عبدالحكيم قاسم يبكي عمته وقريته في"ديوان الملحقات"

أدب وفن » آراء وقراءات
27 - ربيع أول - 1424 هـ| 29 - مايو - 2003


"ديوان الملحقات" هو آخر مجموعة قصصية للأديب الراحل "عبد الحكيم قاسم" ( 1935 ـ 1990 )، صدرت طبعتها الأولى عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في سلسلة " مختارات فصول" في يناير 1990 م، ثم أعادت مكتبة الأسرة "مهرجان القراءة للجميع" طباعتها في عام 2001 م. ومجموعة القصص التي تضمها المجموعة تمثل في مجملها آخر ما أبدعه الراحل بعد محنة المرض التي ألمت به قبيل وفاته في 13 نوفمبر 1990 م، وهي قصص تميل في معظمها للقصر عكس قصصه السابقة، وتبدو وكأنها بمثابة التنهيدة الأخيرة لهذا المبدع، كما أنها إطلالة علي الحياة التي كان موقنا بمغادرتها سراعاً، لكنه لم يتخل عن السمات التي توسم قلمه وإبداعه عبر مشوار رحلته الأدبية.

 وتحمل المجموعة قدراً هائلاً من الحزن والأسى، ومحاولته المستميتة القبض علي لحظات الفرح العابرة في أفق حياته، كان يتمثل الموت ـ موته ـ بحضوره الطاغي والقادر بين القصص، ولنتأمل عناوين قصص المجموعة: "جدل الحياة والموت" ـ "الجنازة " ـ "السرى بالليل" ـ "طريق الموتى" ـ "عمتي الحبيبة" ـ "طارق ببابي" .. كل هذه القصص وغيرها يمثل فيها الموت شخصاً رئيسياً.ولقد نشر "عبد الحكيم قاسم" معظم هذه القصص في الدوريات العربية المختلفة وبخاصة مجلة "الهلال" العريقة.

ولد "عبد الحكيم قاسم" في أول يناير 1925 م في قرية "البندرة" مركز السنطة بمحافظة الغربية بمصر، وحصل علي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة في 1946 م، وكتب أول قصة قصيرة له بعنوان "العصا الصغيرة" عام 1957م واشترك بها في مسابقة نادي القصة بالقاهرة، لكنها رفضت، وترك هذا الرفض أثراً في نظرته للمسابقات بوجه عام. لكن مشروعه الإبداعي الحقيقي بدا مع روايته الأولى "أيام الإنسان السبعة" التي يعتبرها النقاد واحدة من أفضل الروايات العربية في القرن الماضي، وتوالى نشر إبداعه فيما بعد: "محاولة للخروج" ـ "قدر الغرف المقبضة" ـ "سطور من دفتر الأحوال" ـ "الأخت لأب" ـ "المهدي" ـ "الأشواق والأسى" ـ "طرف من خبر الآخرة" ـ "الظنون والرؤى" ـ "الهجرة إلي غير المألوف" .. ثم أخيراً "ديوان الملحقات" الذي نعرض له.

 والجدير بالذكر أنه كتب مسرحية واحدة هي "ليل وفانوس ورجال"، نشرها في مجلة "إبداع" التي كان يرأس تحريرها "عبد القادر القط" والتي نشر فيها "قاسم" معظم قصصه، بالإضافة لبعض أعماله المخطوطة التي تركها ومنها رواية "عن كفر سيدي سليم" التي نشر منها بعض فصولها قبيل وفاته، و "غريبان في الإسكندرية" وكتاب "مقهى وأحاديث".

 وبرغم هذا الزخم الإبداعي فإنه كان ينتظر منه لكثير، لولا تحالف المرض مع ظروف حياتية لم تكن مواتية له، ورحيله المبكر الذي حال دون اكتمال هذا المشروع، كما أنه أيضا قضى في ألمانيا عشر سنوات للدراسة، لكنه كما كتب ظلَّ مسكوناً بروح "البندرة" قريته التي كتب عنها معظم أعماله كما في هذه المجموعة، ولهذا ظل يردد في غربته أمنيته: "أن أبني داراً في بلدنا البندرة، داراً قدَّامها مصطبة وشجرة جميز وزير ماء، وأن يكون في داري شاي وسكر لضيوفي، وشباك بحري أجلس قبالته وأكتب".

وكتابات "عبد الحكيم قاسم" عن القرية ـ كما في هذه المجموعة ـ تعتبر ذات خصوصية شديدة لها مذاقها وطعمها ونكهتها، الريف عنده له طابع خاص يتميز به عن كتابات القرى الأخرى للمبدعين الآخرين، خاصة أبناء جيله، جيل الستينات إذا أخذنا "المجايلة" في الاعتبار، كان يكتب بتنوع وثراء وحب عميق لناسه وأرضه، كما كان مولعاً باللغة التي كان يعشقها، ينحت منها جملاً وعبارات جميلة ورصينة في آن، كلمات ينتقيها من المعجم تبدو عامية لكنها فصحى، كما كان حريصاً ألاَّ تطغى جماليات اللغة التي يعشقها علي مفردات المضمون فتهمشه أو ترهله أو تنفيه أو تبعده عن موقعه في القص. وتتميز قصص المجموعة مثل قصص مجموعاته السابقة بعدم الغموض أو الإغراق في الرمز، كما لم تستهوه محاولات التجديد الحداثية التي استهوت أبناء جيله.

 وفي هذه المجموعة بالذات تبدو القصص كبكائية على أشيائه الحميمة التي تنتزع منه، وكان في قصصه دوماً مهموماً بشأن قريته التي لم تعد أليفة بالنسبة إليه كما في قرية الأربعينات والخمسينات التي تغيرت تغيراً سريعاً مع ثورة يوليو1952م. نشر "عبد الحكيم قاسم"قصته الأولى"الصندوق" في مجلة الآداب البيروتية عام 1964، وبالعودة لقصص المجموعة نجده في قصة "صاحبة النزل" يتناول حياة امرأة قادرة تمتلك هذا النزل وتؤجره لطلبة الجامعة، ورغم أنها سليطة اللسان فأنها تسقط بالخدعة تحت وطأة خدعة أحد سكانها من الطلبة الذي أوهمها بحبه وعشقه لها.

أما قصة "السرى بالليل" فتاريخ كتابتها هو 7 ـ 9 ـ 1989 م، أي قبل رحيله بأشهر قلائل، والغريب أنه يحكي فيها قصة رحيله من خلال سراه ليلاً بصحبة أخيه على تخوم قريته مفتوناً بالقمر والليل وكائناته الكثار، يتذكر ماضي حياته في حوار إنساني عميق، يتطرق لجبانات القرية كأنه يرصد تاريخها وانتقالها عبر الزمن، وهؤلاء الذين عرفهم وأحبهم وصاروا من سكانها، ويشير لكائنات الليل:الذئاب والثعالب والتيفان والقطط البرية والجرذان والحر، بات يتذكر الطاحونة ورحلة الطحن مع أخته ورحلة العجن، القصص التي أبدعها في حياته، الناس الذين عرفهم وأحبهم حكى عنهم، والناس الذين يشيعونه من محبيه وبخاصة الذين عرفهم وأحبهم في دوَّار أبيه، يمضي في هذا الليل الأثير محمولاً علي نعشه: "زحفت نحو الغيبة، بعدما بدا يأفل القمر وينكسف لؤلؤه وتنمحي حدود الشجيرات والزرع وبنات الهواء وبنات الأرض "، ثم ينهي القصة بهذه الخاتمة  "صفرت ماكينة الطحين علي حافة المرئيات، بذلك كبست عليَّ الظلمة، وانطلق عواء الضبعة، قلت في نفسي لنفسي: "هكذا طهرنا الأرض من الخرافة، وبقيت هذه تعمر صحائفنا والكتب".

  وفي قصة "عمتي الحبيبة": يعود الراوي عمته الأثيرة لقلبه، ويجالسها ويقودهما الحديث عن الموت، تحكي العمَّة عن ابنها التي سألته ماذا سيفعل إذا جاءها الموت؟، وعن استهانته بإقامة سرادق كبير، ومقرئ مشهور يقرأ القرآن، لأن الناس ـ كما أخبرها ـ لا تهتم بمآتم النساء، تحكي عن هذا وهي تضحك، لكن الراوي لا يضحك، وأمر الموت الذي سيأخذها منه يمس شغاف قلبه، جمُد وبان القهر علي وجهه، وهي وقد رأت حاله مات ضحكها رويداً رويداً حتى انكشف الصمت، وترقرقت في عينيها دمعتان.

وفي قصة "طريق الموتى" يتحدث عن الحافلة المسرعة التي تقلهم من القاهرة إلي الإسكندرية، ومظاهر خوفه من حوادث الطرق واحتمالاتها الفجائية التي لا يجدي معها حذر إذا ما حلَّ القدر، حتى تقف الحافلة بهم مضطرة فتخرجه من شروده، وذلك لأن جنازة ريفية لقرية علي الطريق تشيع أحد أبنائها للمقابر علي الجانب الآخر من الطريق، وتقف العربات علي الشمال واليمين احتراماً للموت، هل انتصر الموت علي الموت؟ :" بدأت السيارة تمشي بطيئاً أولاً، ثم تأخذ منتهى سرعتها، وفي القلب بقايا من حديث الموت، وعلي الوجوه سحابات وجوم وصمت ".

وفي قصة "طارق ببابي": نرى الراوي وحيداً مريضاً بعد أن غادرته زوجته وولديه، فإذا به يسمع نقراً علي الباب، يقوم ويتخبط في الكراسي، ويجد أن الزائر هو الأب الراحل، فرح، تدفق الدمع من عينيه، ونعرف أن الأب مات والراوي كان مسجوناً في سجن الإسكندرية، لكن الأب يلومه لأنه ترك سيرة الصالحين، ولا يعمر بيته بالقرآن في رمضان، ولا يشاركه في مائدته للطعام فقير أو مسكين. ويتعلل الراوي بحجج الشقة الضيقة والناس الذين اختلط بهم الصالح بالطالح: "آه يا أبي، إني احتاج لتضمني إلي صدرك، خذني لحنانك الذي اشتقت إليه كثيراً.." وعندما يمد يديه لوجه أبيه يفاجأ بالموت مجسماً أمام عينيه: الوجه وقد تسلخ الجلد عن العظم، حفرتا العينين المليئتان بالدم الجاف، منخاران وصف من الأسنان العارية.. هو الموت إذن!، ويتهاوى ساقطاً، لا يفق إلاَّ علي وجه زوجته تهتف مرعوبة، وابنته وابنه واقفان وجهاهما خامدان. رحم الله عبد الحكيم قاسم .



* قاص وروائي مصري ـ عضو اتحاد الكتَّاب



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- احمدمحمد قاسم - مصر

15 - رجب - 1431 هـ| 27 - يونيو - 2010




كان فى حياته بسيطا لايعرف التكبر ولاالكبرياء مع انه من عائله عريقه فهو ابن الحاج محمد وهيب وجده الحاج عبدالله قاسم فهو من ابناء الاعيان

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...