الأدب العربي والأدب الإسلامي

أدب وفن » آراء وقراءات
13 - رجب - 1424 هـ| 10 - سبتمبر - 2003


لايزال بعض الناس يرفض مصطلح "الأدب الإسلامي" ولايستطيع أن يميّز  بينه وبين "الأدب العربي"، والحقيقة أنَّ الفارق بين الأدبين هو الفارق بين العام والخاص. فالأدب الإسلامي أدب مستقيم بمعني أنّه أدب يعكس التصوّر الإسلامي الصحيح للإنسان والحياة والكون، وحدوده ـ إذا كان له حدود ـ هي الركيزة التي يقوم عليها وليست هوية الكاتب أو اللغة التي يستعملها، فالأدب الإسلامي أدب عالمي، ومن الممكن أن يُكتب بأي لغة مادام يلتزم بالتصوّر الإسلامي الصحيح.

 أمَّا الأدب العربي فهو كل مايُكتب باللغة العربية سواء كان إسلامياً أو غير إسلامي، ولايستطيع أحد اليوم في هذا العصر الذي يموج بمختلف المعتقدات والأهواء أن يقول إنَّ الأدب العربي ـ كله ـ أدب إسلامي، وإن كان الذين يكتبون فيه يعتبرون مسلمين ويحملون أسماء إسلامية؛ ذلك لأنَّنا نجد بينهم من يعكس الرؤية الماركسية في أدبه، وآخر متأثراً بالوجودية، وثالث عبثي أو "بوهيمي" لاهمّ له ولارسالة فيما يكتب، وهكذا نخلص إلى القول بأنّه ليس كل من كتب باللغة العربية كتب أدباً إسلامياً.

ويظن الكثير مــن النـاس أنَّ الأدب الإسلامـي هـو تلك الروايـات والمسرحيات والقصائد التي تستمد موضوعاتها من التاريخ والتراث الإسلامي، وينطوي هذا الفهم الخاطئ على خطر كبير قد يؤدي إلى تضليل القارئ المسلم العادي الذي يبتغي معرفة تاريخ أمّته من خلال هذه الأعمال الفنية؛ لأنّ معالجة التاريخ الإسلامي والقيم الإسلامية في أدب على أيدٍ مغرضة أو جاهلية لا يوجهها التصوّر الإسلامي الصحيح قد يؤدي إلى طمس المفاهيم الإسلامية وتغييرها والإساءة إلى الشخصيات البارزة في تاريخنا.

وخير مثال على هذا ما كتبه جورجي زيدان (النصراني) من أدب تحت عنوان:"روايات تاريخ الإسلام"، فهل تدخل هذه الأعمال وأمثالها تحت باب الأدب الإسلامي؟ والجواب: بالطبع "لا"؛ لأنّ الإسلام يجب أن ينعكس في الأدب بمفاهيمه وتصوراته وفلسفته في الأعمال الأدبية التي تتناول موضوعات من التاريخ أو الحياة المعاصرة.

إذاً فالأدب الإسلامي ينبغي أن لا ينحصر في موضوعات التاريخ الإسلامي وحده، ويفترض أن لا يكون مباشراً ووعظياً؛ لأنّه في هذه الحالة سيتساوى مع الخطب والمقالات. وأصدق الفن ـ كما هو معروف ـ هو ذلك الذي يعبّر عن رسالته من خلال الرمز والتلميح لا التشهير والتصريح. فلا نعجب إذا رأينا عملاً فنياً، رواية كانت أو مسرحية مثلاً، تدور أحداثها في عصر سابق للإسلام وفي عالم غير عالم الإسلام ولا ترد خلالها إشارة للإسلام من قريب أو من بعيد، ثم تجدها بعد ذلك منبثقة من صميم التصوّر الإسلامي للإنسان والحياة والكون.

ومن هذا الباب يكون الأدب الإسلامي عالمياً حين يجعل من تراث الإنسانية كلها  مصدراً لموضوعاته، شريطة أن تتم معالجة هذه الموضوعات من وجهة النظر الإسلامية، وهذا يتمثّل أكثر ما يتمثّل في كثير من أعمال رواد الأدب الإسلامي في العصر الحديث، أمثال مصطفى صادق الرافعي وسيّد قطب وعلي أحمد باكثير وعبدالحميد جودة السحّار وغيرهم، وقد قام باكثير بخطوة جريئة حين حلق بأدبه المسرحي الإسلامي في الآفاق العالمية عندما تناول قصص التراث الفرعوني والإغريقي والأوربي في أعمال مثل "إخناتون ونفرتيتي" و"مأساة أوديب" و"فاوست الجديد"، ويظل ما يميّزه عن غيره من الأدباء الذين تناولوا هذه الأساطير أنّ باكثير صاغها في قوالب تتفق مع التصوّر الإسلامي للإنسان والحياة والكون.

وقد أعطى الكاتب الإسلامي الأستاذ "محمّد قطب" بعداً آخر لعالمية الأدب الإسلامي الحديث، وذلك حين اعتبر مسرحية "الراكبون البحر" للكاتب الإيرلندي "جون ميلنجتون سينج" تدخل في دائرة التصوّر الإسلامي، وبالمثل نجد د.عماد الدين خليل في كتابه "في النقد الإسلامي المعاصر" يضع مسرحية "مركب بلا صيَّاد" للكاتب اليوناني ليخاندوو كاسونا" في هذا الإطار. وهذا المنهج في نظري سيفتح أوسع الأبواب بيننا وبين الأدب الأجنبي، وسيفتح حقولاً جديدة للنقد والإبداع، وسيصل إليهم تصورنا الإسلامي للإنسان والحياة والكون من خلال أعمالهم التي يتناولها النقد عندنا أو أعمالنا التي تستمد موضوعاتها من تراثهم، وبهذا نستطيع أن نضع بين أيديهم "رسالة الإسلام" فيتأثرون بها في هدوء وبطريقة غير مباشرة، وهذه هي أهمية الفن.. أهمية كبرى يجب أن تكون من بين أولويات الدعوة للإسلام في الغرب والشرق.

إنّ الذي تحتاجه مجتمعاتنا الإٍسلامية المعاصرة هو ذلك الأديب الذي تُبدع قريحته على ضوء الإسلام ويتحرّك قلمه في إطار فلسفته. إننا نريد روايات وقصائد ومسرحيات تتناول قضايا المجتمع المسلم من وجهة نظر إسلامية صحيحة، فالإسلام ليس الماضي فقط حتى نقصر الأدب الإسلامي على التاريخ.. الإسلام هو الحاضر والمستقبل، والإسلام قبل هذا كله وبعده "حضارة"، "ومنهج حياة".. فهل لهذا وجود في أدبنا العربي الحديث؟!



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...