مروان

أدب وفن » دوحة السرد
23 - صفر - 1423 هـ| 06 - مايو - 2002


مروان.. أكمل الثالثة من العمر.. يملأ البيت حركة وإصراراً وصراخاً.. يشاركني الصلاة كما أصلي.. لا يستطيع أن يفرش السجادة.. يحاول ثم يحاول بيديه الصغيرتين.. لكنها تتلخبط ولا تنبسط كما يجب.

مروان يتركها ويشاركني سجادتي.. يقف بجواري: "الله أكْبَر".. يفخم الكاف والباء.. يقولها رافعاً يديه.. تضيع منه "الراء" فتنقلب إلى "لام".

يقرأ بصوت مسموع: الحمد لله .. رب العالمين.. مالك يوم الدين.. إياك نعبد (يقولها مروان: مالك يومن دين.. إياك نعبدو).. وإياك نستعين.. آمين.

يركع مروان.. وعيناه إليَّ تنظران.. يهبط مروان إلى سجوده بلا قيام.. سجود مروان شيء آخر.. مروان لا تصل ركبتاه إلى الأرض.. يسجد منتصباً على كفيه وأصابع قدميه فقط.. يتابعني بعينيه من بين رجليه.. يسبِّح ويقول: "سبحان ربي الأعلى".. تتحول لدى مروان إلى "سبحان رب الأعلم".

تعب مروان من الصلاة.. كنت لحظتها في السجود.. ركب مروان ظهري.. التفت يداه حول عنقي..

ــ هل أعجلك يا مروان؟

أتذكر موقف رسول الله مع سبطه الحسين.. ارتحله فخشي أن يعجله.. أطلت السجود.. أفرج عني مروان وذهب لشأنه.

****

مروان يذهب إلى دار تحفيظ القرآن مع أمه.. يجلس بين أقرانه معتداً بنفسه.. يمسك بحقيبته المدرسية.. مملوءة بالكتب والدفاتر والأقلام.. جمعها من أشياء أخويه الكبار في المدرسة.. تضيف أمه إليها العصير و"الساندويتش".

يعود  مروان من مدرسته سعيداً منتشياً.. يجري نحوي لدى سماعه خشخشة المفتاح في قفل الباب.. يمنحني تقريراً مفصلاً عن يومه الدراسي:

ــ بابا.. أنا حفظت القرآن.

يسرع مروان بارتقاء الكرسي والجلوس على فخذي..

ــ سمَّعْ لي يا بابا.

ــ قل يا مروان.

ــ قل أعوذ برب الناس ( يقولها: بلب الناس).. ملك الناس.. إله الناس.. من شر (يقول: من شل) الوسواس الخنَّاس.. يوسوس (نسى مروان "الذي").. في صدور الناس (يقولها: صدولناس)..

.. من الجنة والناس.

ــ حلوة يابابا.. حلوة؟

ــ ممتاز.. ممتاز قوي.

أنقده قبلتين على وجنتيه الغضتين.

ــ أنا حفظت "أعوذ برب الفلق" .. عايز أسمَّع لك يا بابا.

ــ قل يا مروان.

يقولها مروان.. ثم يتوه منه الكلام فيتوقف ...

ــ لماذا لا تكمل؟

ــ سأقول: قل هو الله أحد (يقولها: قُلْهُ الله أحد)..

ــ أحسن.. قل يا مروان.

ــ قل (يقولها: قوله) الله أحد.. الله الصمد.. لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفواً (يقولها: كُفَّا)ً أحد.

"أحد" يقولها مروان ويضغط عليها بصوت عال وكأنه يفجر مفاجأة.

ــ ممتاز حبيبي.

                               ****

محمد يكتب.. معتصم يكتب.. مروان يريد أن يكتب..

ــ عايز أكتب يا بابا.. تعال ذاكر لي.

ــ هات القلم والكراس.

أ .. أرنب.. ب.. بطة.. ت.. تفاحة.. ث.. ثعلب.. ج.. جمل.

يقاطعني بإصرار:

ــ والـ... ق.. يا بابا؟

ــ ق.. قطة.

ــ لا .. ق.. أسد!

مروان يصر على أن: ق.. يعني أسد.

ــ ارسم لي "أسد" يا بابا!

مروان أيضاً يعلمني الحساب.. يرفع أصابع يده الدقيقة بالتبادل.. وعليَّ أنا أن أجيب وبسرعة.. قبل أن يعدِّل عدد أصابعه المرفوعة.

ــ كم هذه؟

ــ اثنان.

ــ وكم هذه؟

ــ أربعة.

ــ شاطر يابابا.

*****

مروان يفرض عليَّ المكوس دائماً.. يقطع طريقي عليَّ في الذهاب والإياب..

ــ عايز ريال يا بابا.. عايز ريال كذا:

يشهر أصابع يده الخمسة في وجهي.

يتصرف مروان بإرادة مطلقة في البيت.. يأمر وينهى.. إذا خالفه أحد كان عقابه الشد والجذب والصراخ المتواصل.. إصرار شديد لحصول ما يريد..

وا عجباً لهذا الامبراطور الصغير؟!

نديم "الحليب واللبان والشيبس والشيكولاتة".. يحجز مكانه على سفرة الطعام كأبيه.. الكوب والطبق والملعقة.. لكنه كالعصفور الرقيق.. يدخل منقاره في البحر.. ولا يقتات شيئاً!

مروان نديم أبيه أيضاً.. لا تكون استراحة والده إلا على صدره.. يخفق قلبه المرهف الصغير بالحب والعاطفة.. يشفق عليه كعصفور صغير بلله القطر.. معه تعيش البراءة والصدق والعفوية.. يقول ما يشاء وقتما يشاء.. وكيفما يشاء أيضاً.

عند النوم لا تغفو عيناه إلا في أحضانه.. على وقع كلمات نشيد طفولي رشيق.. أو أحداث حدوتة تحكيها حيوانات الغابة..

ــ تصبح على خير يا بابا.

غلب النعاس عيون مروان.

*****

مروان ابن الفطرة الطيبة.. ابن الحقيقة وحدها بلا رتوش.. أفكر في غدِ مروان.. ماذا عساه أن يفعل به المستقبل؟.. هل يبقى على براءته وصدقه ونقائه، أم يلوثها كما فعل مع سابقيه؟.. وماذا عساها المدرسة تصنع منه.. هل تُبقي على ذكائه الفطري وحدسه الحاد أم تخلق منه كائناً مقولباً مكرراً بارداً؟..

هل سيبقى مروان يصلي.. يقرأ القرآن.. ينهض إلى قلمه وكراسه.. يخفق للقاء أبيه؟

حبيبي أنت يا مروان..

كم يخفق قلبي حدباً عليك..

وكم أخشى عليك من المجهول!

    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين

روابط ذات صلة



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...