مدير تحرير موقع مجلة قراءات إفريقية.

*- إعداد وتقديم مواد إذاعية وحوارية في موقع "لها أون لاين".

*- صاحب مدونة "دفتر أحوال الأمة" (http://anns012.maktoobblog.com/)



الإصدارات:


- مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2007/11/25/55474.html

- الصومال .. وسيناريو الحرب المقبلة
- http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2006/12/28/26057.html

- مستقبل العلاقات الباكستانية الأمريكية .. بعد اغتيال بوتو
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2008/01/03/57621.html

- العسكر في تركيا .. هل ينقلبون على جول؟
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/04/29/40651.html
- العلاقات المصرية الإيرانية إلى أين تسير..؟
http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2007/12/28/57319.html

- مؤتمر”شرم الشيخ” .. واستباق الفشل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/05/03/41178.html

- الإسلاميون داخل فلسطين 48.. موقف خاص من الانتخابات
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2525.html

- الأحزاب العربية داخل فلسطين 48 .. ورهاناتها الانتخابية
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2523.html

- أزمة الحجاب في تونس.. مقاربة تاريخية
http://www.lahaonline.com/articles/view/14327.htm

- الصحفية "إيفون ريدلي".... أسيرة طالبان التي أصبحت داعية للإسلام
http://www.lahaonline.com/articles/view/15619.htm

- المرأة المسلمة النيجيرية.. عقبات ونجاح
http://www.lahaonline.com/articles/view/15784.htm

- الشخصية الصوفية
http://www.alsoufia.com/rtb_uploaded_images/magazine_9.pdf

- بين الثورة المصرية وثورة الاتصالات ... وطن جديد
http://www.lahaonline.com/articles/view/37717.htm

- الثورة السورية .. وازدواجية المواقف
http://www.lahaonline.com/articles/view/38308.htm


تعليقات
-- منير - فلسطين

29 - جمادى الآخرة - 1429 هـ| 04 - يوليو - 2008




حسبنا الله و نعم الوكيل

-- روان - الإمارات العربية المتحدة

01 - رجب - 1429 هـ| 05 - يوليو - 2008




مقال جميل جدا والدور سيصل بقية الدول والحبل على الجرار
تونس هي البداية للمشروع التغريبي للعالم العربي

-- أم تسنيم - مصر

07 - رجب - 1429 هـ| 11 - يوليو - 2008




المرأة المحجبة فى تونس أصبحت غريبة فلتتذكر (بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء)

-- اام ساره - مصر

12 - رجب - 1429 هـ| 16 - يوليو - 2008




مقال جميل جدا فقد كنت اسمع عن اضطهاد المرأه المحجبة لكن ما كنت اظنه يصل الى هذا الحد ووالله ان القلب ليحزن لهذا الواقع المرير اهكذا تعامل المررأة المسلمه في بلاد المسلمين فصبرا يا نساء تونس والله معكم وانا لله وانا اليه راجعون

-- التونسية -

29 - رجب - 1429 هـ| 02 - أغسطس - 2008




حسبنا الله ونعم الوكيل الله المستعان

-- - السعودية

01 - شعبان - 1429 هـ| 04 - أغسطس - 2008




وبعد يبقى لنا أن نشير إلى حالة العودة إلى التمسك بالإسلام من جميع فئات المجتمع التونسي ولن تزيده الحملة الشرسة إلا استمساكا بدينه وتشبثا بعقيدته.. فلكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه ، هذا في عالم المادة .. أما في عالم العقيدة فرد الفعل يفوق الفعل بعشرات الأضعاف ويضاده في الاتجاه.. هذا هو درس التاريخ.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

-- ريوف - السعودية

06 - شعبان - 1429 هـ| 09 - أغسطس - 2008




الحمد لله على نعمة الاسلام اللهم انصر الاسلام والمسلمين وفرج هم اخواتنا في تونس وجميع هموم المسلمين والله اني في ضيق شديد لما تعانية أختي التونسية اللهمدمر الكفار والجبابرة والطواغيت لاحولا ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.

-- mariem - تونس

11 - شعبان - 1429 هـ| 14 - أغسطس - 2008




حسبنا الله ونعم الوكيل
أنا تونسية وأعيش في إيطاليا


-- سارة - تونس

05 - ربيع أول - 1430 هـ| 02 - مارس - 2009




شكرا لكل من كتب هذه المعلومات التي بدورها قد افادتني و ارجو لكم التوفيق من كل قلبي

-- سالم - ليبيا

11 - شعبان - 1431 هـ| 23 - يوليو - 2010




شكرااا للكاتب لتوضيح الرؤيه للمسلمين عن تونس والاسلام في تونس ولكن لدي ملاحضه كان يجب على المسلمين رجالا ونساء في تونس ان يثورو على هدا القانون والنضام منذ البدايه ولا يستسلمو انضرو الابطال في فلسطين هم درع الاسلام كيف يتعرضون للابشع انواع التعذيب وصامدون اما الاخوه في تونس ارادو العيش ولقمة العيش وضحو بدينهم لاحول ولاقوة الا بالله هدا امتحان من الله كان عليهم الصبر هدا بالضبط ماطلب من عمر المختار من قبل الاستعمار الايطالي لكن المجاهدين طلبو الموت على نهضة وتنميه ومعيشة الذل انسان بلا دين كالجسد بلا روح عفوا من الاخوه التوانسه لكن غضبي علي اخي المسلم من حقي

تونسية

26 - شوال - 1431 هـ| 05 - اكتوبر - 2010

مستحيل التوانسة يتنازلو علي حقهم اما الكاتب يستاهل العقاب علي كلامة لو عنده دليل ايقدمه بصور علي فكرة انا تونسية ومتحجبة وامارس الاسلامي طبيعي والحمد الي اللة متعرذتلي الحكومة التونسية بشر.

-- تونسية - تونس

26 - شوال - 1431 هـ| 05 - اكتوبر - 2010




حرام شوهتو صمعت البلاد الحجاب موجود والاسلام في تونس احسن من كثير دول في العالم حسبي اللة ونعمة الوكيل في كل موطن ايشوة صمعة تونس

-- هادية - السعودية

27 - شوال - 1431 هـ| 06 - اكتوبر - 2010




حسبي اللة ونعمة الوكيل في كاتب الموضوع

-- دمقراطيه - الإمارات العربية المتحدة

15 - ذو القعدة - 1431 هـ| 23 - اكتوبر - 2010




السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
اقدم لكم نفسي
انا اقرب صديقاتي تونسيات
ويمارسن الحجاب بشكل طبيعي في
البلاد التونسيه
واطالب بمن كتب هذا المقال ان ياتي بدليل عليه
علا الاقل تصوير لمقطع من الحادث
لانه دام في متفرجين للحادث هذا يعني انه في تصوير كان بسر
او عدم نشر مثل هذا الكلام عن اي بلاد اسلاميه عربيه لانه
لازم نتعاون علا نشر الاسلام ونشر الحجاب
مو تشويه الاسلام وتشويه عاداته
فارجو التاكد من المصدر قبل نشر الخبر
تحياتي لكم
اختكم دمقراطيه

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...