اعتراف على هامش معركة المطبخ الباسلة!

ساخر » الحرف الساخر » مقال ساخر
22 - ربيع الآخر - 1430 هـ| 18 - ابريل - 2009


1

أعترف أنني كنت السبب الرئيس في نزعة العنف المطبخي التي انتبات صديقي "معمر" دون سابق إنذار أو استئذان وأسفرت عن معركة عنيفة، ولا ندري متى تضع الحرب أوزارها خصوصا بعدما أشهرت السيدة "برمودا أنا" أسحلتها وتوعدت برد الصاع صاعين!

وأعترف أيضا أنني ربما كنت ملهمه  دون أن يشعر هو ودون أن أقصد أنا في استدعاء كل أبطال الحرب والقتال بدء من هولاكو وانتهاء بكابتن ماجد في موقعة المطبخ الباسلة، التي أبلى فيها بلاء حسنا فراح يصفع ويركل ويقفز بمنتهى الخفة كجنود المارينز لينتصر لنفسه ويشفى صدور رجال مكممي الأفواه!

اعتذر منك يا صديقي "معمر" فلولا إلحاحي عليك للتخلي عن الكتابة السياسية والتخلي عن صب جام قلمك على العدوان الأمريكي على بلادنا وأهلنا في بلاد كثيرة لما آل الحال لما آل إليه، لكني لم أنتبه أن لديك هذه الطاقة العجيبة التي كانت ستخرج يوما ما إما على أمريكا أو في المطبخ بين الطناجر وبين البحور المراقة من الصلصة الحمراء، وليتني لم أقطع عليك طريق تفريغ طاقتك الغاضبة في أمريكا فكلنا يفرغ غضبه فيها وفي أهلها ليلا ونهارا و"الست" أمريكا لم تشتك من أحد بل نراها دوما محافظة على ابتسامتها الغامضة، ونرجع أنا وأنت من رحلة غزوها ـ بالسباب فقط ـ ونحن نود شكرها لو نستطيع لأنها لم تقصر معنا ولم تحرمنا من تفريغ طاقاتنا الغاضبة وتمتص شحنة العدوانية في ألسنتنا وقلوبنا وهي مهمة تشكر عليها على كل حال!

لكن والحق يقال كنت ألمح في عينيك لمعة لا تظهر إلا في عيون الذين يديرون حربا بالوكالة مع السيدة "برمودا أنا" فكأنك كنت تسب وأمريكا بلسانك فقط، وقلبك يقول "إياك أعني وافهمي يا جارة"، ويبدو أن عقلك الباطن كان يقظا أكثر من اللازم ولديه شهوة مدمرة لخوض هذه النوعية من حروب المطابخ والطناجر، ولم تكن في حقيقة الأمر تحتاج غير دفعة صغيرة تقطع عليك ترددك وكنت أنا المسكين صاحب هذه الدفعة في زلة لسان حين نهيتك ـ سامحني الله ـ عن سباب "الست" أمريكا فرحت تردد في نفسك دون وعي وأنت تتخيل نفسك واقفا بين صفوف الطناجر والشوك والساكين وكل أسلحة القتال المطبخية متمثلا أبيات الحارث بين عباد البكري:

قربا مربط النعامة مني

طال ليلي على الليالي الطوال

قربا مربط النعامة مني 

واعدلا عن مقالة الجهال

قربا مربط النعامة مني

ليس قلبي عن القتال بسال

ونسيت يا صديقي أن الحرب لم تعد حرب عضلات، بل إنها حرب تدار بالزراير، لذلك لم تكن حكيما حين لم تترك لنفسك خطا للرجعة، وظننت أن عضلاتك المفتولة وحركات الجمباز التي تدربت عليها في الشباب ستسعفك أمام حرب السيدة "برمودا أنا" الالكترونية الشاملة.

أما أنا حين رأيتك أقدمت على فعلتك الجرئية أو المتهورة بالأحرى، فلا أكتمك أنك حركت في نفسي لواعج شوق قديم لخوض التجربة برغم أني مسالم بطبعي فلم أفكر يوما في سب أمريكا ولا حتى سب بنجلاديش، ورحت أحاول مؤازرتك ودعمك بقول الحارث أيضا:

قربا مربط النعامة مني

لا نبيع الرجال بيع النعال

قلت هذا خوفا من تراجعك بعدما علقت عليك أملي في تحقيق انتصار قديم تأخر كثيرا، ورحت أبشر الناس بك وبشجاعتك وبسالتك وعنادك في القتال، ورحت ومعي جيش من الرجال الأشداء نمني أنفسنا بعودة زمن الطبيخ المسبك والأكل البيتي الشهي بعدما تنتصر في معركتك العظيمة وتحطم أسطورة صاحبة المطبخ المتمردة التي تركتنا كالأيتام على موائد الخواجات السريعة، فتجرها من شعرها وتلقي بها بين أواني المطبخ وأغراضه، فننتصر عليها وعليهن جميعا وتشرق شمس مطابخنا من جديد!

وليتني ما تمنيت هذه الأمنية الآثمة، بل ليتني ما حرضتك بفعل أو قول أو حتى إيماءة! إذ رأيت أشواقك للزعامة تنتفض في صدرك وتقدم نفسك زعيما يهدر في البيت: أيتها السيدات الهاجرات المطابخ لأجندن عليكن جيشا من الرجال أوله في "بنده" وآخره في "كارفور" ولأدكن أفكاركن دكا حتى تستفقن وتستسلمن للحق من دون شرط أو قيد!

قلت هذا الكلام بعد أن خدعتك أبواق المتشوقين لما تسفر عنه معركتك ولم تتوقف لترى حجم قوتك وأنصارك الحقيقيين فسرت وحيدا وفي ظنك أن فلولا من الرجال الأشاوس تتبعك وتؤيدك، فسرت وسرت، حتى وجدت نفسك وجها لوجه أمام السيدة "برمودا أنا" وحين التفت وجدت نفسك عاريا من الرجال ومن العتاد، عندها أدركت حتفك وحتفنا جميعا. وأعتقد غير متأكد أن السيدة "برمودا أنا" كانت لديها ولدى من خلفها رغبة جامحة كالتي لديك وأكثر، ولكنها انتظرت أن تكون البادئ حتى تكون جريمتك كاملة ثم تحيط بك ومن يتعرض لك من أمثالي!

وبعد هذه الهزيمة المنكرة رأيت من واجبي بصفتي مستشارك الشخصي أن أحلل نتائج المعركة ولماذا نشبت أصلا وما السبل المتاحة لتخفيف آثارها وبدأت في تتبع دوافعك ودوافعنا الحقيقة ولماذا تصر على عودة السيدة "برمودا أنا" إلى المطبخ مصحوبة بكل هذه الاحتفالات من الركل والرفس، واكتشفت أننا نعوض نقصا حادا ـ إي والله هذا ما اكتشفته ـ فإحساسنا بالرجولة والتعبير عن الذات يتضاءل، فكل السبل سدت أمامنا ولا من طريق إلا "ماما" أمريكا فهي خصمنا وهي حكمنا، وفيها قال الشاعر:

فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

طبعا من حقك تسألني مرتابا غير متأكد من آرائي بعدما كنت السبب في هذه الهزيمة النكراء، لكني أقول لك جربني هذه المرة،وأظن والله أعلم أنك أننا جميعا بما فينا السيدة "برموا أنا" نشعر بالظلم وحين نفتش عن الظالم الحقيقي نجدنا ظالمين مظلومين، والمظلوم والمقهور لا يحسنان قولا ولا فعلا صائبا وإن أرادا!

 لا تتعجل واسمع للنهاية.. هل تذكر يوم جمعتنا وتحلقنا، حول جهاز الحاسوب الخاص بك حين كنت تعرض علينا مادة فيليمة قصيرة لحيوان مخيف أشبه بالضب يحاول أن يأكل كتكوتا خرج لتوه من البيضة، وغطى الزغب الأخضر جسمه الضيئل، انتشينا لمنظر الكتكوت وهو ينقر الحيوان ويدافع عن نفسه حتى انصرف عنه هذا الحيوان المخيف، ساعتها رأيتك تهتف فينا: أرأيتم.. أرأيتم.. لقد عجزنا أن نكون مثل الكتكوت أمام الزحف الإمبريالي، والهجمات الصهيو أمريكية، وهتفنا معك ولم يكن إعجابنا بالكتكوت بقدر تعلقنا بقشة تثبت لنا أننا مازلنا أحياء، وواقع الأمر أن الحيوان المخيف هو من ترفع عن أكل الكتكوت ولو أراد التهامه لما كلفه ذلك غير أن يفتح فمه ويطبقه عليه فقط، ورأيتنا جميعا ننتحل الحجج لنؤكد بها مقدرتنا على إثبات ذواتنا ورجولتنا ومقدرتنا كما فعل الكتكوت، فكان أن تهورت أيها الزعيم ورحت تنفذ ما تعلمته من الكتكوت ولكن في المكان الغلط بين الطناجر ومع السيدة "برمودا أنا" فرجعنا خاسرين ولم نحرز موقفا مشرفا كالكتكوت ولم نبق كما كنا نفرغ غضبنا وكبتنا في "الست" أمريكا صاحبة الابتسامة الغامضة!

 أرجو أن أكون كفرت عن خطئي بنصحك ومدك باستشارات لم تؤت ثمارها المرجوة، وأرجو أن تستمع نصحي هذه المرة وألا تضطرني ـ بعد معركة قريبة متوقعة ـ لترديد حكمة دريد بن الصمة الباقية منذ غزوة حنين:

منحتهم نصحي بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا النصح إلاّ ضحى الغدِ!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أم عبد الرحمن -

23 - ربيع الآخر - 1430 هـ| 19 - ابريل - 2009




رائع أستاذنا الغريب ، لكني أود أن اقول أنها ليست معركة نصر وهزيمة بقدر ما هي حياة يمكن أن يكون فيها راحة بالهزيمة ومشقة في النصر!!

-- أبو يحيى - ماليزيا

25 - ربيع الآخر - 1430 هـ| 21 - ابريل - 2009




جميلة هذه المساجلات الأدبية التي لا تخلو من فائدة شكرا للكاتب وللكاتبين السابقين عليه وهذا لون من أدبي مفتقد

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...