الكثيري وكتابه (تكريم الإنسان)

دعوة وتربية » نوافذ
16 - جماد أول - 1430 هـ| 10 - مايو - 2009


ما يزال الدكتور "محمد بن ناصر الكثيري" مهتما بتنقية الشخصية المسلمة مما يشوبها من أكدار؛ تنتقص من خصوصيتها وسمتها الذي يميزها على جميع البشر، هذه  الخصوصية تبدو في حرص الإسلام على صيانة الإنسان وتكريمه سواء أكان من أتباعه أو من أتباع الديات والفلسفات الأخرى، فقط تمنح هذه الصيانة وهذا التكريم للإنسان لمجرد أنه إنسان.

وبالرغم من وضوح هذه الخصوصية في الإسلام ثقافة وحضارة، فقها وتشريعا، إلا أن أكثرنا ـ نحن المسلمين ـ  لم تعد لدينا الثقة الكافية لنجاهر بها أو نعرضها على غيرنا.. ولا نبرزها إلا عند الدفاع عن ديننا وقيمنا؛ حين نتهم بالإرهاب والقتل والدموية والوحشية إلى آخر هذه القائمة الطويلة من الاتهامات المدروسة بعناية، فنبادر دون وعي بوضع الإسلام في قفص الاتهام ونجهد أنفسنا في الدفاع عنه!

وها هو محمد الكثيري بعد أن عرى الانتهازيين في كتابه (الانتهازيون) وبين صفاتهم وسلوكهم وأساليبهم الماكرة مؤكدا أنها ـ الانتهازية ـ  آفة تأكل الأخلاق وتهوي بالمجتمعات إلى الدونية والغوغائية، يؤلف كتابا جديدا يركز فيه على عناية الإسلام بالإنسان وإعلائه لكل القيم والمكارم الحميدة.

الإنسان حقوق أم تكريم؟

يُصدّر الكثيري كتابه بصفحة يذكرنا فيها بصورة كثيرا ما تتكرر، وهي من أبدع الصور التي تقع في الكون يوميا، غير أن بلادة الألفة أنستنا ما تحمله هذه الصورة من تكريم للإنسان.

 فينقل لنا صورة هذه الجموع التي تستنفر وتقف في خشوع وهيبة لأداء شعيرة صلاة الجنازة على أحد الخارجين من الدنيا الميممين للآخرة، ويلتقط ما فيها من تكريم للإنسان بلا أدنى فرق في مقام أو سن أو جنس، بل ينال التكريم من لم ينزل إلى الحياة الدنيا أصلا ويولد ميتا!

ويوضح الكثيري أن بواعثه في تأليف هذا الكتاب ثلاثة بواعث:

 الأول: نصرة من يرزحون تحت وابل الإهانات في ظل واقع يسلبهم شعورهم بالكرامة.

 والباعث الثاني هو: تعزيز ثقة الشباب المسلم بدينهم وعقيدتهم وحضارتهم، وتاريخ أمتهم التي قادت العالم بجدارة فكانت نموذجا لإعلاء القيم الإنسانية دون تمييز وحفظت للإنسان كرامته.

أما الباعث الثالث فهو: أن يعلم الإنسان ـ كل إنسان ـ أن سعادته وكرامته الحقيقية مرهونة بسلوك المنهج الذي أراده له خالقه جل وعلا.

كما يوضح "الكثيري" أن تكريم الإنسان هو قضية الإسلام الأولى، فحين يتنزل القرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويأتيه التوجيه (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)  إنما هو غاية التكريم حين يعلم الله الإنسان ما لم يعلم.

ويدرك الكثيري ـ ويدعونا لأن ندرك معه ـ أن المشروع الإنساني الذي جاء به الإسلام هو أكمل المشاريع وأسماها، وبالرغم من أن الغرب قدم مشروع (حقوق الإنسان) الذي يعد نقلة كبيرة وإنجازا مهما للإنسان؛ إلا أن جوانب القصور النظرية التي اكتنفته، إضافة إلى العجز والإخفاق في التطبيق: جعل الفشل حليفه، حيث الانتقائية والاستغلال هما السمتان البارزتان فيه، وهذا السر وراء غياب الثقة في هذا المشروع الذي لا يلبي حاجات البشر والذي وضع لابتزازهم في كثير من الأحيان!

تكريم الإنسان وإهانته!

وينقسم كتاب الكثيري إلى مقدمة وأربعة محاور رئيسية هي: تكريم الإنسان، إهانة الإنسان، إهانة الإنسان اليوم، وأخيرا عواقب إهانة الإنسان.

وفي محور تكريم الإنسان: يأخذنا الكثيري في جولة للتعرف على صور متعددة من تكريم الإنسان في الإسلام.

 أولها: أن تعالى حرم على الإنسان عبادة غيره، وأنه سبحانه خلق الإنسان بيديه الكريمتين، وأن الله تعالى نفخ في الإنسان من روحه، وأسجد له الملائكة، وأسكنه الجنة، كما أن الله تعالى اختص الإنسان باللباس الذي يستره ويخفي عيوبه ويظهره في أكمل صورة.

وأن سبحانه جعل الإنسان خليفته في الأرض، وأنزل إليه الرسل والكتب وخاطبه بنفسه، وأتاح له الاتصال المباشر به دون وسيط، وحفظ جهده وماله، وحفظ توازنه النفسي واستقراره الشخصي.

ثم إنه تعالي رحم الإنسان فأنزل له التشريعات التي جاءت لمصلحته أولا وأخيرا، وراعي الله تعالى الطبيعة البشرية التي قال عنها (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا).


 ومن صور التكريم أيضا احترام عقل الإنسان: فحرم على الإنسان تغييب عقله والسير مغمض العينين والتقليد الأعمى، وقد عاب على الذين احتجوا بأنهم أطاعوا سادتهم وكبراءهم
(وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)  فالإسلام لا يعرف الطاعة العمياء التي يتجرد فيها الإنسان من عقله.

 ومن صور تكريم الإنسان أيضا: إعلاء شان القيم الإنسانية، والتحلي بها دون تمييز أو تطبيق انتقائي مثلما حدث عند اليونان الذين وضعوا حجر الأساس للحضارة المادية المعاصرة فهذا "أرسطاطاليس" يقول: (إن اليونانيين ينبغي لهم أن يعاملوا الأجانب بما يعاملون به البهائم).

 وفي القرن الثالث عشر الميلادي يفتي البابا نقولا الرابع قائلا: (الغدر إثم، ولكن الوفاء مع المسلمين أكبر إثما).

أما الصور التي يسوقها الكثيري في كتابه كأدلة على إهانة الإنسان فهي:

 عبادة غير الله تعالى، والإبادة البشرية تحت ذرائع كثيرة، وتجارة الحروب، واعتبار أن الشر هو الأصل في الإنسان، واعتبار الإنسان حيوانا راقيا، واختزال جميع دوافعه في الجنس، وتعظيم القوة المادية وانتشار الربا وغياب العدالة الاجتماعية، وفشو الاستبداد وتخويف الإنسان.

ومن صور إهانة الإنسان اليوم كما يقول الكثيري: تهجير الملايين خارج أوطانهم بالحروب والقتل والإبادة أو تشريدهم داخل أوطانهم فيعيش بعضهم في العشش ومدن الصفيح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب له خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب له مسكنا" رواه أبو داوود وصححه الألباني.

ومن هذه الإهانات أيضا: سلب حرية الإنسان التي منحه الله إياها، وحرمانه من حقوقه المادية، أو تأخير صرفها عند استحقاقها، ويسوق هنا خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المسلمين محذرا من هذه الآفة "ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم".

ويختم الكثيري كتابه محذرا من عواقب إهانة الإنسان أيا كان، و منها: انتشار جرائم العمال في بعض المجتمعات أو جرائم الأقليات المضطهدة في مجتمعات دون أخرى، ويذكرنا بحكمة الأحنف بن قيس (من عاشر الناس بالمكر كافؤوه بالغدر).

كما يحذرنا من أي سلوك قد ينطوي على أي مظهر من مظاهر الإهانة للإنسان ولو كان غير مقصود، ويروي ابن عباس رضي الله عنهما أن البني صلى الله عليه وسلم مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان ربط يده إلى إنسان بسير، فقطعه بيده ثم قال: (قده بيده).

نحن والكثيري:

وفي رأيي أن دور الدكتور الكثيري في كتابه (تكريم الإنسان) لم ينته بعد! فقد أنجز ما يخصنا منه نحن المسلمين بتذكرينا بقيمة رفيعة لا يكتمل ديننا إلا إذا آمنا بها.

 وبقى عليه أن ينجز ما يخص الإنسان المحروم من الكرامة في كل مكان؛ ليعرفه بحقوقه في نيل التكريم وذلك بترجمة هذا الكتاب إلى العديد من اللغات، فربما كانت أفكار كتابه مدهشة لغير المسلمين؛ بل قد تكون صادمة حين يعلمون عنا وعن ديننا وقيمنا كل هذا الرقي وهذه الحفاوة التي حرموا منها حين استعبدتهم آلة الحياة الحديثة!

أما نحن فلا يجب أن نتوقف في كتاب (تكريم الإنسان) عند مرحلة الزهو بقيمنا وبأنفسنا وأننا خير الأمم؛ ثم نتأسف على حال العالم البائس!


           بل يجب علينا: تسويق هذه القيم، وإنزالها لواقعنا حية تتنفس بيننا، وعلينا تحمل مسؤوليتنا تجاه غير المسلمين فبقدر ضخامة الميزة؛ تكون ضخامة المسؤولية والتبعة.

 وعلى كل مسلم أن يبادر بطرح قيم الإسلام وآدابه وسلوكه كوسائل إنقاذ للبشرية مما هي فيه من هوان واستعباد مبطن باسم الحضارة مرة وباسم التكنولوجيا والتطور مرات.

 فكل مسلم وعى حقيقة الإسلام وتكريمه للإسلام مطالب بحمل هذه القيمة، وبثها والتبشير بها ليعم التكريم وطن الإنسان (الأرض) وإن لم يحملها المسلم فمن يحملها إذن؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
الكثيري وكتابه (تكريم الإنسان)
-- مؤمنة -

16 - جماد أول - 1430 هـ| 10 - مايو - 2009




عرض رائع أستاذ علي ليعلم الذين لايفقهون أن الإسلام كان وما زال سباقا في الحفاظ على حقوق الإنسان بتفضيله له على سائر المخلوقات ومن ثم تكريمه
جزاك الله ود. الكثيري خيرا
هز بتأليفه الكتاب وأنت بعرضه لتعم الفائدة

الكثيري وكتابه (تكريم الإنسان)
-- أبو فادي ـ السعودية -

17 - جماد أول - 1430 هـ| 11 - مايو - 2009




أؤيد الكاتب في ترجمة هذا الكتاب

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...