كيف تكتشف ابنك الموهوب وترعاه؟ (3)

دعوة وتربية » نوافذ
12 - جمادى الآخرة - 1430 هـ| 06 - يونيو - 2009


1

أهلاً بك عزيزي القارئ نكمل حديثنا مع الموهوبين

          لا نبالغ إذا قلنا إنّ الموهوبين من الأطفال ثروة كبيرة من ثروات الأمة،وعليهم أملٌ معقود في النهوض بها واستعادة مجدها العريق؛ لذلك وجب على كل والد ومربٍ أن يكتشف جوانب النبوغ في ولده مبكراً،ويتعهده بالرعاية اللازمة،وإلا ضمر ذلك النبوغ واضمحلت الموهبة،وخسرت الأمة كنوزاً لا تعوض،مما يحول دون تقدمها وازدهارها.

ولذلك ينبغي ألا يتوقف الجهد المبذول مع الطفل الموهوب عند اكتشاف موهبته، ولكن لابد من مواصلة الطريق حتى يورق هذا النبوغ ، ويؤتي ثماره المرجوّة خيراً عميماً يفيض على زمانهم بأسره.

          فالإبداع ليس سمة محصورة في القلة من الناس، بل هو قدرة كامنة لدى معظم الناس، يمكن رعايتها وتنميتها، إذا ما توافرت لها الظروف المواتية في البيت والمدرسة وغيرها من المواقف الحياتية في المجتمع.

وقد أكد –من قبل- الخطيب البغدادي على ضرورة رعاية الأذكياء من الطلبة، واعتبر أنه ليس من الصعب على المعلم النابه أن يكتشف الطلبة الأذكياء النابهين، فقال: "فكما أنّ الشمس لا يخفى ضوْؤها وإن كانت تحت السحاب، فكذلك الصبي لا يخفى نبوغ عقله، وإن كان مغمورا بأخلاق الحداثة".

ثم يضيف: "إن كان في جملة المتفقهين حدثٌ أو صبيّ له حرص على التعلم، فإن أنس المعلم منه ذكاء أو فطنة، فليقبل عليه وليصرف اهتمامه إليه" وذكر ذلك الاهتمام أيضاً عن الإمام أبو حيان الغرناطي،حيث كان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم وينوّه بقدرهم.(محمد اسماعيل:علو الهمة،ص:394).

          ولقد تسابق المسلمون في شتى العصور إلى تشجيع الموهوبين والمتميزين، بكافة صور التشجيع، فكانوا ينفقون الأموال الجزيلة لنفقة النابغين من طلبة العلم،الذين حبسوا أنفسهم على طلبه،كي يُغنوهم عن سؤال الناس، أو الاشتغال عن العلم بطلب المعاش ،وكانوا يوقفون لذلك أوقافاً يخصص دخلها للإنفاق على طلبة العلم.

          وفي العصور التالية كان المعلمون في الكتاتيب والمدارس والأزهر الشريف إذا لمسوا في طفل النجابة وسرعة التعلم،احتضنوه، وساعدوه على طلب العلم،وزودوه بالمال،من مالهم الخاص أو من الأوقاف.

          ماذا نقصد بالرعاية؟

          ونقصد هنا الرعاية بمعناها الشامل، من التشجيع والتدعيم المعنوي إلى التدعيم المادي وتذليل العقبات.

التشجيع حارس الموهبة،ووقود الإبداع

          أجرت مجلة إنجليزية استبيانا سألت فيه الأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الآداب،وجعلت جائزة قيّمة لأحسن جواب، فكانت الجائزة من نصيب كاتبة مشهورة حيث قالت:"إنه التشجيع"،وقالت:" إنها في تلك السن، وبعد تلك الشهرة والمكانة،تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضي إلى الأمام، وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير"

ولذلك يأتي التشجيع في مقدمة وسائل دعم ورعاية الموهوبين، ينتبه لذلك الحذّاق من الآباء والأمهات والمعلمين، خاصة في المراحل الأولى من عمر الأبناء، يروى عن ابن شهاب رحمه الله يشجع الأولاد الصغار، ويقول لهم:

"لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب كان إذا به الأمر المعضل، دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم"

واحذر ..عزيزي المربي من قاتل المواهب !

          إنه التثبيط،الذي يعد من أكبر قاتلي الموهبة،ووأدها وهي مازالت في المهد،فكم من طفل نجيب كانت لديه الدافعية والموهبة معاً،ولكن قعد به تثبيط المحيطين،الذين لا يحسنون الرعاية إلا بترديد عبارات مثل:

"من تظن نفسك،وهل تعتقد أنك ستصير شيئاً ؟

ويسمون محاولة الاختراع والابتكار: تخريب، والرسم الجميل: عبث وتضييع للورق والألوان بلا فائدة..وهكذا

          وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم من هذا الدور السلبي،ويشتغلوا بما ينفعهم،وأن لا يعاجلوا موهبة الولد بأسلوب التثبيط الخاطئ الذي يقضي عليها،لأن الولد الذي تلقى رد فعل مثبّط قد لا يفكر مرة أخرى في عرض موهبته أو البحث لها عن منفذ ترى منه النور وتنمو وتنتعش.

إن التشجيع بكل صوره، يفتح الطريق للعبقريات المخبوءة حتى تظهر وتؤتي أكلها، ورُبَّ ولد من أبناء أبسط الناس، منحه الله تعالى الموهبة،يصير له شاناً فيكون عالماً أو مخترعاً إذا لقي من والديه ومعلميه الرعاية اللازمة.

وصدق القائل:

لا تنظرنَّ إلى العباسِ من صغرٍ   في السن وانظر إلى المجد الذي شادا

إنّ النجوم نجوم الأفق أصغرها   في العين أذهبها في الجوِّ  إصعــادا

وللمالِ دورٌ لا نغفله:

          ومن أشهر من كان يعنى بالتفتيش عن النابغين، ويستنقذهم من ظروفهم القاسية، ويأخذ بأيديهم في طلب العلم،الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، فقد كان مثالاً يُحتذى في التدعيم المادي والمعنوي لطلبته وتلاميذه، كان رحمه الله يواسيهم من ماله الخاص، ويعينهم على نوائب الدهر، حتى أنه كان يزوّج من كان منهم يحتاج إلى الزواج ولا يملك مئونته، يقول عنه شريك:

"كان يغني من يعلمه، وينفق عليه وعلى عياله، فإذا تعلم قال له:"لقد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال والحرام"

وأحياناً كان يكفل شديدي الفقر من الطلبة النجباء كفالة تامة، يحكي ذلك "الكردي" أحد تلاميذ الإمام أبو حنيفة،ويقول:

"كنت أطلب العلم وأنا مقل المال، فجاء إليّ أبي وأنا عند الإمام، فقال لي:يا بني لا تمدنّ رجلك معه،فإنّ خبزه مشويّ وأنت محتاج، فقعدت عن كثير من الطلب، واخترت طاعة والدي، فسأل عني الإمام، وتفقدني، وقال حين رآني:ما خلّفك عنّا؟ قلتُ:طلب المعاش، فلما رجع الناس، وأردت الانصراف دفع إليّ صُرَّة فيها مائة درهم، فقال:أنفق هذا فإذا تمّ أعلمني، والزم الحلقة،فلما مضت مدة دفع إلي مائة أخرى، وكلما كانت تنفد كان يعطيني بلا إعلام كأنه كان يخبر بنفادها، حتى بلغت حاجتي من العلم، أحسن الله مكافأته، وغفر له"

ولكن هل وقفت رعاية الإمام أبي حنيفة عند التدعيم المادي والمعنوي فقط؟

إنّ بعضاً من الآباء والمعلمين قد يفرح بنبوغ ولده،ويهيّئ له الفرص المناسبة لازدهار موهبته،ولكنه في غمرة ذلك ينسى أن للتفوق آفات مثل العجب والغرور والتي من شأنها أن تولّد أخلاقاً سيئة في الولد الموهوب،مثلا التعالي وانتفاش الذات،فهل غفل أبو حنيفة عن مثل هذه الآفات؟

يجيبنا شُريك ويقول:"وكان ينظر إلى نفوس تلاميذه،ويتعهدها بالرعاية والنصيحة،فإذا وجد من أحدهم إحساساً بالعلم يمازجه الغرور،أزال عنه درن الغرور ببعض الإختبارات،التي تثبت له أنه مازال في حاجة إلى مزيد من العلم"

 كان حقاً معلماً مربياً،يبني النفوس ويؤدبها،حتى يصير حال الواحد من طلبته يصدّق ما معه من علم،وهذا من أهم جوانب الرعاية والتربية.

وأخيراً عزيزي القارئ والمربي..

إنّ أصحاب المواهب من أبنائنا، الذين منحهم الله تعالى مؤهلات الإبداع والتميز،

هم الذين سيبدلون أفكار العالم، ويغيرون مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم، فلنبذل كل ما في وسعنا من أجل أن نساندهم، ونرعاهم، ونمهد لهم الطريق، ونحن ننظر إلى الأمام فنرى بعيون قلوبنا بزوغ فجرهم الطالع، وأيامهم الآتية بكل خير لهم ولنا، ولأمتهم بأسرها إن شاء الله تعالى.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-ما هي الخطوات- عبير محمد - مصر

13 - جمادى الآخرة - 1430 هـ| 07 - يونيو - 2009




كل ما قيل في هذا المقال كلام ليس عليه غبر الا انه يفتقد الي الخطوات العمليه وطرق العلاج باللتفاصيل والاساليب المختلفه لذلك وخصوصا مشاكل الطفل العندي وكذلك كيف يمكن للام ان تقوم الطفل بعد بلوغه سن السبعه واصبح من الصعب تعديل سلوكه والاهم من ذلك اذا اصبح في مرحله المراهقه هذا الطفل كيف يمكن التعامل معه
نحتاج الي منهج مدروس وبدائل تتناسب مع كل مستوي اجتماعي وكل شخصيه وظروف ماديه واجتماعيه 0
وياريت اكون معكم علي الخط خطوه بخطوه واشارك باي شئ ممكن اقدر عليه
عبير محمد

-المعلم- شمائل - السعودية

14 - جمادى الآخرة - 1430 هـ| 08 - يونيو - 2009




إاذا احس المعلم بان الموهوب اغتربالعلم ،أزال عنه درن الغرور ببعض الإختبارات،التي تثبت له أنه مازال في حاجة إلى مزيد من العلم
كان حقاً معلماً مربياً،يبني النفوس وان الموهبة اساسها معلم ناجح ساعد الموهوب في رفع الحجاب عن الموهبة لذلك علينا بالارتقاء بالمعلم الى اعلى المستويات .

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...