لعبة الحذاء.. لها أون لاين - موقع المرأة العربية

لعبة الحذاء..

ساخر » الحرف الساخر » مقال ساخر
21 - ربيع أول - 1430 هـ| 18 - مارس - 2009


1

هل فعلا النسيان بداية صعبة للهزائم.. كما قال أحد الشعراء؟

وهل بمقدور الزمن أن يمنحنا القدرة على اجتياز حواجزه الصعبة، وأسواره العالية ، وآلامه التي قد تملأ أودية الروح والقلب معا.. حتى ليبدو فعل النسيان صعبا.. أو بمعنى أدق؛ مستحيلا.

كان لابد من هذه المقدمة الاستفهامية لأشرك قرائي الأعزاء في لعبتي الجديدة التي يفرض علينا الظرف السياسي الذي نعيشه الآن ابتداعها ألا وهي.. لعبة الحذاء، خاصة بعد محاكمة الصحفي العراقي الشريف منتظر الزيدي، والذي حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، جزاء لإبائه وكرامته ورفضه الذل الذي ارتضاه ساسة العراق، ربما فعل ما يتنافى مع بروتوكولات مهنة الصحافة، ولكنه لم يفعل ما يتنافى وإنسانيته وإنسانية شعبه التي وجدها مهدرة بين لصوص النفط وعبدة الدولار..

سنؤلف معا مسرحيتنا.. فقط لنظل نذكر موقفه بعد أن باتت ظاهرة "زهايمر الحرية" مسيطرة على ذاكرتنا العربية الكريمة  ربما بقصد منا أو.. بفعل فاعل!

ولأنني في الأصل كاتبة مسرحية فقد طرأت لي فكرة ربما يراها البعض مجنونة.. ويراها آخرون مسلية وغيرهم أيضا قد يرونها سخيفة وقد يتحمس لها معي الكثيرون.. سنقوم إذن بتأليف نص مسرحي يكون بطله الحذاء، نعم الحذاء.. النص وفكرته الدرامية ليس مشكلة لكن المشكلة ستكون في الحذاء؛ الحذاء.. الذي بالطبع سيكون غير كل الأحذية..

لذا علينا معا أن نحدد شخصية ذلك الحذاء  البطل.. ولأنني أردد كلاما عن الديمقراطية  وحق تقرير المصير، كالدول المتقدمة تماما.. قررت أن أشركه معنا ليختار ما يناسبه من سمات تؤهله لأداء دوره الشعبي والتاريخي المرتجى، والآن لنبدأ:

أسمع أحد قرائي يقترح أن يكون مصنوعا من الجلد الطبيعي الفاخر.. وأنا بالطبع سأوافق لكن الحذاء نفسه هو الذي سيرفض تماما لماذا...؟ لأنه في هذه الحالة سيضطر لأن يلبسه أناس غير الذين اعتاد عليهم، لا لشيء إلا لأنهم مهندمين أكثر مما ينبغي.. فسيقيدونه ويرهقون وجهه بالمساحيق ليبدو أكثر لمعانا ورونقا إيمانا منهم بمقولة:" خير من يعبر عن شخصيتك.. حذاؤك"

إنه يفضل الجلود التي تتحمل السير وسط دهاليز الحياة والمزابل،إذ لا مانع لديه من عبور مستنقع راكد أو يتعثر في أكوام قمامة غفل عنها العمال فتجمعت علها جيوش من الحيوانات الضالة، أو يقطع رمال صحراء موحشة ليوصل رسالة غريب أو يطمئن قلب ملهوف أو يرد جوع بائس فقير..

وآخر سيقترح أن يكون نعل الحذاء مستوردا بالذات من إيطاليا لأنها مشهورة بأجود أنواع النعال عالميا.

وأنا في الواقع سأشد على يد هذا الاقتراح لكنه الحذاء لن يرضى فهو الوحيد الذي من حقه حرية اختيار نوعية نعله الذي بالضرورة سيقرر بعد ذلك مصيره ومنتهاه.. فترونه يصر على أن يكون مما يغلب على البسطاء انتعاله.. ليتيسر له السعي والغوص بين الشوارع الضيقة والحواري الملتوية، ليستطيع الصعود إلى أعلى قمة في الجبل أو الهبوط إلى أسفل الوادي، بمقدوره ذلك العادي أن يتخبط في صخرة بمرسى أو يجوس بين بقايا بيت تهدم فوق ساكنيه باحثا عن صوت لطفل يئن، يستطيع أن يجري ملتاعا دون أن يتحسس طريقا ممهدا في محاولة مستميتة ليفادي رجلا عجوزا مبصرا كادت إحدى السيارات الطائشة أن تدهسه

يستطيع .. يستطيع .. ويستطيع

أحد قرائي مشكورا.. اقترح أن يكون من ماركة عالمية خاصة تلك المصنوعة في بلاد "الكاو بوي".. لكنه هو.. هو بذات نفسه أنكر على القارئ ذلك الاقتراح ووقف يبكي بين يديه قائلا:

يا سيدي القارئ؟

غرتك بالعولمة والعالمية وما تلاها من مسميات الغرور

ما لي أنا والماركات العالمية؟

 اجعلني بصريا، مصريا، نجديا

اجعلني سوريا لبنانيا، فلسطينيا

اجعلني في كفك قطعة حجر ألقمها فم أعادينا

اجعلني من أبسط نعل يلبسه الناس

البائع.. والسائس.. والكناس

سأصير وساما صدقني

يتفجر مني الإحساس

هنا.. انفجر عزيزي القارئ ضاحكا مهللا: الحذاء صار شاعرا

قلت: لم لا؟ لديه الحق كل الحق ألم نحاول رسم ملامحه ليكون بطل مسرحيتنا المجنونة؟

ملحوظة هامة:

لم يعجب الحذاء وصفي للمسرحية التي سيقوم ببطولتها بأنها مجنونة وطلب مني سرا أن أمحو هذا الوصف.. ففعلت.

المفاجأة أن أحد القراء اقترح أن يكون الحذاء برقبة قصيرة.. حتى يبدو أكثر أناقة، لكنه كعادته زمجر معترضا أن يكون برقبة قصيرة قائلا: المسألة يا سادة مسألة مبدأ.. فإما أن أكون برقبة طويلة تطاول ناطحات السحاب أو لا أكون برقبة من الأصل.. ودون ذلك هو المشكلة. وقال أنا لا أذيع سرا إذا أخبرتكم بأنني.. لا أحب المواقف المائعة ولا الألوان غير المحددة لذا سأخبركم بصراحة: الرقبة القصيرة تشعرني إني عريان!

والرقبة الطويلة ليست مما أحب وأهوى، لكنني أدخرها لبلاد الصقيع إذا سافرت إليها، لذا فمن الطبيعي أن أحب صورتي الحالية دونما رقبة وأستمد قيمتي من...

وهنا توقف الحذاء متسائلا: من ماذا؟

فأجابه أحد القراء المثقفين: من عقلك

فضحك الحذاء..

لكن آخر بادره قائلا: من شكلك

 فقهقه الحذاء وأطرق في الأرض خجلا وأسرع ثالث قائلا:  من صاحبك

فاندهش الحذاء وأشرقت جبهته مستريحا لهذا القول

"مشهد حركي"

الحذاء ابتسم

الحذاء فكر قليلا

الحذاء تأخر خطوة.. خطوتين.. ثلاث

الحذاء اندفع بقوة نحو الهدف تاركا صاحبه 

الحذاء يطير في الهواء

يلعب لعبة نصف  الدائرة

الحذاء يتركني أنا..

يغافل القراء والجمهور والحكام

ويهجر القدم

يصعد المنصة وحده دونما استئذان

وينطلق ينطلق..

ليعلم من صبغوه بالحزن والألم

وصنعوه عنوة من جلود البشر

صيغة جديدة لمبادئ الأدب.

ترى هل نجح القراء

في رسم شخصية الحذاء ؟

"قطع"

المصور العجوز يهم بالتقاط صورة أثيرة ..

للمشهد الأخير

وضحكة صفراء ملء وجه غاصب..

يقبله الحذاء الذي تحرر من خوفه

ليبتسم يبتسم

وأبدا..

لا ينحني

لا ينحني

حتى..

وهو يأخذ التحية!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- jina - أسبانيا

22 - ربيع أول - 1430 هـ| 19 - مارس - 2009




خلاّقة جداً

-- شيمو - السعودية

22 - ربيع أول - 1430 هـ| 19 - مارس - 2009




مرررررررررررررررررررررره أهبل

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...