الذئب أصله خروف!

ساخر » الحرف الساخر » مقال ساخر
27 - ربيع أول - 1430 هـ| 24 - مارس - 2009


1

 

في مكان مجهول لا تعرف موقعه بسهولة يعيش راع وأغنامه وكلابه. لكن الراعي لا يشبه الرعاة الآخرين.. فهو لا يعرف للرحمة معنى. ولا يعتقد أن للألم وجوداً.. كان ظالما. يحمل بدل الناي صفارة.. وبيده هراوة. والنعاج –التي يحلبها ويجز صوفها ويبيع أمعاءها ويأخذ روثها ويسلخ جلدها ويأكل لحمها ويستفيد من كل ما فيها– لا يكن لها شفقة أو محبة.. يحلب الأغنام يوميا ثلاث مرات حتى يسيل الدم من أثدائها.. وعندما تشكو ذارفة الدموع من عينها ينهال عليها ضربا على رؤوسها وظهورها.

لم تحتمل النعاج وحشيته فكانت تتناقص يوما بعد يوم.. لكنه ازداد قسوة.. فقد كان على العدد المتناقص من الأغنام أن يعوضه عن كل ما هرب أو مات من القطيع.. وقد فقد الراعي عقله وجن لأنه كان يحصل على حليب وصوف أقل مما كان يحصل عليه. وراح يطارد الأغنام المتبقية في الجبال والسهول حاملا هراوته في يده. ومطلقا كلابه أمامه.

كان بين الأغنام خروف نحيف كان الراعي يريد حلبه والحصول منه على حليب عشرين جاموسة!.. وكان غضبه أنه لا يحصل على قطرة حليب منه.. لأنه ببساطة خروف. وليس نعجة..

 وفي يوم غضب الراعي منه وضربه ضربا مبرحا جعله يهرب أمامه.. فقال له الخروف: "يا سيدي الراعي أنا خروف قوائمي ليست مخصصة للركض بل للمشي.. الأغنام لا تركض. أتوسل إليك لا تضربني ولا تلاحقني". لكن الراعي لم يستوعب ذلك ولم يكف عن ضربه.. ومع الأيام بدأ شكل أظلاف الخروف يتغير لكثرة هروبه إلى الجبال الصخرية والهضاب الوعرة للخلاص من قسوة الراعي القاتل.. طالت قوائمه ورفعت.. فازدادت سرعة ركضه هربا لكن الراعي لم يترك إليته.. فاضطر الخروف للركض أسرع. ولكثرة تمرغه فوق الصخور المسننة انقلعت أظلافه ونبتت مكانها أظافر من نوع آخر.. مدببة الرأس ومعقوفة.. لم تعد أظافر بل مخالب.

مرة أخرى لم يرحمه الراعي فواصل الخروف الركض فكان أن شفط بطنه إلى الداخل واستطال جسمه وتساقط صوفه.. ونبت مكان الصوف وبرة رمادية قصيرة وخشنة. وأصبح من الصعب على الراعي أن يلحق به.. لكن ما إن يلحق به حتى يواصل ضربه وإهانته. وهو ما جعل الخروف يرهف السمع حتى يستعد للهرب كلما سمع صوت قدوم الراعي أو كلابه. ومع تكرار المحاولة انتصبت أذناه وأصبحت مدببة قابلة للحركة في كل اتجاه.. على أن الراعي كان يستطيع أن يصل إليه ليلا وضربه براحته فالخراف لا ترى في الظلام.. وفي ليلة قال الخروف له : سيدي الراعي.. أنا خروف.. لا تحاول تحويلي إلى شيء آخر غير الخروف.. لكن الراعي لم يستوعب ما سمع.. فكان أن أصبح الخروف يسهر ليلا ويحدق بعينه في الظلام.. ولكثرة تحديقه كبرت عيناه وبدأت تطلقان شررا.. وغدت عيناه كعودي كبريت في الليل.. تريان في الظلام أيضا.

كانت نقطة ضعف الخروف هي إليته.. فهي ثقيلة تعطله عن الركض. لكن.. لكثرة الركض ذابت إليته واستطالت. وفي النهاية أصبحت ذيلا على شكل سوط. ورغم فشل الراعي في اللحاق به فإنه كان يلقي الحجارة عليه ويؤلمه.. وكرر الخروف على مسامع الراعي: "إنني خروف يا سيدي.. ولدت خروفا.. وأريد أن أموت كبشا.. فلماذا تضغط علي كي أتحول إلى مخلوق آخر؟".

لم يكن الراعي يفهم.. فبدأ الخروف يهاجم الراعي عندما كان يحصره في حفرة ما لحماية نفسه من الضرب. وغضب الراعي أكثر.. فضاعف من قسوته بجنون لم يشعر به من قبل.. فاضطر الخروف أن يستعمل أسنانه. لكنه لم يستطع ذلك لأن أسنانه داخل ذقنه المفلطحة. وبعد محاولات دامت أياما بدأت أسنانه تنمو. وفيما بعد استطال لسانه أكثر. وأصبح صوته غليظا خشنا. ولم يستوعب الراعي ذلك.. وواصل ما يفعل وبالقسوة نفسها.

ذات صباح شتوي استيقظ الراعي مبكرا ليجد المكان مغطى بالجليد. وتناول هراوته التي سيحث بها نعاجه المتبقية على حليب عشر بقرات وذهب إلى الزريبة. لكن ما إن خرج من الباب حتى وجد بقعا من الدم الأحمر فوق الثلج.. ثم رأى أشلاء أغنام متناثرة.. لقد قتلت كافة النعاج ومزقت. ولم يبق منها ولا واحدة.. وظلل عينيه بيديه ونظر بعيدا فرأى الخروف.. كان الخروف قد مد قائمتيه الأماميتين قدامه وتمدد بجثته الضخمة على الثلج وهو يلعق بلسانه الطويل الدماء من حول فمه. ثمة كلبا حراسة يتمددان على جانبيه دون حراك.. ونهض الخروف وسار بهدوء نحو الراعي.. كان يصدر صوتا مرعبا.. وبينما الراعي يتراجع إلى الخلف مرتجفا قال متمتما: "يا خروفي.. ياخروفي.. ياخروفي الجميل". عوى الخروف قائلا: "أنا لم أعد خروفا".

كرر الراعي ما قال.. عوى الخروف قائلا: "في السابق كنت خروفا. ولكن بفضلك أصبحت ذئبا". وجرى وراءه...

عزيز نيسين: كاتب تركي ساخر

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- نونو -

27 - ربيع أول - 1430 هـ| 24 - مارس - 2009




ههههههه رائعة

في عصرنا كم خروف تحول لذئب ؟

-- -

28 - ربيع أول - 1430 هـ| 25 - مارس - 2009




ماأروعها من قصة تعلمنا أن لا أكثر مما تعطينا..

-- سوسو -

28 - ربيع أول - 1430 هـ| 25 - مارس - 2009




قصة رائعة بأسلوب اروع

-- عزيز -

28 - ربيع أول - 1430 هـ| 25 - مارس - 2009




ههههههه
أنا من المعجبين جداً بكتابات عزيز نيسن بس هالقصة أول مرة اقرأهاروووعة

-- هند - الجزائر

28 - ربيع أول - 1430 هـ| 25 - مارس - 2009




قصة رائعة للعبرة.
فاعتبروا يا اولي الالباب.

-- اخت لولو -

30 - ربيع أول - 1430 هـ| 27 - مارس - 2009




بصرااحة القصه جميله جداا تفيدناا بان نفهم الاخرين

-- السنيورة - السعودية

30 - ربيع أول - 1430 هـ| 27 - مارس - 2009




جزاك الله خير ..قصة ممتعة جدا ..وتحمل معاني تربوية مهمة ..

-- pinkrose - أخرى

01 - ربيع الآخر - 1430 هـ| 28 - مارس - 2009




قد تقسو علينا الحياة احيانا لكن لن تحولنا من خروف وديع الي ذئب كله احقاد بل الي خروف اقوى واقوى قادر على الاستمرار في الحياة مستفيدا من خبراته السابقة معتزا بما مر به من تحديات والالام....

-- white horse - الأردن

01 - ربيع الآخر - 1430 هـ| 28 - مارس - 2009




لقد أعجبني جدا تعليقك يا pinkrose لاننا اذا استسلمنا للمصاعب التي تواجهنا بهذه الحياة فسنتحول الى ذئاب غير قادرين على التعايش مع هذه الحياة

-- pinkrose - أخرى

02 - ربيع الآخر - 1430 هـ| 29 - مارس - 2009




شكرا لك ياwhite horse هذا شيء يسعدني...........دعواتكم

-- الاقحوانه -

03 - ربيع الآخر - 1430 هـ| 30 - مارس - 2009




الصراحة مقالا رائع اعجبني كثيرا ... له مدلول من ارض الواقع ...

-- moon light - مصر

02 - جماد أول - 1430 هـ| 27 - ابريل - 2009




حلوه اوي القصه والرسول صلى الله عليه وسلم قال (ماجعل الرفق في شئ الا زانه وما نزع من شئ الا شانه)

-- zeze - مصر

04 - جماد أول - 1430 هـ| 29 - ابريل - 2009




شكرا على المعلومه علمتنى ان لا اقصو على اولادى

-- ثناء القاعي.. - السعودية

05 - جماد أول - 1430 هـ| 30 - ابريل - 2009




جمييييله جدا القصه ..

أعجبتني كثيررا بمحتوها

ومضمونها وهدفها

الواضح ..

تحيتي..

-- منال -

18 - ربيع أول - 1431 هـ| 04 - مارس - 2010




رائعة والمغزى اروع شكرااااااااااااااااااااا

-- ديمه10 -

19 - ربيع أول - 1431 هـ| 05 - مارس - 2010




يقال((كثر الظلم يعلم القسوه))
احزنتني القصه كثيرا فهي تحكي واقع
ولكن لماذا يترك الظالم ويعاقب المظلوم عاد الذئب لينتقم
فاانتقم من الضعفاء اصحابه سابقا وترك من ظلمه وهنا العبره
وهنا وقعنا المحزن!!!

-- العالية2 - السعودية

20 - ربيع أول - 1431 هـ| 06 - مارس - 2010




موضوع رائع جدا لكن لدي استفسار هل يمكن ان يتغير الذيب الى خروف وماهي الظروف المصاحبه لذلك واي الحالتين اكثر تأثير تحول الخروف الى ذئب ام تحول الذئب الى خروف

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...