عفاريت سراي الباشا..الرؤية والفن

أدب وفن » آراء وقراءات
10 - ربيع أول - 1423 هـ| 21 - مايو - 2002


تقف هذه المجموعة شامخة مع مجموعاته الأخرى "وجوه وأحلام" و"المستحيل" و"أصابع متوحشة" وغيرها، لتؤكد الطاقات الإبداعية التي يختزنها الأديب الفذ الأستاذ الدكتور "أحمد زلط"، ورسوخ قدمه في مجال فن القصة القصيرة، إضافة إلى إبداعاته الأكاديمية في مجال أدب الطفولة خاصة والدراسات النقدية والأدبية عامة.

وتضم مجموعة"عفاريت سراي الباشا" خمس عشرة قصة، إحداها سبق نشرها في مجموعة "المستحيل" وهي "الطريق إلى القنطرة"، وقد أفصح القاص عن دافع نشرها هنا، بل ونشرها في أية مجموعة تصدر له، وذلك "لكونها واقعية، وتمثل الحقيقة الكاملة التي شهدها في القرن العشرين" كما يقول (ص122).

كما يلفت النظر في هذه المجموعة الإهداء الذي طرز صدرها به، وما يتجلى فيه من فيوضات الوفاء والدعاء والتقدير لروح الأديب الكبير الدكتور نجيب الكيلاني، وهي لمسة وفاء تُحسب للقاص، وتنمّ عمّا يتمتع به من أخلاق رفيعة.

والمتأمل لهذه المجموعة يتبيَّن أنَّ القاص أقامها على ثلاثة محاور رئيسية: محور الثنائية أو التقابلية، سواء أكانت عامة تتعلق بفكرة الطبقية الاجتماعية، أم خاصة تتمحور حول همومه الذاتية.

وقد التقط القاص في هذه المجموعة طائفة من الثنائيات المتناثرة في الحياة مركِّزاً على ما يسودها من ظاهرة التقابل أو التناقض والتباين، وقد وفق توفيقاً بعيداً في اقتناص تلك الثنائيات المتناقضة هادفاً إلى تقديم طروحات فكرية ونفسية واجتماعية مستقرة في أعماق نفسه، وقد عاشها بكل أحاسيسه ومشاعره ووجداناته، ورغب أن يشاركه الآخرون فيها ويعيشوها على نحو ما عاشها هو، ويحسّوا فيها ما أحسّه هو؛ فيفيدوا منها ما أمكنهم ذلك!

وكانت أولى تلك الثنائيات؛ تلك التي تجسِّد الطبقية البغيضة حتى على مستوى القرية البسيطة المحدودة من خلال قصة "عش العصافير" التي تتناول فكرة التكافؤ في الزواج بين طبقات المجتمع القروي المحدود وما يعمِّقها من فوارق أظهرها الانتماء العائلي والفقر والغنى.. فقد رفضت عائلة "الرشيدي" ذات المكانة الاجتماعية المتميزة في القرية مشروع زواج أحد أفرادها من فتاة فقيرة تنتمي إلى طبقة متواضعة يعمل أبوها "محولجي" ولا ينتمي إلى عائلة ذات مستوى اجتماعي مناسب يمكن أن تتشرَّف به عائلة الرشيدي تلك.. ويجاهد الشاب ويقاوم تيَّار الطبقية الذي تمارسه عائلته بكل عنف في محاولة جريئة ويائسة لحماية حبه.. وينجح في المقاومة ويتمم الزواج مضحياً بالأمن والاستقرار والثراء في حمى العائلة الكريمة.. ويتلاحم الزوجان المقهوران عبر مشوار طويل ومحفوف بالمشاق، وينجحان في بناء عش هادئ يغمره الحب والحنان والسعادة.. ويضاعف ذلك عصفوران جميلان كانا ثمرة هذا الزوج هما "هاني" و"أماني".

ويواصل الشاب مشوار الجهاد من أجل الوطن والدفاع عنه، ويصاب بشلل كامل، وتمضي الزوجة المحبة المخلصة كاشفة عن أصالة عجيبة في رعاية زوجها المقعد وتربية ولديهما إلى أن يحققا تفوقاً ظاهراً ونجاحاً باهراً.. ويقضي الزوج نحبه غبّ "رحلة أيوبية الصبر" كما يقول القاص، وتبادر الزوجة بمشاركة ولديها بنقل جثمانه إلى القرية ليوارى في ترابها الطاهر قريباً من عائلته.. ويتم اللقاء والتعارف بين الأسرة وابني فقيدها في مشهد عاطفي مثير.. حتى إذا انتهت مراسيم الدفن عادت الأم برفقة ولديها ليواصلوا مسيرة حياتهم في عشهم الهادئ الحزين.. ويتجسَّد العطاء النبيل الذي غرسته الأم الصابرة المكافحة في نفوس ولديها البارين عندما أعلنا تكريمها بمنحها "الدكتوراه الفخرية للأم المثالية"!

وهكذا استطاعت هذه المرأة التي لم تتقبلها عائلة الرشيدي بما أوتيت من صبر وإخلاص ووفاء، أن تحطم أسطورة الطبقية البغيضة التي تكرِّس الفوارق بين الناس وتقطع الروابط والوشائج التي تقربهم، مرسخة مفاهيم جديدة تقوم على الأصالة والشرف والإخلاص والوفاء والحب!

ثم كانت الثنائية الثانية بعنوان "الفيومي والرومي" التي التقطها من عالم الطيور الداجنة، ماضياً في تكريس فكرة الطبقية البغيضة بكل فوارقها وملابساتها، هادفاً إلى تقديم الوحدة كمطلب يحقق شخصية الأمة وكيانها، وقد رصد القاص ذينك الديكين "الفيومي والرومي" منذ لحظة لقائهما في الأقفاص قبل بزوغ الشمس على طول الطريق إلى السوق ليعرضا مع سائر الطيور والفراخ للبيع، بمناسبة الاحتفال بنهاية العام التي ترتبط أساساً بالديك الرومي، ممَّا أثار حفيظته على قرينه "الفيومي" ليخوضا معركة ضارية شهدت وحدة الفراخ البلدية بقيادة "الفيومي" في مجابهة "الرومي" الغريب الذي خابت مساعيه وخسر المعركة، ولكنه لم ينكص عن التأهب لمعركة أخرى تعيد له هيبته الضائعة!

وتوشك السوق أن تلفظ أنفاسها الأخيرة مع شمس الظهيرة المحرقة دون أن ينجح البائع في الخلاص من "الرومي" لإصاباته البالغة.. ووجدها فرصة طيبة ليحقق لأسرته وليمة فاخرة بهذه المناسبة التقليدية! وهنا يتزامن فرح الأسرة وفرح الديك البلدي الذي أخذ يصيح في غير موعد الفجر وقد أحاطت به أوانس الدجاج البلدية من كل لون مشكِّلة وحدة جماهيرية ظاهرة!

ومن عالم الدجاج أيضاً يلتقط ثنائية أخرى تمثِّل نوعي الدجاج "البلدي" و"المهجَّن"  أو "المعملي"، أو كما يقول "بنت مزارع"! وربما كان القاص يهدف من وراء هذه المناظرة تكريس فكرة الانتماء الوطني إزاء تفشي ما يعرف بعقدة "الأجنبي" أو "الخواجة" التي سادت الحياة الاجتماعية في هذه المرحلة.

ويدع القاص الدجاج إلى الحمام ليعالج قضية التزاوج بين حمام أمريكي وافد من الغرب وحمام بلدي ينتمي إلى الشرق؛ بغية تحسين النسل أو تطوير السلالة أو التكاثر على الأقل.. بيد أنَّ هذه المحاولات التي بذلها محمد الشرقاوي في طول البلاد وعرضها لم تنجح.. حتى إذا أعيته الحيلة وجد الحل في مقولة زوجته التي تدور حول "اختلاف الدم وعدم القبول".

كذلك تمثل قصة "البقرة الحرون" في صراعها الأهوج وعدوانها الهجمي على الجمل رافداً جديداً لفكرة الثنائية أو التقابلية يسعى من خلاله إلى تصوير هذه الطائفة أو النوعية من الناس الذين ينتشرون في المجتمع، ويصبون أذاهم على غيرهم.. ولكنه لا يغفل عن المصير السّيء الذي ينتظرهم والذي يشبه المصير الذي آلت إليه البقرة الحرون تحت أظلاف الخراف التي اجتاحت المكان فغدت جيفة تنهشها أسراب الغربان!

أمَّا المحور الثاني من محاور المجموعة فهو محور القرية وحديثها وهمومها التي جسَّدها من خلال أحاسيسه الخاصة، وقد تناول هذا المحور في عدد من أقاصيصه منها "عش العصافير" و"عفاريت سراي الباشا" و"بوح الأشجار المعمرة" و"أول قطفة" و"أحزمة وأقنعة" و"أوجاع".. وقد وقفنا آنفاً عند "عش العصافير" كمثل لتكريس الفوارق الطبقية في المجتمع، أو مجتمع القرية، فلا نعيده ولكن نشير إلى صلته الحميمة بالقرية بطبيعة الحال.

ثم كانت "عفاريت سراي الباشا" والتي تجسِّد من طرف ثنائية العفاريت القديمة والحديثة، أو الجنية والأنسية.. كما أنها تكرس فكرة الخوف أو "الفوبيا" المستقرة في نفوس الأطفال من لدن عهد الطفولة المبكرة عبر حكايات الأجداد والجدات المعروفة والتقليدية، ودور الظلام في تضخيم الأوهام وتصوري الخيالات واختراع الحكايات المرعبة (ص19)، كما تكشف عن دور فصل الشتاء ومظاهره الخاصة في تنمية تلك الخيالات والأوهام، وكذلك فصل الصيف بلياليه المقمرة الصافية حيث يحلو السمر، وتغدو كلها مواسم للحكايا الشعبية، ثم تتحوَّل الحكايات الخرافية عن أمنا الغول والعفاريت والبغال الأسطورية وغيرها مصادر متنوعة للفوبيا وما ينجم عنها من سلوكيات متباينة، وإن أفادت القاص الفاضل فوائد جليلة لا يني يشيد بها وأبرزها خوفه من الاغتسال في الترعة وما وفرت له من سلامة الإصابة بالبلهارسيا، ويبيِّن لنا القاص أنَّه افتقد هذا المخزون من حكايا جدته في عصر البث التلفزيوني حيث أخذت تختفي مع الأمهات والأجيال الجديدة، ولكنه وجد رافداً مهماً من روافد حكايات الجنّ والعفاريت، أو حكايا الظلام بعد غروب شمس جدته القديمة عبر شيخ عجوز ألف الجلوس خلف بيتهم، والذي أكد له قلة العفاريت واختفاءها من فضاء القرية بسبب النور الذي غمر كل مكان فيها، ولم يترك لها سوى الخرائب والأماكن المهجورة والمقابر.. "فالنور عدوّ العفاريت الأوَّل"!!

على أنَّ عفاريت جدة القاص لم تستطع ـ إذا استطاعت ـ تجنيبه الاغتسال في الترعة ليسلم من البلهارسيا، أن تزرع في نفسه الخوف من الأماكن المغلقة والتعرض لعفاريتها، ممَّا جعله يفكِّر في ممارسة المخاطرة  لمجابهة العفاريت المزعومة بحثاً عن مصادر جديدة للرعب على اختلاف الزمان والمكان؛ لتحديد الفوارق بين الحقيقة والوهم انطلاقاً من سراي الباشا المهجورة بصفتها الموطن المناسب للعفاريت!!

وهكذا استطاعت سراي الباشا أن تشكل محكَّاً للتحدي لدى القاص لتحديد العلاقة بين العفاريت القديمة والحديثة.. وقبل التحدي غير عابئ بالشائعات التي تؤكد سكنى السراي بالعفاريت برغم سماعه بعض الأصوات الغريبة تصعد منها "مثل الأنين.. صفير ريح.. خبط.. تأوهات.. أنفاس غير مفهومة.." وتمكن من الدخول إلى السراي وتعرف على ما بداخلها من أثاث.. حتى تكشَّفت له الحقيقة المذهلة، ولم يقو على مقاومتها، فانطلق يعدو إلى الخارج وهو يتساءل عن هوية هؤلاء العفاريت الجدد الذين استوطنوا هذه السراي بعد رحيل أسلافهم من العفاريت القديمة!!

وهكذا تولَّدت عفاريت سراي الباشا من عفاريت حكايا الجدة القديمة التي استكنت في نفوس الأطفال عبر محاولة للتحدي في زمن النور والبث التلفزيوني الذي لاحق العفاريت القديمة وطردها حتى من الأماكن المهجورة والخرائب والمقابر!!

ثم كانت أقصوصة "أحزمة وأقنعة" التي حملت طرفاً مهماً من حياة القرية وما يسودها من جوع وفقر وبؤس عبر نموذج من بيوتاتها.. وفي غمرة المعاناة والمقارنة مع جياع الأمة العربية والإسلامية ودعوة الأب العاجز عن توفير أبسط مقومات الحياة لربط الأحزمة على البطون الخاوية، تأييداً لأصحاب هذه الدعوة وغيرها من مصطلحات حادثة كالعولمة والخصخصة والهيمنة والجدولة، وغيرها ممَّا يردده سادات المجتمع الجديد.. تنجد بنت الجيران الأسرة الجائعة بصينية بطاطس بالفرن، وفي سرعة البرق كانت الأيدي ممتدة والأسنان تمضغ والمياه تروي والجـــوع يخــف سعاره والشفاه تتمتم بالشكر، ولسان حالهم يقول: "نار فرن الخبيز ولا نار الهيمـنة.. ليت أمثالنا يدركون"97.

وواضح أنَّ القاص يهدف من وراء هذه القصة إلى التخفف من لغة المثالية والشعارات الزائفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن يعي السادة أنَّ الجائع لا يسمع إلا من خلال معدته!

ونصل إلى خاتمة حكايات القرية التي تسجل طرفاً من مشكلاتها وهمومها، وهي قصة "أوجاع" التي عالج فيها مشكلة المهن المنقرضة في القرية بسبب الغزو الحضاري الذي اجتاحها مثل "طلاء الأوعية النحاسية.. وصناعة الطرابيش.. وعمل الحواة.. وغير ذلك، وهي تسجل أطرافاً من هموم أصحاب هذه المهن وما غرقوا فيه من بطالة قاتلة دفعتهم إلى التفكير في الاغتراب بحثاً عن عمل يوفر لهم ما يستعينون به على حياتهم.. ولكنهم يفاجؤون بالرفض والمنع من السفر؛ لتجاوزهم سن العمل المطلوب، ولأنَّ مهنهم لم تعد صالحة لهذا الزمن!

أمَّا المحور الثالث والأخير من محاور المجموعة فهو محور الوطن، وإن لم يظهر هذا المحور إلا من خلال قصة "الطريق إلى القنطرة"، وكنا نتمنى على القاص أن يعضدها بأقاصيص أخرى تكرِّس أبعاد هذا المحور وتبرز ملامحه.. على أية حال فهذه القصة ـ كما ألمحنا ـ تجسِّد مشاركة القاص في أحداث معركة "العبور" في محاولة جادة لرد الاعتبار وحماية الكرامة المهدورة في "نكبة حزيران" الفاجعة!

وتكمن أهمية هذه القصة فيما تمثله للقاص من منعطف نفسي بالغ دفعه إلى إعلان رغبته وعدم تحرجه من نشرها في أية مجموعة قصصية تصدر له؛ لواقعيتها وتمثيلها للحقيقة الكاملة التي عاشها بكل ذرة من كيانه.. وقد نشرها للمرة الأولى في مجموعة "المستحيل" التي عرضنا لها في دراسة سابقة.

على أننا كنا نتمنى على القاص أن يشفع هذه القصة بقصة أو قصص أخرى تكرِّس هذا المحور الوطني وتبرزه، وتشارك في قضاياه ومشكلاته التي لا تنتهي؛ لتتساوى على الأقل مع محور القرية التي تجذَّرت في أعماق نفسه كل ذلك التجذر المذهل الفريد.

كل قصة، بل كل مجموعة قصصية يطالعنا بها القاص المبدع "د.زلط" تكرِّس إبداعه المتميز وموهبته الفذة واقتداره العجيب على توظيف الفن القصصي للتعبير عن أفكاره وآرائه وطروحاته المتنوعة التي تلحُّ عليه إلحاحاً لا يملك منه فكاكاً أو خلاصاً، وإذا كنا رأينا مبلغ اقتداره على نشر آرائه وطروحاته التي شغلته في مختلف أقاصيص المجموعة، سواء منها ما تعلق بالقرية وبالوطن وبالثنائيات التقابلية المتنوعة، فإنَّ الجانب الفني التشكيلي فيها قد تجاوز كل توقع ولا غرو؛ فنحن أمام قاص مبدع ملك ناصية الفن وسيطر على أدواته، وتغلغل نسيج نفسيته، وطاع له عصيّه، وأسلس له قياده، حتى إنَّك لتحس أنَّه لا يجد أدنى مشقة أو معاناة في سرده وحواره وتطوير أحداثه ورسم ملامح شخوصه التي يحسن التقاطها وانتقاءها، إضافة إلى ما تجده فيها من تلقائية باهرة، وعفوية بالغة!

وقد يكون من الصعوبة البالغة الإحاطة بكل مظاهر التشكيل الفني في هذه المجموعة، مما يجعلنا نقبل ـ كارهين ـ الوقوف عند أطراف متناثرة منها، على ما يشوبها من فوضى التنسيق وعشوائية التداعي!

بيد أن أول ما يلفت النظر في تقنيات القصة القصيرة في هذه المجموعة خاصة: ظاهرة الإحساس الهائل بعامل الطفولة، أو روح الطفولة المتغلغل أو المتجذر في وجدان القاص، والذي انعكس من وجه على إبداعه الفني والعلمي من خلال المؤلفات الأكاديمية التي وضعها في هذا المجال الصعب، والذي سجلته قائمة مؤلفاته ودراساته الملحقة بالمجموعة (126ـ129)، ويحس قارئ المجموعة بأنَّ قوة سحرية عميقة تدفعه إلى عالم الطفولة، حيث يجد ذلك في حكايا جدته عن أمنا الغولة والأشباح والعفاريت، وما تولده في نفوس الأطفال من مشاعر الخوف والرعب، كما يجد ذلك في خياله الخصب وقدرته الفائقة على ابتكار الثنائيات الفكرية واختراع الحوادث الخاصة بها، وإقامة الحوار الطريف بين عناصرها أو شخوصها.. بل إنَّه يلمس قدرته البالغة على استغلال كل ما يقع تحت بصره وبصيرته من حيوان وطير وشجر وجماد، في محاولة جادة وناجحة للترميز عمَّا يجول في عقله من أفكار وقيم وطروحات؛ وكل هذا يتجلى بوضوح وعمق في كافة ثنائياته في المجموعة..

كذلك سادت أقاصيصه تقاليد الحكي الشعبي التي تلقانا في أقاصيص "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" وحكايات الحيوان والطير، كما تمثل ذلك بدقة "عفاريت سراي الباشا" التي افتتحها بإحدى حكايات جديته مستخدماً العبارة التقليدية التي ارتبطت بالحكي الشعبي"كان يا ما كان، لا يحلو الكلام إلا بالصلاة على النبي العدنان" (ص18)!

كذلك استخدم الترميز في جوانب من أقاصيصه كما في "الفيومي والرومي" التي تكرس فكرة القومية أو الوطنية والأجنبية، أو ما عرف بعقدة "الخواجة" في المجتمع المصري خاصة والعربي عامة كأثر للاستعمال الغربي للأقطار العربية، كما تكرس القصة قضية الوحدة وتبرزها كمطلب جماهيري للأمة كلها!

كذلك يبرز البعد الرمزي في قصة "البقرة الحرون" التي ربما اتخذها القاص رمزاً واعياً حصيفاً لاسرائيل، كما اتخذ "الجمل" الذي اشتهر بصبره واحتماله رمزاً للعرب الذين لا يكفون عن الصبر على عدوان اسرائيل الذي لا ينقطع، ومن هنا يؤكد القاص إنَّ ذلك إلى حين، وعليها إلا تنخدع أو تغترَّ بما تجد من صبر العرب واحتمالهم حماقاتها، وتغاضيهم عن عدوانها السافر!!

ومن الملاحظات التي تلقانا في المجموعة تناثر بعض الآثار الدينية المحدودة جداً في جوانب من أقاصيصه كما في ختام أولى أقاصيصها "عش العصافير" المتمثل في صوت الكروان في وقت السحر يهتف في جوف السكون بعبارة "الملك لك"، وقد يكون هذا التوظيف لصوت الكروان أفاد القاص من رائعة الدكتور طه حسين "دعاء الكروان" على سبيل التناص!

وقد كنا نتوقع من القاص توسيع هذه الدائرة الفكرية والفنية لما شهر عنه من عناية بالجانب الخلقي التهذيبي في إبداعه، وحرصه على تكريس القيم والفضيلة ومحاربة الرذيلة، كما تجلى ذلك في مجموعة "المستحيل".

ومن مظاهر التناص الأخرى في المجموعة: الإفادة من المأثور الشعبي، حيث أخذ المقولة المشهورة: "في طالع الأنثى الرزق والبركة" (ص69)، كما نستطيع أن نلمح في قصة "البقرة الحرون" وما حشد فيها من ضروب الحيوان والطير صورة مصغرة جداً لرسالة "الصاهل والشاحج" لأبي العلاء المعري، على ما بينهما من فروق هائلة بطبيعة الحال في الطرائق والأساليب والمناهج والغايات.. وإن كان يمكنه أن يطورها لتقترب من رسالة المعري لو شاء!

كذلك يحاول القاص بين حين وآخر الإشارة إلى تزامن بعض أحداث أقاصيصه مع أحداث الأمة الكبرى، كما في "عش العصافير" حيث ربط بين طرد عائلة الرشيدي لابنها الذي تمرَّد على تقاليدها وتزوَّج من فتاة فقيرة لا تتكافأ مع عائلته، وبين طرد الخبراء الروس من مصر (ص8)، كما ربط بين نكبة حزيران التي مزَّقت أوصال الأمة العربية كافة، وأصَّلت الوجود الإسرائيلي في المنطقة، وبين تمزّق أوصال فريقه الكروي الذي كان يرأسه (ص29).

وعلى هذه الشاكلة تبيَّنت لنا ملامح الرؤى الفكرية، كما تجسَّدت أطراف من أبعاد التشكيل الفني في مجموعة "عفاريت سراي الباشا" التي أبدعتها عبقرية الأديب الكبير الدكتور أحمد زلط، وإذا كان لهذه المجموعة من مزية أخرى فإنَّها خطوة جادة على طريق الإبداع في مجال القصة القصيرة، تؤكد رسوخ قدمه في تربة هذا الفن الرائع الماتع، وتؤكد نضجه على مستوى التشكيل والرؤية، وتبشِّر بمجموعات أخرى آتية على طريق الإبداع والفن.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...