رمضان عند صاحب لطائف المعارف

أدب وفن » آراء وقراءات
02 - رمضان - 1423 هـ| 07 - نوفمبر - 2002


لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب، كتاب يصاحبك على مدار العام، لا تملَّه ولا تشبع من مطالعته، فهو يقدم في كل شهر وجبة خفيفة من المواعظ والوظائف المتعلقة بالشهور، مرتبة على ترتيب شهور السنة الهلالية، فابتدأ بالمحرم وختم بذي الحجة. وابن رجب هو عبدالرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الدمشقي، قدم مع والده من بغداد إلى دمشق صغيراً سنة 644هـ ، درس بالحنبلية وكان لا يعرف شيئاً من أمور النَّاس ولا يتردد إلى أحد، إذ تفرَّغ للدراسة وطلب العلم، وهو أحد الأئمة الحفاظ والعلماء الزهاد. اجتمعت عليه الناس ومالت إليه القلوب، وصنف المصنفات العظمى منها: شرح جامع الترمذي، وشرح الأربعين نووية، وفتح الباري في شرح صحيح البخاري، وصل فيه إلى الجنائز، وتراجم أصحاب المذاهب، وله غير ذلك. وقد توفى سنة 705هـ .

ونحن إذا أردنا التعرُّض إلى لطيفة من لطائف ابن رجب يرحمه الله، فلا أحبّ من التعرض إلى لطيفة شهر رمضان المبارك، نستمتع بما قاله ونقله عن آخرين حول هذا الشهر الفضيل.

في بداية الشهر يذكِّر ابن رجب الغافلين عن الطاعة، الذين أضاعوا فرصتهم في رجب وأتبعوها بشعبان، يذكِّرهم ويناديهم إلى الإقبال على رمضان والعمل فيه بجد واجتهاد:

ياذا الذي ما كـفاه الذنب في رجب  حتَّى عصى ربه في شهر شعبان

لقـد أظلك شهر الصـوم بعدهما    فلا تصيِّره أيضاً شهـر عصيان

واتْل القـرآن وسبِّح فيه مجتهـداً  فإنَّه شهـر تســبيح وقـرآن

فاحمل على جسدٍ ترجو النجـاة له  فسوف تضرم أجسـاد بنيـران

كم كنت تعرف ممن صام في سلف  من بين أهل وجيران وإخـوان

أفناهم الموت واسـتبقاك بعـدهم  حيّاً فما أقرب القاصي من الداني

ومعجـب بثياب العـيد يقطـعها  فأصبحت في غدٍ أثوابَ أكفـان

حتى متى يعمـر الإنسان مسكنه  مصـير مسكـنه قـبرٌ لإنسان

بهذه البداية الجادة الحازمة مع النفس يدعو بن رجب النَّاس إلى استقبال رمضان والإقبال عليه الطاعة فيه، فهو يذكرنا بأهلنا وجيراننا الذين صاموا معنا من قبل، ثم وفيت آجالهم وبقينا نحن فلا يجب أن نضيع هذه الفرصة الثمينة ، إذ إن مآلنا إلى ما آل إليه السابقون. ثمَّ يقول: ولربَّما ظنَّ بعض الجهال أنَّ الفطر قبل دخول رمضان يُراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات، قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولذا يقولون هي أيام توديع الأكل وتسمى تنحيسا! واشتقاقه من الأيام النحسات، وربَّما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحة، بل يتعدَّى إلى المحرَّمات، وهذا هو الخسران المبين، وأنشد بعضهم:

إذا العشرون من شعبان ولَّت    فواصل شُـرب ليلك بالنَّـهار

ولا تشرب بأقـداح صغارٍ    فإنَّ الوقت ضاق على الصغار

وقال آخر:

جاء شعبانُ منذراً بالصيام    فاسقـياني راحاً بماء الغمام

ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، وله نصيب من قوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنَّم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها...) "الأعراف:179"..

كانت حياة السابقين رمضان طوال العام، ليلهم قيام، ونهارهم صيام:

يا صاحـب الذنب لا تأمن عواقـبه    عواقب الذنب تُخشى وهي تُنتظر

فكل نفس ستجزى بالذي كسبت    وليـس للخلق من ديَّانهـم وِزْرُ

باع الحسن بن صالح جارية إلى قوم، فلمَّا انتصف الليل قامت فنادتهم:

يا أهل الدار.. الصلاة الصلاة.قالوا: طلع الفجر؟ قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟! ثمَّ جاءت الحسن فقالت: بعتني إلى قوم لا يصلون إلا المكتوبة، ردني ردني.

وقال بعض السلف: صم الدنيا واجعل فطرك الموت. الدنيا كلها شهر صيام، المتقون يصومون  فيه عن الشهوات والمحرَّمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم.

وقد صُمت عن لذات دهري كلها  ويوم لِقاكُم ذاك فِطرُ صيامي

من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجَّل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، وشاهد ذلك قوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) "الأحقاف:20".

وكانت امرأة حبيب أبي محمد تقوله بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق طويل بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت ونحن قد بقينا:

يا نائــم الليل كــم ترقد    قم ياحبيبي قد دنا الموعد

وخذ من اللـيل وأوقــاته    وِرداً إذا ما هجـع الرُّقَّدُ

من نام حتى ينقـضي ليـله  لم يبلغ المنزل أو يَجْهد

قل لذوي الألباب أهل التقى    قنطر العرضِ لكم مَوعِدُ

أمَّا الاعتكاف والعشر الأواخر من رمضان والاحتفاء والتشمير عن سواعد الهمَّة، فكانت من الفرص العظيمة التي لم يتوان عنها السابقون، يتحرون ليلة القدر ويعملون لها طلباً للنجاة وطمعاً في رحمة الله ورضوانه.

قال جويبر: قلت للضحاك: أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنائم لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: نعم، كل من تقبَّل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر.

فالمعول هنا على القبول لا على الاجتهاد، وإن من أولى الطرق المؤدية إلى القبول ـ إن شاء الله ـ الاعتبار ببرّ القلوب لا بعمل الأبدان وحدها، فربّ قائم حظه من القيام السهر، وكم من قائم محروم.

تولى العمر في سهــو    وفي لهـو وفي خســر

فيا ضيعــة ما أنفقـ    ـتُ في الأيام من عمري

وما لي في الذي ضيَّعـ  ـت من عمري من عذر

 فما أغفـلنا عــن وا    جبات الحمـد والشـكر

أما قـــد خصَّنا الله    بشهــر أيَّما شهــر

بشهـر أنزل الرحمـ    ـن فيه أشــرف الذكر

وهل يشـبهه شهــر    وفيه ليــلة القــدر

فكـم من خــبر صح    بما فيـها من الخــير

رويـنا عن ثقات أنَّـ    ـها تطــلب في الوِتـرِ

فطـوبى لامرىء يطلـ  ـبها في هذه العشــر

ففـيها تنزل الأمــلا    ك بالأنـوار والبــرِّ

قــد قال (سـلام هـي    حتى مطلع الفجـر)

ألا فادَّخــروها إنَّــ    ـها من أنفــس الذخر

فكـم مــن معتق فيها  من النار ولا يــدري



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...