الحجاب في تركيا وأزمة الهوية

دراسات وتقارير » في دائرة الضوء
13 - رجب - 1430 هـ| 06 - يوليو - 2009


1

تعيش تركيا أزمة سياسية هي أشبه ما تكون بأزمة هوية، فهي تتراوح بين علمانية أرسى قواعدها أتاتورك، أو عودتها إلى جذورها الإسلامية, فهي تناضل في اتجاهين، تناضل من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يضع الشروط التعجيزية أمامها مما يجعل من شبه المستحيل انضمامها إليه، وفي الوقت نفسه لا يغلق في وجهها الباب، حتى لا يتركها للطرف الآخر الذي يتنازعها وهو العودة إلى جذورها الإسلامية، خاصة وأن هذا الماضي يحمل في طياته مشاعر العزة والرقي، وتُزَكيه صحوة تدفع إلى التمسك به.

لماذا الحديث عن الحجاب في تركيا:

إن ما يحدث في تركيا هو بروفة لما يمكن أن يحدث في بلاد المسلمين الأخرى. إن «الحرب على الحجاب»  ليست فصلاً واحدًا، لكنها فصول متتابعة وخطوات محسوبة من البداية وحتى النهاية، ومن أراد أن يعرف ما هو الفصل التالي له، فلْيراقب ذلك في بلدٍ مجاور سبقه في الحرب على الحجاب!

لذلك فإن دراسة الحالة التركية ترنو إلى الاستفادة منها حتى يستيقظ الدعاة والمصلحون ويشدوا عزائمهم فلا تقع بلاد المسلمين فيما وقعت فيه تركيا.

قصة الحجاب:

للحجاب في تركيا قصة طويلة محزنة، تبدأ من قوانين أتاتورك، ولا تنتهي عند مروة قاوقجي، أو خير النساء (اسم زوجة رئيس الجمهورية عبد الله جول). ولا يمكن اسـتيعاب أبعاد قضية الحجاب في تركيا، بدون الاطلاع على الجهود التاريخية الحثيثة للقضاء عليه منذ أتاتورك، إذ لا تزال الحرب قائمة بما أحدثته علمانية أتاتورك من  شرخ كبير فـي الانتماء الإسلامي للمجتمع التركي.

فمنذ ما يقرب من ثمانين عامًا، كان البوليس التركي يقوم بنزع الحجاب عن النساء بالقوة وعقابهن أحيانًا، امتثالاً لقانون أتاتورك. وهلك أتاتورك واندثر قانونه، ولكن بقي منع الحجاب وحظره قائمًا في مؤسسات الدولة الرسمية.

وخلال عقود متتالية، طُرِد مئات العسكريين من الجيش بسبب ارتداء زوجاتهم للحجاب، وفُصِلت أعداد متزايدة من الموظفات في أجهزة الدولة بسبب الحجاب.

وتتعسف الأوساط العلمانية في تركيا ضد الطالبات المحجبات، وتقول: إن قانون القيافة الذي وضع عام 1926م في مدة حكم مصطفى كمال أتاتورك يفرض ارتداء الملابس الغربية على المرأة والرجل بحجة التوافق مع شروط الحياة العصرية الغربية؛ ما جعله أحد أهم المؤثرات على مظهر زي الطالبة التركية، وإن كان تطبيقه يرتبط بميول الحكومة الإيديولوجية.

ويفرض قانون ارتداء القبعة، وإلغاء ارتداء الطربوش والطاقية، على المرأة العاملة بدواوين الدولة والحكومة، والمدرسة والجامعة أيضًا ارتداء التنورة (الجيب) الطويلة والبلوزة أو الجاكيت، أو التايير وهو نفس القانون الذي استند إليه مجلس الأمن القومي في تركيا لإسقاط العضوية البرلمانية عن النائبة المحجبة "مروة قاوقجي" عام 1999م، فخلال جلسة حلف اليمين بالبرلمان التركي للأعضاء الجدد بعد انتخابات إبريل من نفس العام، أصر أعضاء الحكومة التركية الائتلافية حينها بزعامة بولنت أجاويد وأعضاء البرلمان من الحزب الديمقراطي اليساري على طرد قاوقجي التي فازت بمقعدها البرلماني عن حزب الفضيلة (المحظور) بحجة منع القانون للمحجبات من دخول القاعة العامة للبرلمان، مثلما أسقط مجلس الوزراء التركي برئاسة بولنت أجاويد جنسيتها التركية.

وقد صدر عام 1981م قانون يمنع ارتداء الحجاب في الجامعات التركية، ولكن تورغوت أوزال (رئيس الوزراء المنتخب عام 1983م) تراجع عن هذا القانون، ثم أبطلته المحكمة الدستورية في إصدار قانون 1987م يمنع دخول المحجبات إلى الجامعات، وقد تم التراجع عــن هذا القانون سنة 1991م، ولكن لم يمنع هذا مـن استمرار الحظر في جامعات كثيرة، من قِبَل البرلمان والمحكمة الدستورية.

ولكن أعاد (الرئيس التركي) سليمان ديميرل إصدار قرار عام 1997م ضمن حزمة الحملة المضادة للتيار الإسلامي أثناء ولاية حكومة مسعود يلمظ بمنع دخول المحجبات المؤسسات التعليمية أو الوزارات والمصالح الرسمية التركية عندما أجبر الجيش (رئيس الوزراء) نجم الدين أربكان على تقديم استقالته، كما منع القرار المحجبات من التردد على الأندية والمؤسسات الاجتماعية التابعة للجيش التركي، مثلما منع الصحفيات المحجبات من دخول أي مؤسسة تابعة للجيش التركي، حيث تم منع بعض الصحفيات التركيات المحجبات من دخول المؤسسات الرسمية للمشاركة في تغطية وقائع إخبارية، وتعرضت مئات الموظفات للفصل أو الإجبار على الاستقالة بسبب الحجاب، واضطرت الطالبات التركيات الميسورات للسفر إلى أذربيجان والمجر والنمسا لاستئناف دراستهن الجامعية، ولكن النظام السياسي مازال يتعقبهن ويسعى إلى رفض اعتماد شهاداتهن الجامعية.

ورغم اضطرار بعض الطالبات في جامعات تركيا إلى الاستمرار في التعليم حتى لو كلفهم ذلك خلع الحجاب أمام مداخل الجامعات، فقد تركت أخريات التعليم مفضلات ذلك على خلع حجابهن.

الأزمة الحقيقية لتركيا هي في صراعها اليائس مع الشعب التركي الذي يسعى لاستعادة جذوره وهويته، التي تغلغلت في كيانه طوال ألف عام.

تركيا تختار الحجاب

أظهرت استبيانات للرأي أجرتها شركة تركية إضافة إلى برنامج تابع للتلفاز التركي أن قرابة الـ 74% من المشاركين بالاستبيان يرون عودة المحجبات للجامعات .

ويعد الاستبيان الذي نشرت نتائجه قناة تلفزيونية خاصة ـ ذات اتجاه علماني ـ وشمل كافة الأقاليم التركية السبعة ووصل عدد المشاركين بالدراسة إلى 1863 شخصًا بينهم 924 امرأة.

جاءت النتائج لتقول: إن 61% من النساء التركيات يرتدين الحجاب. وطالب 73.7% من العينة بالسماح للمحجبات بالدخول إلى الجامعات.

ورأى 70% من العينة بأن الحجاب هو طريقة حياة وليس رمزًا سياسيًا. وفيما يتعلق بحجاب زوجة رئيس الجمهورية، اعتبر 70.5% من العينة أنه لا يمثل أية مشكلة ولا يعد عائقًا.

وطالب 51.3% من العينة بحضور زوجة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المحجبات الاحتفالات والمراسم الرسمية للدولة،  وقال 28.3% من العينة: إن عدد الأشخاص المحافظين قد ازداد في عهد حكم حزب العدالة والتنمية، وأبدى 50.5% من حجم العينة رغبة بتغير الدستور التركي.

هذا ما أعلنته جهات علمانية، فأي ديمقراطية واحترام حقوق الشعب وحرية الأفراد على نحو ما يتشدق به الليبراليون والعلمانيون في بلادنا وفي الغرب أيضًا، فتلك الإحصائيات والبيانات تسقط ورقة التوت الأخيرة عن هذه النظم وما تستند إليه من أفكار.

وتحمل تلك الإحصائيات عدة دلالات:

الدلالة الأولى:  إخفاق النخب العلمانية التركية في جعل مفهومها عن التقدم والحضارة المدنية هو الاتجاه المسيطر أو المقبول لدى غالبية الشعب التركي، كما يكشف أن أفكار مصطفى كمال أتاتورك بقيت شكلية ولم تؤثر في ذهنية المجتمع. إنها أفكار عهدت مهمة حمايتها إلى ثكنات الجيش وأجبر الناس على الاقتناع بها دون الاستناد على قوة الإقناع بل بقوة التهديد والتخويف.

وهذا يكشف أن رياح التغيير في المجتمع التركي بدأت تتحرك، وأن مركبة التغيير بدأت في المسير بعد أن ظلت واقفة منذ زمن بعيد عند المحطة الكمالية، وأن أفكار أتاتورك العلمانية لم تصبح ولن تصبح هي أفكار ومبادئ الشعب التركي

الدلالة الثانية:

أن النخب العلمانية في تركيا آخذة في التحلل. لقد كانت قوة مصطفى كمال وشرعيته هي الانتصارات الوهمية التي حققها في حرب الاستقلال، وكانت الأفكار العلمانية الحادة هي مقابل الاستقلال، في وقت كان معظم الجوار قد خضع للاحتلال.

أما النخبة العلمانية الحاكمة الآن فشريعة وجودها بدأت في التراجع لعدم ارتكازها إلى مرتكزات قوية، أو أرضية شعبية تدعمها.

الدلالة الثالثة:

وصول الصراع العلماني ـ الإسلامي إلى أعلى مستوياته،  فتركيا تعيش صراعًا مستمرًا بين الإسلام والعلمانية يخبو تارة ويظهر للعلن تارة أخرى، وصراع التيار الإسلامي مع التيار العلماني بنخبتيه العسكرية والمدنية ليس صراعًا عاديًا، بل صراع عنيف وقوي.

واتخذ هذا الصراع أشكالاً ومستويات عدة تراوحت ما بين الجدل الفكري والنزاع السياسي وصولاً إلى القهر العسكري الذي كان يتسبب أحيانًا في إلغاء أحزاب والزج بقادتها للسجن، أو طرد الضباط من الجيش إذا ثبت أن أحدهم يواظب على الصلاة أو أن زوجته محجبة.

واليوم يعود هذا الصراع بقوة في مسألة الحجاب،  فتحرك الصراع الإسلامي العلماني في تركيا من دائرة الفكر إلى دائرة الواقع والمجتمع، يؤشر لقوة المد الإسلامي، واستطاعته فتح قنوات أخرى للصراع، هو قادر أن يحقق فيها نتائج تعبر عن قوته وأرضيته الحقيقية في الشارع التركي.

الحرب على الحجاب وأزمة الهوية:

إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا تركزت عداوة العلمانيين في تركيا  على منع الحجاب على هذا النحو اللافت؟

إن أهمية الحجاب (وخطورته) في سياق الحرب على الإسلام؛ تكمن في كونه مظهَرًا من المظاهر الإسلامية التي تُبرِز للعيان مدى ارتباط الشعوب الإسلامية بدينها ومستوى ذلك الارتباط، وهو مظهر يمتلك – كغيره من المظاهر الإسلامية - القدرةَ على التذكير والإيقاظ والإنعاش لكل من لعِب الشيطان برأسه وأغْرته الشهوات أو أضلَّته الشبهات.

إن كراهية العلمانيين للإسلام تقودهم إلى مسارات ومسالك يَبْدون فيها قِمماً في التفاهة والفراغ الذهني والبلادة العقلية، إنهم يطالبون المرأة بنزع غطاء رأسها، بينما يضعون عقولهم في حُجُب من الكراهية والرجعية إلى الكفر.. {فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: ٦٤].

إن الحرس العلماني في تركيا وغيرها من البلاد الإسلامية يريد اجـتثاث الأمة من تاريخها وأصـولها، وهـو ما لا يمكن أن يحدث مهما حاولوا وبذلوا.

وأخيرًا نستطيع أن نقول:

إن لي عنق الأمة لفترة من التاريخ لا يتجاوز سـبـعـيـن أو ثمانين عامًا (متوسط عمر رجل واحد) لا يمكن بحال أن يقارن بأصل متغلغل في نفوس المسلمات لما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


أحمد عمرو

ليسانس آداب جامعة الإسكندرية

مدير وحدة الحركات الإسلامية بالمركز العربي للدراسات الإنسانية.

لي كتاب (إسلاميو الصومال تداعيات الواقع وسينريوهات المستقبل).

العديد من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة في عدد من الصحف والمجلات.

لي العديد من المقالات في مجلة البيان، ومجلة الأسرة .

لي العديد من الدراسات المنشورة في التقرير الاستراتيجي السنوي لمجلة البيان.

نشر لي العديد من المقالات في العديد من مواقع الإنترنت: مجلة العصر، موقع الألوكة، موقع مفكرة الإسلام، موقع لها، موقع وفاء لحقوق المرأة وغيرها من المواقع.


تعليقات
الصبر الصبر الصبر
الله ينصركم على
اعدائكم العلمانين

-- خلود - الأردن

25 - رجب - 1430 هـ| 18 - يوليو - 2009




ان شاء الله راح ينتصر الحق بتركيا وبكل مكان وخصوصا ان الرئيس التركي انسان صادق وملتزم والاتكال على الله .

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...