26 - ربيع أول - 1431 هـ| 12 - مارس - 2010
التحلي بأخلاق القرآن و صفات عباد الرحمن (2)
لكي نفعل الاهتمام بالقرآن الكريم، ولكي نتخلق بأخلاقه، سنحفظ شهريا أو أسبوعيا مجموعة من الآيات ونتحلى بالأخلاق التي دعت إليها، ونتخلى عن الأخلاق التي نهت عنها، وهذه ثمرة الحفظ ، وهي السنة التي سار عليها الصحابة الكرام، كما قال التابعي أبو عبد الرحمن السلمي: تعلمنا ممن يحفظونا القرآن آلا نتجاوز حفظ عشر آيات، حتى نعمل بها فتعلمنا العلم والعمل جميعاً.
وكل منا يراقب نفسه ويحاسبها، وليس المطلوب التوسع في الشرح بل التركيز على التطبيق والعمل. هل التزمت بتطبيق الآيات المقررة في الحلقة الماضية، وهي الآيات من 63ــ 68 من سورة الفرقان، وفيها التخلق بخلق التواضع، والإعراض عن الجاهلين والاستقامة بالبعد عن طريق أهل النار والاستعاذة منها، وجهاد النفس في المحافظة على قيام الليل، والاعتدال في الإنفاق. وهل حاسبت نفسك؟
الآيات المقررة أو المقترحة لهذه الحلقة: من 68ــ 71 من سورة الفرقان :(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ، وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا).
معاني الكلمات:
يلق: يجازى .
آثاما: عذاباً مضاعفاً
مهاناً: محتقراً ذليلاً.
و الآيات تبين الصفات التي ينبغي لعباد الرحمن تجنبها؛ لأنها صفات قبيحة كالشرك، والقتل، والزنا، ثم تدعو للتوبة وتبين شروطها.
الصفة الأولى: تجنب الشرك بالله:
إن الشرك بالله أعظم ذنب، وهو الذنب الذي لا يغفره الله أبداً.
والشرك بالله ظلم عظيم، وله صور كثيرة ومظاهر متعددة، ذكر الله تعالى منها في هذه الآية صورة اتخاذ الند والشريك، وهو ما ينافي أصل عقيدة التوحيد، ولقد كان شرك كفار العرب قبل الإسلام من هذا النوع، فهم يؤمنون بوجود إله خالق، لكنهم يتقربون إليه سبحانه عن طريق عبادة الأصنام أو التوجه لغير الله تعالى في تصريف الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، وهذا تناقض عجيب وجهل مركب.
و قد بين الله حالهم هذه بقوله تعالى عنهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الزمر :3، ولا تخلو المجتمعات الإسلامية من صور لهذا الشرك، فإن الاستعانة بالأموات والالتجاء إلى أصحاب القبور واعتقاد النفع والضر منها شرك أكبر.
وتوحيد الله تعالى لابد فيه من إخلاص العبادة كلها لله، وإخلاص المحبة له سبحانه وتعظيمه وطاعته والكفر بكل ما يعبد من دونه، واتقاء جميع أنواع الشرك والحذر منه؛ لأن بعض أنواع الشرك الأصغر تصير شركاً أكبر بحسب حال قائله ومقصوده.
الصفة الثانية تجنب القتل بغير الحق:
إن الاعتداء على النفس البشرية بالقتل يعد جريمة كبرى، حذر منها الإسلام كثيرا، لأن الإسلام صان النفس لكرامتها على الله تعالى، ولقد كانت هذه الصفة الشنيعة منتشرة في الجاهلية، حيث كان يقتل الإنسان لأسباب تافهة ظلما وعدوانا، من هنا جاء الإسلام وحرم ذلك كله، وشرع له العقاب الشديد، يقول الله تعالى "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدله عذاباً عظيماً". ويقول سبحانه "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا . .الآية". ويقول النبي صلى الله عليه وسلم"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك للجماعة "متفق عليه،وهذا لفظ البخاري".
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" متفق عليه، وفي حديث صحيح رواه النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم".
ونظر ابن عمر رضي الله عنهما يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: "ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك".
كل هذه الأدلة تدل على عظم حرمة دم المرء المسلم وتحريم قتله لأي سبب من الأسباب، إلا ما دلت عليه النصوص الشرعية فلا يحل لأحد أن يعتدي على مسلم بغير حق. يقول أسامة بن زيد رضي الله عنهما بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكف الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله"؟ قلت: كان متعوذاً. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" متفق عليه وهذا لفظ البخاري. وهذا يدل أعظم الدلالة على حرمة الدماء وكما أن دماء المسلمين محرمة فإن أموالهم محرمة محترمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم :"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" أخرجه مسلم ، وبما سبق يتبين تحريم قتل النفس المعصومة بغير حق.
ومن الأنفس المعصومة في الإسلام: أنفس المعاهدين وأهل الذمة والمستأمنين، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وأن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً" أخرجه البخاري.
ومن أدخله ولي الأمر المسلم بعقد أمان وعهد؛ فإن نفسه وماله معصوم لا يجوز التعرض له، ومن قتله فإنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "لم يرح رائحة الجنة", وهذا وعيد شديد لمن تعرض للمعاهدين.
ومعلوم أن أهل الإسلام ذمتهم واحدة يقول النبي صلى الله عليه وسلم "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم". ولما أجارت أم هاني رضي الله عنها رجلاً مشركاً عام الفتح وأراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يقتله ذهبت للنبي فأخبرته فقال صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هاني" أخرجه البخاري ومسلم.
والمقصود أن من دخل بعقد أمان أو بعهد من ولي الأمر لمصلحة رآها فلا يجوز التعرض له ولا الاعتداء لا على نفسه ولا ماله وقد أمرنا الله تعالى بحفظ العهود (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) .بيد أنه ورد في الآية (إلا بالحق ) ومعنى هذا أن الإسلام شرع القتل في حالات تتحقق فيها مصالح كبرى، منها القتل في ساحات الجهاد ،كذلك أباح الإسلام القتل في حالات معروفة مذكورة في كتب الفقه.
الصفة الثالثة: الابتعاد عن الزنا:
هذه تدل على سمو أخلاق عباد الرحمن، فإنهم أبعد الناس عن الفواحش ومنها الزنا؛ لأن عباد الرحمن حريصون على أن تكون حياتهم نظيفة طاهرة، وكذلك حريصون على نظافة مجتمعهم وطهارته من الفواحش، ولهذا تجنبوا الزنا، وابتعدوا عن الأسباب والطرق المؤدية إليه ،فاستحقوا بذلك هذا الثناء من الله.
إن القرآن الكريم يرغب في الأعمال الصالحة، ويصف الملتزمين بها بأنهم عباد الرحمن، وفي الوقت نفسه يحذر من الوقوع في الأعمال القبيحة، ويتوعد من يتلبس بها، بالعقاب الشديد يوم القيامة (ومن يفعل ذلك يلق أثاما )، أي يجد جزاء عمله القبيح عذاباً مضاعفاً لكثرة معاصيه في جهنم خالداََ فيها حقيرا ذليلا، وهذا الخلود ومضاعفه العذاب إنما يكون للكافر الذي جمع القبائح كلها حين أشرك بالله تعالى، وقتل ظلماًً، وزنى.
أما من ارتكب الكبائر دون الشرك كالقتل والزنا فالأصل أنه يعذب عليها في النار لكنه لا يخلد فيها؛ لأن أهل المعاصي من الموحدين لا يخلدون في النار. فإن الله تعالى رحيم بالناس فهو سبحانه وتعالى يبقى الباب مفتوحاًً أمام صاحب المعاصي مهما كانت معصيته ليعود إلى الله، ويتوب وتتحقق هذه التوبة الصادقة بترك المعصية والندم على فعلها والإقبال على الأعمال الصالحة، والتوبة من الشرك تقتضي التلبس بالإيمان بالله اعتقاداًً وقولاًً وعملاًً.
لقد رغب الله تعالى أهل المعاصي في التوبة النصوح ترغيباً عظيماً، وشجع الناس جميعاً على المسارعة إلى التوبة حين وعد الله تعالى أن يبدل سيئاتهم حسنات مكافأة لهم على التوبة الصادقة، التي يتبعها العمل الصالح حتى يعد تائبا حقا، والله تعالى يعنيه على الاستمرار في هذا الطريق ويثبته عليه بالقول والفعل، وهذا معنى قوله تعالى (ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا).














خدمة RSS
ولا بد من أن نحافظ على هذه الأمور